غير مصنف

عن الربيع العربي وتحولات العرب والفلسطينيين … عبدالله أمين الحلاق

عن الربيع العربي وتحولات العرب والفلسطينيين

 عبد الله أمين580572_297242767023334_212449061_n الحلاق

من يخرج قليلا خارج نطاق السياسة اليومية للولايات المتحدة, ويدخل قليلا في صلب حدث ثقافي – سياسي يحيي الشعب الأمريكي مراسمه سنوياً, وهو ذكرى اعتداءات 11أيلول ” سبتمبر” التي هزت الولايات المتحدة ومعها العالم بأسره, لا بد له وأن يقف أمام مشاهد مؤثرة لدموع أهالي الضحايا الـ 2500 الذين قضوا في عملية واحدة, مع مشاهد للمكان الذي شهد انهيار برجي التجارة وقد أضحى حدائق ونوافير مياه بما لا يشابه الخرابَ العميم والقاعَ الصفصف الذي كانه المكان في مثل ذلك اليوم قبل عشر سنوات, والذي كابده العالم في المرحلة الانتقامية التي قادتها الولايات المتحدة وإدارة جورج دبليو بوش في نطاق ما سمي بـ ” الحرب على الإرهاب “, حيث تم الرد على عنف الإسلام الراديكالي ممثلاً بتنظيم القاعدة وزعيمه بعنفٍ بات بدوره فالتاً من عقاله, بقدر ما تزاوجت عبر تلك الحرب على الإرهاب المصالح الأميركية لإعادة هيكلة المنطقة العربية مع ملاحقة بؤر التنظيم الإرهابي والاستيقاظ على ذلك الخطر الذي يمثله الاستبداد السياسي والأنظمة العربية الديكتاتورية عبر إنتاجها الإرهاب والتطرف, وإن تكن تلك الأنظمة ربيبة القوة العظمى في العالم وابنتها البارة في آن معاً قبل انقلاب الآية جزئياً في عالم ما بعد الاتحاد السوفياتي وتحرير الكويت, وكلياً أو لدرجة كبيرة على الأقل في عالم ما بعد الحادي عشر من أيلول..

ربيع الشعوب العربية إذ يقوض مفاهيم ما بعد 11 أيلول

إن التعامل الأميركي تاريخياً مع المنطقة العربية, شعوباً وأنظمة, يقوم على المصالح الأميركية في المنطقة, لذا وجدت الولايات المتحدة الأميركية في جل الأنظمة العربية التي استوت أنموذجاً لـ”الاستقرار السياسي” في المرحلة التي تلت هزيمة حزيران 1967 ضمانةً لمصالحها, وبدت الأنظمة العربية متأرجحة بين القطبين الكبيرين في العالم, الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي, أو على صلة وثيقة بالاثنين, وشهدت تلك الفترة ربيعاً للأنظمة وخريفاً للشعوب, كانت تلك الأخيرة تُسحل وتُقمع من قبل حكامها على مرأى من الولايات المتحدة والأنظمة الديمقراطية في العالم, وبغض نظر عن مجازر كبرى ارتكبت في حماه وحلبجة وغيرها ودعمٍ دوليٍّ واسع للسياسات العربية الحافظة مصالح القوى الكبرى على حساب الشعوب.

جاءت الحرب على العراق وإسقاط النظام العراقي على يد قوات التحالف في عام 2003 كجزء من منظور أميركي يعتبر حليف الأمس العراقي عدواً من أعداء اليوم وقطباً رئيسياً في ” محور الشر “, وإذا كان الاحتلال قد خلّص العراقيين من استبداد قاسٍ بدا الخلاص منه بالغ الصعوبة أو مستحيلاً في تلك المرحلة, فإن إحراق المراحل وقسـْــر التاريخ ومسيرته في العراق وفق مزاج الإدارة الأميركية وصقورها صعّب الأمور, وأدخل الشعب العراقي بعد الانهيار في دوامة من الفوضى لما تنته فصولها بعد. نقول هذا الكلام في سياق توصيفي للحالة العراقية وليس على طريقة منظري الاستبداد وديمومته خوفاً من “الفوضى والحروب الأهلية ” من كتّاب قومجيين وممانِعين يرون الاستبداد حامياً للوطن من احتمالات قد تلي زواله, علماً أن الاستبداد العربي هو أكثر من يتحمل المسؤولية عن إيصال المجتمعات العربية إلى شفير الانفجار. هكذا تتبدى مواقف منظري الاستبداد وأبواقه هؤلاء بعد سقوط النظام العراقي ودخول العراق في نفق العنف ” حنيناً إلى الوطنية القبَلية في حِمى الديكتاتور “.

ثم اندلعت الانتفاضات وثورات الكرامة التي اجتاحت بلداناً عربية عدة دون أن تترك بلداناً أخرى في منأى عن احتمالات الربيع, لتحشر أبواق الأنظمة العربية في سورية ومصر واليمن وليبيا وغيرها في زاوية لا يحسدون عليها, ذلك أن هؤلاء كانوا أكثر من هاجم الاحتلال الأميركي للعراق وأفغانستان بحجة أن التغيير وإسقاط الأنظمة يجب أن يأتي من الداخل لا عبر ” ركوب الدبابة الأميركية “, فيما نرى هؤلاء اليوم لا يجدون حرجاً في ركوب الدبابة العربية, رمزياً وإعلامياً, وهي تقصف حماه وحمص ودرعا, أو ركوب الجمال والبغال, رمزياً وإعلامياً أيضاً, وهي تهاجم المتظاهرين في ميدان التحرير بالقاهرة, ذلك أن ملايين المتظاهرين في العالم العربي هم ” متآمرون ومندسون ويخدمون أجندة خارجية وأميركية حصراً ” وكأن الولايات المتحدة الأميركية لم تفاجأ هي ذاتها بهذا المد الشعبي العارم الذي اجتاح الساحات, أو كأن ثورات الكرامة في العالم العربي لم تقوض مفاهيماً كانت أميركا قد رست عليها في عالم ما بعد الحادي عشر من أيلول, أهمها قصور الشعوب ومواتها وحاجتها إلى الوصاية والتدخل العسكري الخارجي, لحل معضلة استبدادية بعمر الأنظمة الانقلابية التي وصلت منذ نصف قرن إلى السلطة وتناسلت إيديولوجياً وبيولوجياً حتى اليوم, كما النظرة الدونية للشعوب العربية بوصفها لا تمتلك درجة من النضج يؤهلها لخوض غمار التجربة الديمقراطية, وأوهام العنف المتجذر في ثقافة هذه المنطقة… هكذا رأينا الغرب مربـَكاً أمام الثورة المصرية قبل أن يحسم أمره ويدعم الشعب المصري ويطالب حليفه التاريخي حسني مبارك بالتنحي الفوري عن السلطة, أو دعم الثورة الليبية عسكرياً في مواجهة صديق بريطانيا وأميركا وغيرها من بلدان غربية بعد غطاء عربي لعمليات الناتو.. أضف, أن الولايات المتحدة والغرب عموماً يبحثان عن موطئ قدم لمصالحهما في بلدان تشهد تغييرات عنيفة, وانقلاب مجتمعي وسياسي شاقولي ينذر بالمزيد من الخلخلة لمفاهيم سابقة ” وآلهة بشرية ” بدت معبودةً  ” إلى الأبد “, على ما نرى مثلاً من مقاطع فيديو تظهر رجال أمن وشبّيحة سوريين يجبرون معتقلين على الركوع والسجود لصور بشار الأسد.

سِلمية الانتفاضات العربية: وجهاً لوجه مع عسكرة المجتمع

تتبدى كلمة ” الانتفاضة ” متداولة كثيراً جنباً إلى جنب وعلى حد سواء مع كلمة ” ثورة “, وإن بدت أقرب إلى القلب والعقل والفكر من كلمة ” ثورة “, فتلك الأخيرة تختزن إحباطات كثيرة بعُمْرِ الأنظمة “الثورية ” وما ارتبط بها من قمع وانتهاكات ونهب وفساد وإن جاءت ” الثورات ” العربية ثورات مضادة لأنظمة الزيف الثوري والعقائدي. كما أن ” الانتفاضة ” التي يكنى بها الربيع العربي اليوم تنسج علاقة رمزية ومعنوية مع الانتفاضة الفلسطينية المجهَضة, والتي صارت ترجمتها في اللغة الإنكليزية مرادفة لاسمها العربي Al- intefada. هذا الكلام لا يأتي من باب رفع العتب ” القومي ” بقدر ما هو دلالة على تقارب في الخطوط العامة للانتفاضة الفلسطينية مع انتفاضات الحرية التي تعم العواصم, ولنتذكر مثلاً أن تياراُ من المثقفين اللبنانيين كان يدفع باتجاه تسمية انتفاضة اللبنانيين ضد الوصاية والجود السوري في لبنان في 14 آذار بــ ” انتفاضة الاستقلال “, تيمناً بالانتفاضة الفلسطينية بدلاً من ” ثورة الأرز ” التي أرادها بعض النازعين نحو لبننة ضيقة لا تأبه بما هو خارج حدود لبنان.

الانتفاضة الليبية وعسكرتها كانت حالة خاصة لا يحتم ولا يفضل انسحابها نموذجاً لبلدان عربية أخرى حالياً لأسباب كثيرة, وإذا ما سلمنا بجدوى الحل وإسقاط النظام على الطريقة الليبية عبر التدخل العسكري الخارجي وتسلح الشعب في مواجهة الطاغية, بات لزاماً علينا اعتبار عسكرة الانتفاضة هي الاستثناء فيما يستوي العمل السياسي المترافق مع التظاهر والاحتجاج السلمي باعتباره المتن والأساس, والحل الأنجع لتجنيب البلاد والمنتفضين مخاطر الحل العسكري أثناء انتفاضتهم وفي المرحلة التالية لسقوط الأنظمة الآفلة حتماً, فسِلمية الثورات بقدر ما هي تعبير عن ضمير الشعب الذي اختارها نهجاً له, بقدر ما هي دلالة أيضاً على أن كل ما كانت توصف به شعوب هذه المنطقة من قبل ” العالم المتحضر ” خاصة بعد الحادي عشر من أيلول هو محض أوهام, فيما تضع الصدور العارية في مواجهة آلة القتل والحناجر الهادرة بهدير الحرية في الاحتجاجات والتظاهرات السلمية ذلك العالم المتحضر قسراً وبقوة الفعل والحدث السلمي للتظاهر والاحتجاج, تحت ضغوط وأمام استحقاقات أخلاقية وإنسانية في مواجهة شعوب الغرب ومنظماته المدنية وشعوب المنطقة العربية, تبدأ بنزع تلك الصورة التي تكرست بعد الحادي عشر من أيلول في أن العرب إرهابيون بطبعهم وانسحاب من قاموا بتفجيرات ذلك اليوم المأساوي ليستووا نموذجاً لملايين البشر التواقين للحرية والكرامة, ولا تنتهي باتخاذ مواقف صارمة من الأنظمة وجذرية ذات علاقة بهذه الانظمة ووجودها وسبل إزالتها.. نقول ذلك رغم أن عنف النظام السوري المفرط في مواجهة الانتفاضة السِلمية في سورية استطاع, موضوعياً, تكريس العسكرة كمكون اساسي من مكونات الثورة اليوم, وهذا خطر ما بعده خطر. خطر على آفاق بناء سورية الديمقراطية مستقبلاً, رفم امنه الخيار الذي اضطر إليه السوريون بعد شهور من سلميتهم ومدنيتهم في الثورة. منبع الخطورة يكمن اساساً في توسع نطاق حاملي السلاح وحضور البعد الديني الجهادي لا الثوري الوطني السوري في المعركة أحياناً كثيرة, وتلاعب قوى خارجية نفطية أساساً بموضوع التسليح وصب القدرات والأموال المخصصة له لفصائل عسكرية ذات لون وبنية ما قبل وطنية, بدلاً من ان يكون لصالح الثورة عموماً وقواها وفصائلها الوطنية.

لكن ماذا عن فلسطين وانتفاضاتها بالتزامن مع كل تلك الأحداث؟

ننحاز إلى الرأي القائل بأن الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 كانت قد حققت إنجازات سياسية أكبر بما لا يقاس من إنجازات قليلة للانتفاضة الثانية التي اندلعت عام 2000, وتلك الأخيرة وإن بدأت سِلمية وبدأت بحشد تأييد دولي سياسي حولها, فإن نكوصها نحو العسكرة قد أفقدها جزءاً كبيراً من الرصيد الذي حققته. تلك العسكرة لم تعد موجهة ضد العسكريين ونقاط الجيش الإسرائيلي بل تعدتها إلى حافلات ومطاعم ومناطق يتجمع فيها مدنيون إسرائيليون, وهذا ما جعل العسكرة وحمل السلاح هدفاً بحد ذاته بدل من أن يكون وسيلة تتوافق مع مرحلة وحاجة دون أن تتوافق بالضرورة مع مرحلة غيرها, ناهيك عن استهداف عبثي لمن يفترض أن يتساوى مع المدنيين الفلسطينيين في الأنسنة, فيما لا تزال الحركات الجهادية الإسلامية, والفلسطينية منها خصوصاً, ترى الإسرائيلي أياً كان موقعه: هدفاً, قبل أن يرتد هذا العنف العبثي إلى الفلسطينيين أنفسهم ويدخلوا لفترة ما يشبه الحرب الأهلية بين فتح وحماس ولتشمل شرائح كبرى من الشعب الفلسطيني. هذا العنف الإيديولوجي ضد المدنيين الإسرائيليين كباراً وصغاراً هو ما كان سبباً أساسياً  في الانحدار الكبير الذي شهدته الانتفاضة الثانية, خاصة في سنوات ما بعد الحادي عشر من أيلول والذي جعلت شارون ينفرد بالفلسطينيين ويصب جام غضبه وإرهابه عليهم بحجة ” محاربة الإرهاب “, الشعار الذي طرحته الولايات المتحدة وكان سبباً في كوارث كبرى شهدتها المنطقة العربية, فيما قدمت السياسات العنجهية لأفراد وتيارات سياسية وحركات جهادية فلسطينية وعربية مسوغاً للاستمرار في تلك الحرب العالمية تلك وبذات الشعار الذي طرحته ألا وهو الإرهاب..

على سبيل الخاتمة

واليوم, ومع التذكر الضروري لأحداث الحادي عشر من أيلول, فيما يفصلنا حوالي شهران عن إطفاء الشمعة الثانية من عمر الانتفاضة العربية التي انطلقت شرارتها من تونس, يتبدى أن مخاض التغيير الديمقراطي وبناء دول مدنية حديثة مخاضٌ طويلٌ وعسير, لن يشكل إسقاط الطغاة إلا الخطوة الأولى منه, وإن تكن الخطوة الأهم, تترافق التحولات الميدانية هذه مع تحولات وتغييرات في الفكر والمفاهيم العربية التي بدأت إرهاصاتها والتأسيس لها يظهران بوضوح, وإن كانت المسألة الفلسطينية لا تزال جرحاً نازفاً كما اعتدناها دوماً, فإن خوض غمار العمل المدني الديمقراطي على مستوى المجتمع الفلسطيني, بالتزامن مع نمو تيار مدني اسرائيلي لا يزال جنينياً ومعارضاً للعسكريتاريا الإسرائيلية قد يبدو أنجع من عبادة العنف والعبوات الناسفة وتحويله غايةً لا وسيلة.. (هذا لا يلغي طبعاً الكفاح المسلح الفلسطيني في مواجهة آلة القتل الإسرائيلية والذي كان ذا جدوى في فترة من الزمن).  كل ذلك سيجعل فلسطين تنخرط في معارك الحرية والتحرر العربيتين, ويزج بالفلسطينيين في معركة ديمقراطية على شكل انتفاضة سلمسة جديدة مساهمة في الربيع العربي الذي يليق بفلسطين كما سورية ومصر والبحرين وتونس واليمن وليبيا وكل الشعوب المنكوبة بالاستبداد. معركة التحرر من الاحتلال الإسرائيلي وقيام دولة فلسطينية على أراضي عام 1967 يفترض أن تسير جنباً إلى جنب مع معارك التحرر من استبداد عربي قاتم وكارثي, وبداية هذا التحرر هو الهدم الذي حققته الانتفاضات العربية للإيديولوجيا المتعالية عن الواقع والكابحة لمحاولات اجتراح التغيير, وتفتيت النواة الصلبة, وهي النواة التي رسمت مفهوماً مصمتاً كتيماً وقائماً على الجمود العقائدي الذي جاءت به أنظمة ما بعد الاستقلال والأحزاب الكلاسيكية, والذي أثبت الشارع العربي اليوم أنه مفهومٌ تبريري محافظ لا تغييري مفتوحٌ على احتمالات عديدة ومنها صعوبات جمة قد تشهدها المراحل الانتقالية..

برومو الشهيد ناجي الجرف