غير مصنف

ربما حدث في حمص … أبو غيفارا

صورة مادة حمصربما، حدث في حُمــــــــــــص
أبو غيفارا

كان حطام الجدار الشرقي للمنزل، مكوماً بارتفاع أكثر من متر، وهو لا يملك من العمر سوى اثنتا عشر عاماً، يحمل بين يديه أخته الرضيعة وفي كتفه حقيبة أمهِ، أمه التي دُفنت تحت الركام بعد قصف الليلة الماضية، ومنذ الثانية صباحاً أي تقريباً منذ ست ساعات، لم يعد يسمع صوت أنينها من تحت جدار المطبخ، لم يكن لديه فُرصةٌ بالخروج إلاَّ من بين حطام الجدار الشرقي للمنزل، الذي أصبح مفتوحاً على الشارع مباشرةً، ضمَّ أختهُ إلى صدره، وتأكد من وجود زجاجة الحليب في الحقيبة وحاول بجسده الغض الطفولي، أن يعبر فوق وبين الركام ..

كانت أصوات المدافع قد توقفت جزئياً، والدخان انقشع من سماء الحي منذ يومين..

يكسوهُ غبارٌ تعشَّق عرق جسدهِ في ثيابٍ مهلهلة، حافياً تقدَّم، مدهوشاً من منظر الحي الجديد، تداخلت في الشوارع وفي ساحات الحي، أكوام القمامة مع أكوام حطام البيوت، جدرانٌ مائلة، وأسطحٌ تُقبِّل الأرض من إحدى أطرافها، لم يكن في الشارع حياة، لكن في البعيد بناءٌ عالٍ مازال صامداً واقفاً في مكانه، لكن بصعوبة، وعلى سطحهِ متراسٌ وقنَّاصٌ بخوذته العسكرية الخضراء، يتلفت في كل الاتجاهات بحثاً عن هدف، فتذكر في الحال المشهد السابق لهذا البناء حيث كان يكسوه علم الاستقلال أثناء المظاهرات الكرنفالية، والتي كان أهل الحيِّ يحيونها يومياً ..

كم تغير المشهد، وعَبَرَ الشارع نحو الحطام المقابل،”مثل هرٍّ صغير يتربص بفريسة في أول تجربةٍ له في الصيد”، خشية أن يراه القناص، لأن هذا القناص أو أي قناصٍ آخر في المدينة لا يوفر في قنصه أي شيءٍ يتحرك في الشارع أو المنازل. ثم عبر الشارع الآخر، والآخر، متخفياً من قناصٍ هناك، ومن حاجزٍ هنا، حتى دخلَ حيَّاً فيه الحياة مختلفة، فالناس هنا يمارسون تبضعهم وتجولهم بشكلٍ طبيعي جداً والمحلات التجارية مفتوحةٌ للعمل، وكأن شيئاً لا يحدث في الأحياء الأخرى من المدينة، جلس في الظلِّ على الرصيف القريب منه، وأخرج زجاجة الحليب وبدأ يطعم أخته الرضيعة، الهادئة، والتي التزمت الصمت أثناء عبوره الشوارع المرصودة بالقناصة والحواجز العسكرية، وكأنها تعي تماماً أنهما مستهدفين، وأن بكاءها لو حدث، ستكون نهايتهما، وفي أول الشارع عندما كان يتأمل الناس وكيف يتحركون بسلام وطيب، استوقفته صورةٌ كبيرةٌ للجلاد عند الناصية، فارتفع الدم إلى وجهه، وبدأ الغضب يسيطر على انفعالاته، وتمنى أن يركض نحو الصورة ويقفز عليها ويمزقها إرباً إربا، لكنه لا يستطيع فهذه الطفلة الرضيعة مَن سيعتني بها إن أصابه أي مكروه….

وبدأ يحادث نفسه وأخته ترضع وتراقب وجهه الذي يروي تغير ملامحه كلَّ ما في صدره من احتمالات، ” سوف أعمل بجدٍّ وأجمع النقود اللازمة لأشتري بندقيةً، لأقتل قاتل أمي، وأقتل كل جنديٍّ في هذه المدينة، ثم آخذ أختي ونهرب بعيداً، بعيداً، حيث لا يوجد لا دباباتٌ ولا عسكر، اللعنة عليكَ أيها الجيش” ولم يفكر كثيراً بوالده، فقد كان والده منذ أكثر من خمسة أعوامٍ وهو يعمل في الخليج، ومنذ شهرين تقريباً جاءت دوريةٌ للأمن وأبلغت والدته بأن تذهب إلى المشفى الوطني في المدينة وتستلم جثة زوجها، وجعلوها توقع على أنَّ العصابات المسلحة الإرهابية قد قتلوه في حافلة ركابٍ على طريق العاصمة، لكن عندما شيعوا الوالد رأى جميع أهل الحي آثار تعذيب وحروق على كامل جسده، وقالت أمه أمام الجميع “أبناء الزنى، عذبوهُ وفتحوا بطنه في المعتقل، لقد قتلوه يا ناس”، وبعد دقائق أيقظته أخته الرضية من غفلته، تتململ بين يديه، محمرة الوجه وحرارتها ترتفع بسرعة، ولم يعرف ماذا يفعل، أخذ زجاجة الحليب وتذوق طعم الحليب، لم يحتمل طعمه وبصقه من فمه على الفور، لقد كان الحليب فاسداً، لم يكن يعرف بهذه الأمور، وتفاقم وضع أخته وصارت تنتفض بين يديه وماهي إلاّ لحظات لتختلج الرضيعة ويخرج قيءٌ وزبدٌ من فمها الأحمر الملتهب، حملها وصار يصرخ “أغيثوني أيها الناس، أختي تموت، تموت”، لكن المارة لم يكترثوا لا به ولا بصراخه ولا بأخته التي صارت بين يديه مثل خرقةٍ بالية، ونظروا إليه نظرات اشمئزاز، صرخ وصرخ ولا مغيث، فجأةً انتفضت الصغيرة بقوةٍ وهمد جسدها، أسلمت الروح فوق يديه، يتقطر فوق جثتها التي غادرت طفولتها قطرات دمعهِ الحارقة، كان الناس قد توقفوا عن حركتهم عندما صرخ الطفل المفجوع صرخةً مدويةً هزت الحي كله، “ماتت، لقد ماتت أختي أيها المجرمون”، وقفوا بصمتٍ ينظرون إليه، ولكن هذه المرة بخجلٍ وانكسار، وكأن شيئاً ما قد استيقظ في داخلهم، ولكن أحداً لم يقترب، فحمل أخته وحقيبة أمه وزجاجة الحليب الفاسد، وسار باتجاه صورة الجلاد في أول الشارع والناس تشاهده في مسيره الجنائزي، وضع الجسد الهادئ هدوء الموت، على الرصيف تحت الصورة الكبيرة ووضع بجانبه الحقيبة وزجاجة الحليب، وحمل في يده مفتاح منزله المُدمَّر، وتابع مسير خارجاً من هذا الشارع، نظره مثبت نحو الأمام، سيول دمعه تعرف طريقها جيداً، ومشاعر مختلطة تعتمل في صدره، جعلته يبصق على الحاجز العسكري الذي صار أمامه، وتابع خروجه الغاضب من هذا الحيِّ، وخروجه الأخير من طفولتهِ.

برومو الشهيد ناجي الجرف