حكايا البيدر

منظمات المجتمع المدني .. جديع نوفل

SAM_0186منظمات المجتمع المدني
Civil Society Organizations
مع انهيار أنظمة الحكم الشمولية في أواخر الثمانينات في شرق أوروبا وبعض دول العالم الثالث وتزايد الاتجاه نحو الديمقراطية في العالم بشكل عام، برزت الدعوة إلى المجتمع المدني كمصطلح جديد علينا في المنطقة، هذا المصطلح لم يكن متداولاً من قبل في خطابنا العام أو يحظى باهتمام الباحثين، بل يمكن القول أنه كان مستهجنا وغريبا ويعتبر بدعة من بدع الغرب الأوروبي، وكعادة المثقفين والناشطين المدنيين العرب فقد تلقفوا المصطلح الوافد بالدراسة والتحليل، وصدرت العديد من الدراسات حوله، كما عقدت ندوات علمية وخصصت بعض الدوريات المهتمة به أعدادًا كاملة لتناوله من مختلف جوانبه.
لقد اختلفت المواقف من المصطلح ، فهناك من تحمس له ورأى فيه الحل لكثير من مشاكلنا ورافعة أساسية للعبور من الواقع الذي نعيشه، نحو واقع آخر مجاله الحرية واهتماماته الإنسان وحقوقه، وهناك من تحفظ عليه بل وناصبه العداء خاصة وأن الدعوة للمجتمع المدني، ومصدر المفهوم أساسا هو أوروبا الغربية، يضاف لذلك أن الدعوة له ولإنشاء منظماته ودعمها جاءت من منظمات دولية مهتمة بهذا الشأن، قدمت مساعدات مالية ومساعدات في إعداد الكوادر وتقديم التجربة في هذا الموضوع، كما جاء التحفظ من بعض الباحثين الذين يرون أنه لا يمكن استعارة هذا النموذج الذى تبلور ونضج في أوروبا في سياق تاريخي وثقافي واقتصادي مختلف تماماً عما لدينا.
إلا أن المؤيدين لفكرة المجتمع المدني ولإنشاء منظماته، ينطلقون من أن التطور الديمقراطي للمجتمعات العربية وتحديثها يتطلب قيام تنظيمات غير حكومية تمارس نشاطاً يكمل دور الدولة ويراقب تصرفاتها بنفس الوقت، ويساعد على إشاعة قيم المبادرة والجماعية والاعتماد على النفس، مما يهيىء فرصاً أفضل لتجاوز هذه المجتمعات مرحلة الاعتماد على الدولة في كل شيء وللحد من تغولها على المجتمع والمواطنين، وكذلك تصفية أوضاع اجتماعية بالية موروثة من العصور الوسطى، تعرقل عمليات التطوير والتحديث.
بناء على ما سبق شهدت المجتمعات العربية، وتشهد بالفعل جهوداً حثيثة للتوسع في تكوين هذه التنظيمات والمؤسسات، وسيكون لها آثارها القريبة والبعيدة على عملية التطور والمشاركة في عمليات البناء على كافة الصعد.
لذلك من الخطأ أن نتجاهل هذه الظاهرة أو أن ننعزل عنها، بل يتعين علينا أن نبحث عن الموقف السليم الذى نتخذه منها مما يتطلب أن نتابع:
أولا نشأة المجتمع المدني تاريخياً وكيف تبلور، وأهم الوظائف التي يقوم بها حتى نكون قادرين على حسم موقفنا منه، والتعرف على مدى الحاجة إليه في بلادنا والدور الذى يمكن أن ينهض به في المرحلة الحالية والمستقبلية من تطور المجتمعات العربية.
يشير مصطلح المجتمع المدني إلى كل أنواع الأنشطة التطوعية التي تنظمها (تنظيمات وتشكيلات وجمعيات وأحزاب ونقابات( مستقلة عن الحكومة، أنشطة وفعاليات حول مصالح وقيم وأهداف مشتركة، تعبر عن آراء وتطلعات الأعضاء والمجتمع. هي مؤسسات سلمية ينشئها مواطنون هدفها مساعدة كل من الدولة والمواطن، وتعتبر قطاع ثالث معاون بجانب القطاع الخاص والقطاع العام، وليس من أهدافها الحصول على سلطة أو منصب بل هي خدمة للمجتمع ولا تتدخل الدولة في مهامها وطرق عملها أي لابد أن تكون الجمعية مستقلة.
و للدولة التدخل فقط في وظيفتان من وظائف إدارة هذه المؤسسات وهي التوجيه والمراقبة، أما باقي الوظائف فيجب أن لا تتدخل فيها الدولة وهي التخطيط والتنظيم والتنفيذ.
من المفيد أن يكون 70% من العاملين في الجمعية متطوعين و30% معينين ويجب أن لا تتدخل المحسوبات في اختيار أعضاء مجلس الإدارة، والتجربة في بعض الجمعيات والمنظمات تشير إلى أن عملية الانتخابات فيها، توصل أعضاء غير أكفاء للمجلس، نتيجة عدم الفهم الصحيح لمفهوم الانتخاب والغرض منه، لذلك تلجأ هذه الجمعيات إلى التوافق على مجلس إدارة لفترة زمنية معينة، ينفذ مهام تتفق والأهداف العامة للجمعية .
و تشمل هذه الأنشطة المتنوعة الغاية التي ينخرط فيها المجتمع المدني، مثل تقديم الخدمات، دعم التعليم المستقل، النشاطات الثقافية نشر مفاهيم حقوق الإنسان ، المنظمات الداعمة للمرأة وحقوقها، مراقبة الدولة وتصرفاتها، أو التأثير على السياسات العامة، وفي إطار هذا النشاط الأخير مثلا، يجوز أن يجتمع مواطنون خارج دائرة العمل الحكومي لنشر المعلومات حول السياسات، أو ممارسة الضغوط بشأنها، أو تعزيزها ، استنادا لحقهم في المشاركة بصنع القرار السياسي في بلادهم.
يضم المجتمع المدني مجموعه واسعة النطاق من المنظمات غير الحكومية و المنظمات غير الربحية والمستقلة عن تأثير السياسات الحكومية، والتي لها وجود في الحياة العامة وتنهض بعبء التعبير عن اهتمامات أعضائها، وقيم الآخرين، استنادا إلى اعتبارات أخلاقية أو ثقافية أو سياسية أو علمية أو دينية أو خيرية، و يطلق علي هذه المنظمات مصطلح منظمات المجتمع المدني، و نظراً لأهمية الدور التي تلعبه منظمات المجتمع المدني في تفعيل عمليات التنمية، فقد حظيت دائماً منظمات المجتمع المدني باهتمام العديد من التخصصات المهنية التي تستهدف تحقيق التنمية المجتمعية، ومن ثم فقد زاد الاهتمام في الفترة الأخيرة بهذه المنظمات ودراسة تفعيل أدورها والعمل على التغلب على معوقات العمل بها، وفى هذا الإطار طرحت العديد من المفاهيم العلمية المستحدثة من التخصصات العلمية المختلفة والتي تستهدف تفعيل الأدوار والوظائف لمنظمات المجتمع المدني، للمساهمة الجادة في عمليات التنمية بعد أن أصبحت منظمات المجتمع المدني هي الفاعل الرئيسي الذى يعول عليه تحقيق أهداف وغايات التنمية، وتستهدف هذه المفاهيم محاولة بناء القدرات المؤسسية لمنظمات المجتمع المدني، وبناء القدرات البشرية والاتصالية وغيرها من القدرات بهدف تفعيل أدوار تلك المنظمات للمساهمة في عمليات التنمية المستدامة القائمة على المشاركة واستثمار كافة القدرات.
منظمات المجتمع المدني Civil Society Organizations
– يشير إلى ” مجمل التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة لتحقيق مصالح أفرادها، ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي.
– كما تعرف منظمات المجتمع المدني بأنها وسط أو قناة شرعية يستخدمها الأفراد للتعبير عن آرائهم تجاه السلطة، فيحدده بأنه يمثل نمطاً من التنظيم الاجتماعي والسياسي والثقافي والحقوقي خارجاً قليلاً أو كثيراً عن سلطة الدولة، وتمثل هذه التنظيمات في مختلف مستوياتها وسائط تعبير ومعارضة بالنسبة للمجتمع تجاه كل سلطة قائمة.
ثمة اجتهادات متنوعة في تعريف مفهوم المجتمع المدني تعبر عن تطور المفهوم والجدل حول طبيعته وأشكاله وأدواره، فالمعنى المشاع للمفهوم هو «المجتمع السياسي» الذي يحكمه القانون تحت سلطة الدولة، لكن المعنى الأكثر شيوعا هو تمييز المجتمع المدني عن الدولة، بوصفه مجالا لعمل الجمعيات التطوعية مثل النوادي الرياضية والثقافية، والاتحادات الطوعية، وجمعيات رجال الأعمال والرفق بالحيوان وجماعات الضغط ، وجمعيات وتنظيمات حقوق الإنسان، وجمعيات مناصرة حقوق المرأة والطفل، واتحادات العمال وغيرها, أي أن المجتمع المدني يتكون مما أطلق عليه و إدموند بيرك الأسرة الكبيرة.
في المقام الأول يهتم المرء بسبل عمله ومعيشته، ليكفي حاجته وحاجة أفراد أسرته بالغذاء والسكن وغير ذلك من لوازم الحياة. ولكن يوجد بجانب ذلك أشخاص كثيرون يهتمون بالمجتمع الذي يعيشون فيه، ويكونون على استعداد للتطوع وإفادة الآخرين. أي أن المجتمع المدني ينمو بمقدار استعداد أفراده على العطاء بدون مقابل لإفادة الجماعة. هذا يعتبر من «الإيثار العام». وفي المجتمعات الديموقراطية تشجع على ذلك النشاط الحكومات.
يستخدم المجتمع المدني عادة كمفهوم وصفي لتقييم التوازن بين سلطة الدولة من جهة، والهيئات والتجمعات الخاصة من جهة أخرى، فالشمولية مثلا تقوم علي إلغاء المجتمع المدني، ومن ثم يوصف نمو التجمعات والمنظمات الحقوقية والأندية الخاصة وجماعات الضغط والنقابات العمالية المستقلة في المجتمعات الشيوعية السابقة بعد انهيار الحكم الشيوعي، توصف هذه الظواهر بعودة المجتمع المدني لهذه المجتمعات.
ومع ذلك، يلتصق مفهوم المجتمع المدني في أغلب الحالات بدلالات معيارية وأيديولوجية، فوفقا للرؤية الليبرالية التقليدية، يتسم المجتمع المدني بأنه مجال تطوع الاختيار، و الحرية الشخصية، و المسئولية الفردية، تجاه المجتمع الذي يعيش فيه المرء ويريد العطاء بما له من إمكانيات معرفية وإمكانيات مادية، أي أن المجتمع المدني يتيح للأفراد المجال لتشكيل مصائرهم الخاصة ومساعدة الآخرين، ومراقبة الدولة ومؤسساتها، ويفسر ذلك أهمية وجود الكلمات الدالة على مجتمع مدني قوى متسم بالحيوية في صوره تأسيس جمعيات تطوعية ومنتديات وجمعيات خيرية ومنظمات حقوقية كملمح اساسي للديموقراطية الليبرالية ، والتفضيل الأخلاقي لدى الليبراليين التقليديين للمجتمع المدني، وهو ما يظهر في الرغبة في تعضيد عمل الأجهزة التنفيذية في الدولة عن طريق النشاط في المجال الخاص.
وعلى النقيض من ذلك، يوضح الاستخدام الهيجلي للمفهوم أبعاده السلبية حيث يضع أنانية المجتمع المدني في مواجهة الإيثار المعزز في إطار كل من الأسرة والدولة، من ناحية ثالثة، فإن الماركسيين والشيوعيين عادة ما ينظرون إلى المجتمع المدني بصورة سلبية حيث يربطونه بالهيكل الطبقي غير المتكافئ والمظالم الاجتماعية. وتبرر مثل هذه الآراء التخلص من الهيكل القائم للمجتمع المدني كلية، أو تقليص المجتمع المدني من خلال التوسع في قوة الدولة ودورها التنظيمي. ولكن التاريخ يبين أن تلك السياسات الماركسية والشيوعية والاستبدادية قد فشلت.
فهل يستطيع نشطاء المجتمع المدني والمتحمسون له، في سوريا بناء منظمات وجمعيات وتشكيلات المجتمع المدني الضرورية الآن وفي المستقبل، مستفيدين من تجربة من سبقهم في هذا المجال، ومضيفين لهذه التجربة خبراتهم؟
جديع عبدالله نوفل
مركز الديموقراطية والحقوق المدنية/ سوريا/

برومو الشهيد ناجي الجرف