جرن حنطة

الحيادية … د. عزام أمين

419645_436266803110533_2059878551_nالحيادية
د. عزام أمين

أنا لا مع هدول ولا مع هدول” “أنا ماني معارض و لا مؤيد” “ليك أنت بتعرفني بحياتي ما كنت مع النظام بس هي مو ثورة وأنا ضدها” جُمل يستخدمها في بداية أي نقاش  -كما يستخدم المسلمون البسملة – من يدّعي “الحياد”. و السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل فعلاً هؤلاء حياديون؟

يمكننا تقسيم هذه المجموعة من الناس إلى طائفتين :

–         الحياديون الصامتون الذين اختاروا ما يعرف في علم النفس بـ “سلوك المتفرجين”

(Mcilveen et Gross, 2001) و عادة ما يكون هؤلاء من الخائفين وهم بشكل عام لا يحبذون النقاش. و يتّبع هذا النوع من الناس ثلاثة استراتيجيات معرفية كوسائل للدفاع عن الهوية (الأنا) و هي: أولاً إعادة تعريف ما يحدث في سوريا بحيث يقنع المرء نفسه أن ما يحصل لا يستدعي منه التدخل وحتى لو تدخل فذلك لن يُغير في شيء. ثانياً توزيع المسؤولية على جميع الأطراف بالتساوي. ثالثاً التقليل من شأن الضحية ولومها على ما هي فيه من محنة (كنا عايشين بأمان ..وشو بدّها العالم بالتظاهر) وفي هذه الاستراتيجية هم يتشاركون مع مؤيدي الطاغية.

الصنف الثاني يمكن أن نسميه “بالحياديين الناشطين أو المزيفين” وهؤلاء يحاولون الظهور بمظهر الحكماء الأذكياء و يحاولون دائماً وبإلحاح إقناعك بوجهة نظرهم و لا يضيعون فرصة للحديث عن صوابها وعقلانيتها. قسمٌ كبيرٌ من هؤلاء الأشخاص ينضم تحت ما يُسمى بالتيار الثالث.

موقفهم العلني هو حيادي لا شك فيه: الطرفان مخطآن، ما هكذا تكون الثورة وما هكذا يكون الحكم فسوريتنا الجميلة راحت بسبب النظام و المعارضة. و في خلطة غريبة عجيبة من أمرها، الحيادي يحب الجميع و يقف على مسافة متساوية من الجميع و لا يعجبه أحد غير أمثاله و بدافع الحب و الحب فقط يكتفي بالفرجة. يتحدث عن تغيير النظام بطريقة سِلمية انسانية راقية وعندما تسأله “كيف؟” لا أحد يدري كيف، فلا بالتظاهر و لا بالاعتصام و لا بالقوة و في ردّه على سؤالك يكتفي بالسب و الشتم على السعودية وقطر ويشرح لك طويلا ما يجب أن “لا تفعله” ولكن ولا كلمة واحدة عن ما يجب “فعله”.

يبقى السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل فعلاً الموقف الضمني لهؤلاء هو حيادي؟ بمعنى آخر هل فعلاً هؤلاء هم حياديون؟

المراقب لنقاشاتهم اليومية و صفحاتهم الفيس-بوكية يمكنه أن يلاحظ عدة نقاط مشتركة بين هذا “الجنس الثالث” و بين مؤيدي الطاغية “المنحبكجية”:

التبخيس الأخلاقي و الطبقي لكل من يشارك في الثورة و يتظاهر لإسقاط النظام فهؤلاء من الرعاع و العاطلين عن العمل الأميين ولا يعرفون معنى الحرية (هلق هدول اللابسين غلابيات صاروا يفهموا بالحرية) بالاضافة للحديث عن مناطق العشوائيات فوبيا أو رُهاب السلفية وهنا يمكننا أن نلاحظ شيئين: أولا بالنسبة لهم وبشكل لا شعوري السلفية مرتبطة حصراً بالاسلام السُنّي، ثانيا لا يميزون بين الاسلامي و السلفي فالأمر ثنائي الحد بالنسبة لهم (يا أبيض يا أسود).

 (Wason, 1960 ; Delouvée, 2010) التحيّز التوكيدي يمكننا تعريف هذه الاستراتيجية بنزوع الفرد إلى الاهتمام بالمعلومات التي تؤكد موقفه و انتقائها, و إهمال المعلومات التي لا تعزز موقفه. بعض علماء النفس الاجتماعي يسمي هذه الآلية النفسية “بالتفكير الانتقائي” حيث يقوم الفرد بالبحث عن أدلة تؤكد موقفه المسبق مهملاً الكثير من الأدلة الأخرى التي تدحضه (نيشرون، 1998).  وهنا يمكننا أن نقدم الكثير من الأمثلة عن المؤيدين للطاغية “المنحبكجية” و عن مدّعي التيار الثالث الحياديين. فمثلاً يمكننا أن نلاحظ أن صفحاتهم الفيسبوكية تمتلئ يالمنشورات عن “جرائم” الثوار و المعارضين فضحاً لعلاقاتهم الخارجية المشبوهة مع الدول العربية, الإقليمية, أو الأوربية. لكننا لا نجد أثراً واحداً للاعتراض على إجرام النظام أو علاقاته المشبوهة و التاريخية مع روسيا و إيران مثلاً.

عشرات المجازر التي يقوم بها النظام شهرياً لا تستدعي منهم أي “بوست” إدانة, ولكن جريمة واحدة من قبل الجيش الحر أو تفجيراً في منطقة “أقليات” تثير فيهم نوبةً من الصياح و الاهتياج العاطفي و البكاء و الغضب و تنهال اللعنات من قبلهم على الثورة و ساعتها.

قتل عشرات الأطفال و النساء شهرياً على يد جيش النظام الممانع و قصف الأفران  ومئات الفيديوهات الطائفية عن اغتصاب و تعذيب يرتكبها أفراد الجيش الباسل بحق العزّل و التمثيل بهم وقتلهم أحياناً بدم بارد لا تستدعي منهم أيّ اشارة, ولكن يكفي فيديو طائفي واحد يدين الثورة (كفيديو الطفل الذي يشارك بقطع رأس أحد الضباط) من بين آلاف الفيديوهات التي تدين النظام لكي يظهر فوراً على صفحاتهم مع التنديد الشديد و التحذير مما نحن مقبلون عليه

لا يمكن لمجزرة على طابور خبز يُقتل فيها 300 إنسان مدني أن تجبره على الخروج عن صمته، لكن تفجيراً يقتل عسكريين من جيش النظام “الجيش الوحيد الذي يحق له حمل السلاح” تجعله يبكي و يندب حظ سوريا الحبيبة على قلبه.

يمكننا أن نقول أن هذه الشريحة من الناس تتبع سياسة النأي بالنفس وعدم التدخل فيما يحصل قبل التفكير في المكاســـب و الخسائر. الالتفاف و الاستفادة من الظرف الراهن و الكائن دون تقديم تضحيات يشكل استراتيجيتهم المفضلة. وكأن لسان حالهم يقول: إن انتصرت الثورة سنستفيد من مكاسبها فالديمقراطية تحمينا وتساوينا بالجميع (نحنا هيك كان رأينا ولازم تحترموه! مو مشان الحرية و الديمقراطية أنتو طلعتوا تظاهرتوا؟؟), و إن انتصر النظام فموقفنا الحيادي وعدم مشاركتنا في الثورة يحمينا من الخسائر (شفتوا ما قلنالكم أن أسلوبكم غلط؟؟

الحياديّة حق من الحقوق فالأفراد لا يملكون نفس البنية النفسية و نفس الجرأة لاتخاذ موقف صريح مما يحصل لذلك يتبع البعض حِيَلاً نفسيةً دفاعية من أحل التهرب من الاختيار. ولكن البعض الآخر يتبع أسلوب خلط الأوراق من خلال المقارنة أو المساواة بين المجرم والضحية من أجل تمييع القضية ونقل الأنظار عن الجريمة الحقيقة والمجرمين الحقيقيين إلى تفاصيل وجزئيات لا أهمية لها في غالب الأحيان. هؤلاء في الغالب ليسوا حياديين أبداً و في أعماقهم لا يختلفون كثيرا عن المنحبكجية. نفس آلية الخنوع و انعدام الاحساس و الضمير ولكن أكثر خجلاً, أو ربما ليس خجلاً بل خبثاً يؤدي بهم ليتعاملوا بثعلبية مع ما يحدث

عندما يكون هناك أكثر من مئة ألف شهيد و ملايين المشردين و نظام يقصف المدن و القرى و يدمر البنية التحتية و الفوقية لبلد بأكمله تصبح الحيادية (حتى لو كانت أحد الحقوق) موقفاً لا أخلاقياً .

برومو الشهيد ناجي الجرف