غير مصنف

علم الثورة بين آلية الإنكار والتخوين د. عزام أمين

Sعلم الثورة بين آلية الإنكار والتخوين

د. عزام أمين

بعد حوالي السبعة شهور من بداية الثورة السورية رفع المتظاهرون علم الاستقلال تعبيراً عن رفضهم للنظام الديكتاتوري الحالي بكل رموزه. ويتكوّن هذا العلم من ثلاثة أقسام: أعلاها الأخضر فالأبيض فالأسود، ويضم القسم الأبيض ثلاث نجوم حمراء. تضاربت الآراء حول مدلولات هذه الألوان، فبعضهم قال أنها ألوان الوحدة العربية فيما قال البعض أن ألوانه ترمز إلى تاريخ سوريا فاللون الأخضر يرمز للإسلام بشكل عام واللون الأبيض هوعلم الدولة الأموية والأسود كان علم الدولة العباسية. يقول آخرون أن اللون الأبيض يرمز إلى المستقبل المشرق والأسود إلى ماضي الاحتلال والأخضر إلى مروج سوريا الخضراء واللون الاحمر إلى لون دماء الشهداء. هناك رواية أُخرى تقول أن الألوان مستوحاة من بيت شعر للشاعر العراقي صفي الدين الحلي يقول فيه: بيضٌ صنائعنا سودٌ وقائعنا .. خضرُ مرابعنا .. حمرُ مواضينا.

تحول هذا العلم الذي يُعتبر من رموز الاستقلال بين ليلة وضحاها إلى علم الانتداب الفرنسي ورمزاً للخيانة عند مؤيدي النظام، طبعاً بعد أن قرر ذلك نظام الطاغية في وسائل “إعلامه” أوبالأحرى وسائل “إعلانه” ونسيّ طبعاً مؤيدونظام الطاغية أن هذا العلم رفعته شخصيات وطنية تُعتبر من الرموز الوطنية مثل فارس الخوري وسلطان باشا الأطرش وشكري القوتلي ورُفع أيضاً في سماء دمشق عام 2004 وفي سماء حلب عام 2010 في أحدى الاحتفالات التي يرعاها نظام الطاغية بمناسبة عيد الجلاء وبقيّ معلق على إحدى أبنيتها لمدة ثلاثة أيام وبطول عشرين متر تقريباً وقد أُصدرت العديد من الطوابع الرسمية تكريماً له منها في عام 1961 و1996 و2002 و2003 و2007.

أن ينكر النظام السوري الحالي تاريخ سوريا الوطني ويشوّه هويتها فهذا أمر طبيعي، فبالنسبة له سوريا هي سوريا الأسد. أن يتهم هذا النظام كل من يرفع علم الاستقلال بالخيانة فهذا أمر متوقع ومؤكد بعد أن رفعه الثوار. أن يمتد عصر الجاهلية في سورية حتى عام 1970 وتبدأ عصور النور والتنوير اعتباراً من 16 تشرين الأول من تلك السنة أمر طبيعي عند من يعتبر سورية ملك عائلي. لكن المؤسف فعلاً هو أن يقوم بذلك أشخاص يعيشون بيننا وبطريقة بدائية ساذجة ينكرون تاريخ سوريا الوطني ليثبتوا “لا شرعية” العلم وكأن ذلك دليل على لا شرعية الثورة!!

لعل أكثر ظاهرة اجتماعية أثارت التساؤل على الساحة السورية منذ بداية الثورة هي ظاهرة “المنحبّكجية”، فهم يشكلون طبقة من الناس تعيش بيننا وتتقاسم الوطن معنا ولكنها فضّلت البقاء في مرحلة الرضوخ والخنوع والدفاع عن هذه المرحلة عندما قرر الشعب السوري الانتقال إلى مرحلة التمرد والثورة. المثير للفضول عند هذه الطبقة من الناس هو تبعيتها العمياء لكل ما يفعله ويقوله النظام والسير خلفه في كل شيء كقطيع من الغنم يسير إلى المذبح وبرضى تام وغياب أي روح نقدية مهما كان الحدث وفداحته. وهذا ما أطلق عليه عالم النفس الشهير كارل يونغ في بداية القرن العشرين كنتيجة لاحقة لأبحاثه عن اللاشعور الجمعي “بغريزة القطيع” ويمكننا تعريف غريزة القطيع من حيث المبدأ العام بأنها الانسياق مع ما يُجمع عليه الآخرون بدون تفكير متعمّق أو مناقشة لمجريات أمر أو حادثة ما. يمكننا تلخيص هذه الحالة بقول الشاعر العربي ابن الصمة: وما أنا إلا من غزية إن غوت…غويتُ، وإن ترشد غزية أُرشدِ.

في مقالة له تحت عنوان “تطور أوربا نحو أشكال متعددة من الديكتاتوريات” عالم النفس الفرنسي غوستاف لوبون (1924) يشير إلى أنه عندما تستيقظ غريزة القطيع عند جمهور معيّن فإنه يفقد قدرته على التفكير النقدي وتتحول الأفكار عنده إلى كلٍ واحدٍ إما أن يقبلها دفعة واحدة أويرفضها “ككل” دفعة واحد. لا يهم أن يكذب الطاغية لأن الجمهور أصلاً لا يطلب الحقيقة المهم أن يعرف الطاغية كيف يُحرك غريزة “الخوف والبقاء” عند هذا الجمهور لكي يتصرف كقطيع بردود فعل هستيرية تفضي به إلى عبادة الطاغية كزعيم مُخلّص والخوف من بأسه بنفس الوقت. في هذه الحالة يفقد الجمهور ثقته بكل جديد يراه, ويرفضه رفضاً تاماً ويفقد قدرته على التمييز بين الصديق والعدو ويصبح خاضعاً بشكل أعمى لمشيئة الطاغية الذي يتحول كلامه لدوغما لا تُناقش، أما الذين لا يشاطرون القطيع هذه الاعجاب بالزعيم يصبحون هم الأعداء.

علاقة الجمهور المحكوم بغريزة القطيع مع الطاغية هي علاقة سادومازوشية تأخذ على المستوى اللاوعي طابع الخصاء الذهني، علاقة بنيتها الأساسية التبعية العمياء. فكلما زاد الطاغية من جرائمه ومن إذلاله للناس وإهانتهم، كلما زادوا من خوفهم وزادوا بالتالي توغلاً في حالة الرضوخ والتبعية وزادوا من حالات الاستزلام والتزلف والتقرب، فكل ما يُقال لهم يتم قبوله وبدون أي نقاش أو اعتراض وهكذا يتحوّل رمز استقلال سوريا إلى رمزٍ للخيانة عندهم.

برومو الشهيد ناجي الجرف