غير مصنف

حرب تدمير في الريف الشرقي لسلمية … عقاب يحيى

197605_1498979974227_2646010_n حرب تدمير في الريف الشرقي لسلمية ..
عقاب يحيى

ما زلت أذكر، والذكريات طوال مجموعة القرى والبلدات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة التابعة لسلمية منذ عقود مديدة، كنا أيامها شباباً صغاراً نقوم بجولات حزبية في ذلك الامتداد الواسع. لنشر أفكار الحزب بين خليطة من البشر: سلامنة وبدو وعلويين .. فلاحين ورعاة غنم .. وبعض المتعلمين ..

بعض القرى لم تكن تضم أكثر من بضعة بيوت متفرقة، متناثرة .. خاصة تلك التي تسكنها عشائر البدو .. الذين غالباً ما كانوا يتركونها لملاحقة رزقهم مع اغنامهم و”سحتهم”.. بينما هناك حواضر كبيرة كعقيربات، وصبورة، والمفكر الغربي، والعلباوي التي عرفت نزوحا نحو سلمية، والسعن، وتل التوت، وبري الشرقي .. وبالكاد تذكر بعض القرى الصغيرة كالحردانة، وخطملو وأم ميل.. وقرى أخرى أسمع بها لأول مرة .. وقد دخلت اليوم التاريخ حيث يقوم نظام الطغمة بقصفها بالمدفعية والدبابات والطائرات في ” حرب تحريره” لسورية من شعبها ..

يقول الأصحاب في الداخل: سلمية ومعظم القرى .. على حطة إيدك .. اي هي التي تعرفها مع تغييرات طفيفة .. لن تجعلك تستغرب أو تتوه عندما تعود .. واستغرب: أبعد عقود ثلاثة، بل اربعة تبقى سلمية وقراها كما هي بينما تضخمت، وازدانت، عديد المناطق والقرى في سورية التي تضاعف عددها، والتي عرفت انفجاراً ديمغرافياً وعمرانياً أكل الأخضر واليابس في عديد المناطق .. فلماذا سلمية ظلت كما هي ؟ .. هل هي استثناء؟، أم أن غضب الطغمة حلّ عليها فحرمها أدنى الإعانات وإقامة المشاريع .. وأين دور أهلها المنتشرون بقوة وكثافة في المدن في طول البلاد وعرضها؟، ولماذا لم يفعلوا كغيرهم في إشادة الأبنية الحديثة، وإعمار البلد التي يفخرون بها كثيراً، ويتعلقون بترابها أكثر ؟؟….

ـفي بداية حركة التفحيح.. قال ” القائد” الصغير رفعت الأسد لوفد من سلمية قابله لأجل بحث إمكانية جعلها محافظة، كحق طبيعي، قديم لها، حرمت منه على مرّ العقود، إما بذريعة قربها من حمص وحماة، أو لأنها لم تدرج على قائمة الاهتمام، فقال لهم: أتريدون إقامة موسكو صغيرة هنا .. لن يحدث ذلك .. في إشارة وقحة منه إلى نسبة المعارضين فيها .. وهي نسبة كبيرة بالفعل، وقد دفع مناضلوها أثماناً كبيرة في المعتقلات والحصار والمنع والتهجير القسري .. وما هانت ولا لانت رغم وجود عديد المنافقين والانتهازيين .. لكن شعلة البلعاس: إباء ظلت هي روح شبابها .. وديدنهم إلى حلم الحرية والتغيير .. وتطبيقاً لنهج اعتمد على مرّ العقود معها، بينما معظم سكانها المقيمين في المدن الأخرى، أو المهاجر لم يكونوا من أصحاب الثروة كي ينهضوا هم بهذا العبء التي لم تقم به الطغمة .

                                                      ****

مع فجر الثورة عانقت سلمية الحلم الطويل واحتضنته بقوة إيمان شاباتها وشبابها. خرقت ما أسموه موقف الأقليات منها .. فكت راية، وعلامة فارقة، وما ذلك بغريب عنها لمن لا يعرفها .. فسلمية توق للفضاء والحرية. وصلابة وإيمان في المواقف، وعطاء للوطن ووحدته وتقدمه.

في الثورة تعانقت الألوان المذهبية التي لم تعرفها سلمية كثيراً، حيث صفة السلموني، والانتماء السياسي والفكر أقوى من كل شيء آخر. احتضنت الثورة الإسماعيلي المنبت، والسني والعلوي والبدوي .. وجمع غفير من تكوينها .. وكانت شعار الثورة الموحّد والجامع .. وانتشرت الثورة في القرى والأرياف من العاصي حتى حدود البادية .. ومن الشمال المفتوح على وادي العزيب والرقة .. حتى قرى حمص، فحمص العاصمة .. حين التحق عديد شباب سلمية وريفها بمظاهراتها وصمودها.

ـكانت السلمية سمت الثورة، وراية البلدة التي حافظت عليها أشهراً، وأمسكت بها بالنواجز رغم الاعتقالات والتعذيب، والقتل، والملاحقة الدامية، والحصار الأمني الشديد، وأعمال الشبيحة القذرة من داخل البلدة ومحيطها، خاصة من قبل بعض العائلات التي احتكرت فعل التشبيح والاعتقال والاعتداء على الناشطين وتصفية بعضهم .. وكثير من ممارسات جعلت الدم يغلي في عروق الكبرياء والإباء .. لكن للصبر حدود، وانتهاكات الطغمة فاقت كل التوقعات .. وبات الدفاع عن النفس والحرمات والأعراض والممتلكات حقاً وواجباً .. جرت مناقشته كثيرا بين الناشطين. فاتجه بعضهم للالتحاق بالجيش الحر، والمقاومة الشعبية، شأنهم شأن معظم شباب الثورة ..

 سلمية التي احتضنت منذ أشهر الثورة الأولى عشرات آلاف العائلات المهجّرة، والنازحة من حماة وحمص وقراهما .. وقدّمت ما تستطيع بما عرف عن أهلها من كرم وحسن ضيافة، وتضامن مع أخوة في الوطن .. وسلمية القاعدة الخلفية للثورة .. التي تمدّها بكثير عوامل الصمود والإغاثة والأدوية .. لم يكن بمقدورها، وقراها أن تبقى بعيدة عن قرار المقاومة .. فانتشرت بعض الخلايا الصغيرة في عديد القرى، لوضع حدّ لانتهاكات الشبيحة الذين سادوا ومادوا، وفك الحصار الأمني الخانق عنها، ومساعدة المدن الثائرة بما تقدر ..

ـطغمة الإجرام تلاحق الثوار في القرى الصغيرة والمتوسطة، ولأنها من طبيعة جبانة تهاب مواجهتهم رغم فجور شعاراتها، وآلاف عناصرها وشبيحتها وحزبييها ومرتزقيها .. إلا أنها لجأت إلى القصف عن بعد، واستخدام المدفعية، والدبابات، والبراميل .. ثم الطيران.

هكذا تعرف بعض القرى، لأول مرة في تاريخها، أنواع الصواريخ والقذائف التي تنهمر عليها من طغمة يقال أنها: نظام. وهكذا يشاهد الأطفال لأول مرة في حياتهم طائرات سورية ..

برومو الشهيد ناجي الجرف