جرن حنطة

الراديكالية والتطرف الديني …. هادي جواهري

مركز المجتمع المدني والديمقراطية مقالة الراديكاليةالراديكالية والتطرف الديني

الراديكالية هي العودة إلى الأصول والجذور والتشبث بها ، والسعي للعمل بمقتضاها . وأصل هذه الكلمة يأتي من الكلمة الإنكليزية Radicalism  والذي يقابلها باللغة العربية ” أصل أو جذر “. وقد انطلقت الحركات الراديكالية عبر التاريخ من البحث عن منشأ المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وجذورها والمطالبة بإزالتها.

وعادة ما تنتهج هذه الحركات منهجا يعارض المنهج الإجتماعي القائم، وتتصرف وفق ذهنية تنسف ما هو قائم سعيا لتشييد ( الطوبى) المنشودة لديها.

بالنظر إلى معظم الحكومات في العالم، يمكن القول أن الجناح اليميني المتطرف ضمن أي حكومة هو الممثل أو الأب الروحي للراديكالية. وبما أن التطرف بمضمونه يميل إلى التمسك بالطرف الثاني النقيض، فإنه عادة ما يميل إلى إحداث تغيرات في الفكر والعادات والمؤسسات القائمة.

بدأت بوادر التطرف والفكر الراديكالي بأوروبا على وجه الخصوص في العصور الوسطى، وذلك عندما وقف رجال الكنسية ضد التحرر العلمي والسياسي والفكري، ودعوا إلى التشبث بالأصول القديمة دون تجديد.

تشكل الظروف الاقتصادية والاجتماعية و السياسية السيئة أو المتوترة البيئة الحاضنة لنمو الأفكار المتطرفة، وكذلك يلعب الاستبداد الدور الأهم والأكبر في نشوء التطرف و يخلق له المبرر الذي يستمد منه حضوره واستمراره .

شهد العصر الحديث بروز التطرف على أكثر من صعيد ، واتخذ طابعا منظما وقد شهد القرن الماضي بروز منظمات مثل الألوية الحمراء في ايطاليا، وبادر ماينهوف في ألمانيا، و الجيش الأحمر الياباني، ومنظمة ايتا الباسكية، والجيش الجمهوري الإيرلندي كما بدأت بوادر التطرف لدى الإسلاميين تظهر في كل من مصر والجزائر و من ثم العراق وليبيا وتونس، ويمتد هذا التيار الآن إلى سوريا، وتتخذ معظم المنظمات الراديكالية اليسارية منها والإسلامية مسارا عنفيا ضد الحكومات و الجماعات المناوئة، وربما ضد المجتمعات أنفسها.

إن التطرف الديني من أي جماعة دينية كانت، دفع في الكثير من الحالات عبر التاريخ لأن تقوم تلك الجماعات بإرتكاب جرائم ضد أخرى باسم الدين، وتعدّى الأمر ذلك لأن يرتكب هؤلاء مجازر ضد بعضهم البعض ضمن الجماعة الواحدة، ولعل ما حدث في الحرب الأهلية بإيرلندا عندما تقاتلت مجموعات كاثوليكية وأخرى بروتستانتية مثال على ذلك، وكذلك الصراع الدموي ما بين السنة والشيعة في الشرقين الأوسط والأقصى مثالٌ آخر. كانت أحداث الحادي عشر من أيلول المعطى الأبرز لحالة الصدام بين التطرف الإسلامي الممثل بالقاعدة، وبين حاملي لواء (مكافحة الإرهاب) وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية وكان من نتائجها دخول المارينز الأمريكي لأفغانستان بعد ضرب حركة طالبان و تنظيم القاعدة، وما تزال  تلك المنطقة غير مستقرة وتشهد استنزافا كبيرا للأرواح و الاقتصاد و البيئة.

يؤدي التطرف إلى نتائج كارثية على المجتمعات، ويعمل على زعزعة السلم الأهلي والقضاء على أية أفكار مدنية، ففي مجتمع مثل سوريا على سبيل المثال غني بتنوعه الديمغرافي، يمكن القول أن بروز أي جماعات تنتهج نهجاً راديكالياً  سيكون له عواقب قد تشكل عرقلة أمام التحول الديمقراطي.  فقد عمل النظام السوري على تغذية بؤر التطرف، واستعملها كأوراق إقليمية في الدول المجاورة والآن وبعد أن اتخذت الثورة السورية مساراً عنفياً عبر لجوء الثوار القسري إلى حمل السلاح و ذلك على إثر إيغال النظام في سياسة القتل والإجرام وقد بات المجال مفتوحا  لكل القوى المتطرفة و الساعية إلى التغول والاستئثار أن تؤسس لنفسها مرتكزا لمد نفوذها واكتساب المؤيدين، وبتنا نرى مشاهد القتل والذبح والنحر والتعذيب تصدر من أناس يحاربون النظام أيضا، كما علا الخطاب الطائفي المتشنج وصرنا نسمع ونرى ونقرأ الكثير من المصطلحات الطائفية، وانحسر نفوذ الضباط المنشقين لتنمو سطوة أمراء و متنفذين بتسمياتٍ إسلامية، وبات هذا التحول في الثورة مجالا خصبا للتأويلات والتوقعات عدا عن كونه سببا في تنامي عجلة القتل واستغلال النظام اللاأخلاقي لهذا المد الراديكالي كي يوفر لنفسه الحجج الكافية لتهديم المدن فوق سكانها، و الظهور بمظهر المدافع عن القيم المدنية والعلمانية في المنطقة.

ما جرى في رأس العين و سلمية وريف حماة و حمص و مناطق أخرى متداخلة قوميا و طائفيا ينذر بتحولات كبيرة ستكون سببا في احتراب دائم إن لم ينهض كل المدافعين عن القيم المدنية و التعايش والسلم الأهلي بواجباتهم، وأي محاولة لإدامة التوتر والاقتتال سيشكل رافعة للحرب الأهلية.

إعداد : هادي جواهري

مركز المجتمع المدني والديمقراطية في سوريا

برومو الشهيد ناجي الجرف