خميرة

مسرحية , خبر مسرحي … بسام سفر

APTOPIX Mideast Syriaالحرية تواجه الملك
بسام سفر

يدرس الكاتب المسرحي التونسي عز الدين المدني في مسرحيته “خبر مسرحي” الصادرة عن مجلة الرافد في سلسلة كتاب الرافد “15”، بشهر “آذار، مارس” 2011، كل عوامل الطبيعة الموجودة في منطقة حوران السورية التي يحكمها الملك الغساني “أبو عمر”، وخلافه مع”أسماء بنت الحارث بن العزي”، بالإضافة إلى خلافه مع أخويها “زهير وقيس”، إذ قتل زهير، ومنع دفنه كما شرع الله وكل القوانين الأرضية. وتخرج أسماء نحو القصر الملكي، وتعتصم عند بابه الكبير المغلق لكي تأخذ جثمان أخيها زهير.

العرف والتقاليد في النص:

 تلعب الطبيعة القاسية لسهل حوران دوراً كبيراً في تقصيد حالة “أسماء بنت الحارث” عند خروجها ” في ساعات الظهر؟…. الشمس تثقب الرؤوس، عينها حمراء دامية!”. لكن أخيها الصغير قيس  يجادلها فيما هي مقدمة عليه متسائلاً: “أولستُ أخاك وشقيقك؟ إني وكيلك، نائبك إذا أحببت! أين ثقتك بي؟ راحت، راحت!تكلمي، أجيبني، قولي: نعم، قولي: لا! خاصميني! لطالما أزعجني صمتك أرعبني سكوتك”. وترد أسماء على أخيها قائلة:” عد إلى البيت. عد! يكفي من هذه الثرثرة… أنتَ لست بوليّ أمري، بوصيّ عليّ، بوكيلي”. هذا والجدال والنقاش الدائر بين أسماء وأخيها يخرج عن إطار الحوار والنقاش التقليدي، إذ أن العرف المجتمعي في المجتمعات العربية التقليدية الذكورية يحمل فيها الأخ حتى لو كان الأصغر مسوؤلية أخته وسلوكها لكن هذا الجدال في” خبر مسرحي” يخرج عن هذا العرف، إذ توجه الأخت أسماء الأخ الأصغر بالقول : “أقضي ما أريد من الشؤون بنفسي، بإرادتي. اخرج بالقارب اللازوردي، لا تبتعد كثيراً فالموج ظالمك جّهز طعام العشاء. بقية السمك في الثلج. أقله قليلاُ مستحباً. لاتحرقه. هيا امض الآن…”. وهذا ما يعد خرقاً واضحاً للعادات والتقاليد في المجتمعات العربية الشرقية، إذ يتلقى الأخ الأوامر من  أخته وكأنه ابنها الصغير.

ويتعدى خرق الأعراف والعادات العلاقة بين أسماء وأخيها، لنجد حارس بوابة القصر يعطي الأوامر لأسماء من النافذة الصغيرة مربعة الشكل، ويخاطبها “ماهذا؟ ابتعدي!..ألم نقل لك منذ سبعة أيام سوف يطلبك مليكنا للمقابلة؟ قومي، انهضي… ممنوع دنوك من حضرتنا…”. أن هذا الخطاب العنيف شكلاً ومضموناً من حارس القصر، يوضح جزءاً من خطاب السلطة وتعاملها مع أبناء شعبها كحالة شيئية غير إنسانية، ويتجلى ذلك بقول الحارس:” أريحينا من وجهك النكرة! عطّلت رياح الشمال!”.

لكن بذات المعنى غير التقليدي يأتي رد أسماء على الحارس ” المرأة لا تتحرك، لا تريم، خطاب الصوت الآتي من النافذة كأنه لا يعنيها. صوت لا شخصي. هل هو بوق؟ صوت لا بشري؟ من يدري؟”.

إنها لا تولي خطابه أية رد فعل، وكأنه غير موجود أصلاً. وهي تعيش في عالم آخر غير الذي أمامها. وعندما تعود إلى الحالة الواقعية تطلب الحارس طلب واضح “قل لمولاكَ ياحرس القصر، قل لسيدك الملك أبي عمرو : أسماء هي التي تطلبك أمام الناس شهوداً عليك”.

أن الحرية الداخلية التي تتمتع بها أسماء صاحبة الحق تطلق العنان لصبرها وشجاعتها وحبها لأخيها إذ تخاطب الحارس قائلة : “..إني إمراة عزلاء، لا سند لي، ولا وليّ اللهم إلا الحق : حق الميت على الحيّ أن يكرم الحيّ الميت فيقبر له في لحد”. وهي تطالب بحقها والحق الإ نساني العام بدفن أخيها، وهذا يعد جزءاً من الأعراف التقليدية في المجتمع العربي الشرقي، ومنعه خرقاً للأعراف والتقاليد، وإذا جاء هذا الخرق من قبل الحاكم، يعد إهانة وإذلال للميت وأهله وعشيرته. لكن الملك لم يكتفي بالخرق للتقاليد وإنما يستمر في الأمعان بخرق التقاليد الإنسانية إذ تخاطبه “أنتَ أتيتَ على عمود سندي. أنت ظلمت يا أبا عمرو أخي زهير. أنتَ قتلت أخي زهير. أنت رميت بجثته خارج الأسوار. أنت أهملته في العراء العاري نكالة به وشماته بنا”.

والخرق الواضح الذي يقدم عليه الملك أبا عمرو في خطابه إلى أسماء قائلاً: وعلامَ الشهود؟ كلامي شرع! ولا اعتراض عليه… الحكم الملكي نافذاً في الحقير والجليل من الأمور، في القريب والبعيد من البشر”.

من الواضح أن العلاقات التي تربط بين الظواهر في المسرحية ليست مستقلة فعلاً عن الإنسان كما في حالة قرارات الملك أبو عمرو، إنما هي من صنع البشر المتمثلة في الملك، وهي لا تمثل حالة إنسانية قوية قادرة على مساعدة الإنسان، وإنما تخرج عن حدود العقل الإنساني في الحدود التقليدية ليصبح عقل الطاغية هو السلطان الشرعي الوحيد، وليست ثمة سلطة أخرى عداه في ربوع مملكته. رغم وجود العقلية التي لا تعرف بهذه الحدود التي رسمها عقل الملك الطاغية وتتعامل مع هذه العقلية بصبر وشجاعة، وفي ذات المنطقة المحدودة مطلقة العنان لكفاح حر خارج خارج جدران هذه العقلية المحدودة التي تخرق الاعراف والتقاليد لغاية تثبيت حالة اللاشرعية الذاتية الفردية، وهذا ما يتمثل في حالة أسماء بنت الحارث بن عبد العزى.

الحرية التي تعبق بالمسرحية: تنهض حرية أسماء من خلال الأجساد التي تتنفسها، تستطعم قواها وتستجمعها في كل لحظة عشق تتحطم، تستهلك كل شيء وتستفرغ لكي تترك روحها لأخيها زهير مستعيدة روح نساء العرب من الجزيرة إلى اليمن السعيد، ومن البحرين والأحساء إلى الحجاز، وتهامة، كأم السليك وزوجة المحلق وزرقاء اليمامة، وأم تأبط شراً وردينة العبشمية، والخنساء بنت زهير بن أبي سلمى، وكبشة بنت عبدالمدَان، فكل إمرأة منهن حرة كالرياح العاصفة في الربع الخالي، كزوابع بحر العرب وتخاطب الملك أبو عمرو قائلة: ” كل امرأة منهن حرة في النفس و الضمير والقول! والحرية أيها الملك فوق عدلك، تعلوه، تتجاوزه، تتميز عنه، تستحقه، تمحقه…!”.

إن نظرة أسماء للحرية مستمدة من تيار جسدي وعقلي، أورثته لها سلالتها البشرية والإنسانية مضافاً إليها تيار اللامرائي الذي يطأ كل المرئيات ويصعد بها نحو الانعتاق المزود  بالأشواق والقوة اللتين تمكناها من الانعتاق من واقع مملكة الذل عند الملك أبي عمرو الغساني (ملك حوران). لكن نظرة السلطة الملكية إلى الحرية على أن “هذه الحرية التي تعنيها(أسماء) إنما هي تسيب وتهتك وفتنة وفوضى!”. وأسماء تعمق نظرتها للحرية من خلال مواجهتها مع الملك باتهامه أنه “كلما سمع كلمة حرية”، فإنه يرتعد منها ويغضب لذلك يسميها”مزاجاً وهوى ونزوة وفوضى ليحط من شأنها، وليزدريها، وليجعلها شراً مستطيراً، وخطراً مهلكاً على مملكته”، ويرد عليها الملك أبو عمرو قائلاً : “أخوك زهير علّمك هذا الكلام الباطل؟ الكلام السفيه؟ هل تعلمين من سلحوه؟ أعداؤنا ملوك الحيرة! الملوك المناذرة!”. وتتمسك أسماء بالأخلاق وتعدها جوهر خلاص الإنسان الذي يتغير ضمن الزمان والمكان عبر الإيقاع السرمدي للمحارب من أجل الحرية في ظل التدفق المتنوع للتجسيدات والمغامرات الإنسانية، إذ تخاطبه “إما حريتي و إما شرعك وعدلك! وحريتي إنسيتي و أنوثتي ومنزلتي في الدنيا وكرامتي ونبلي وشرفي في عشيرتي وسبب حياتي ومماتي، ومن لا حرية له يا أبا عمرو الملك لا شرف له، هكذا علمني أبي الفارس المغوار الذي قتلته أنت أشنع قتلة يوم المزار! لم أطلبك لكي آخذ بثأر والدي! بل طلبتك لآخذ بثأر أي إنسان صادرت كرامته وحريّته وعزّه!”.

رغم كل الأجواء المأساوية في المسرحية التي تصنعها سلطة الملك أبو عمرو إلا أن دور أميرة النمل، والنمل في المسرحية تحسم واقع المسرحية لمصلحة القبيلة بعد وأد أسماء، وقتل أخيها قيس، فهذا معشر النمل الأحمر ينشد بشكل جماعي على إيقاع الحرية قائلاً: لبيك لبيك   نحن النمل الأحمر

                                                         لبيك ياحرية

                                     سعديك سعديك         نحن النمل المبارك

                                                     سعديك ياحرية

                                      حنانيك حنانيك         يا أرض الأمومة

                                                     حنانيك ياحرية

وهذا الوجود الرمزي للنمل في المسرحية يرمز للشعب وأهالي القبيلة الذي يفني الوجود الفعلي لسلطة الملك على المسرح، وفي الواقع نتيجة التشريع الذي يسنه الملك أبو عمرو خارج ما عرف من الأعراف والتقاليد المعمول بها في المملكة.

 هكذا تصبح الحرية هي المعيار الحقيقي لبقاء الملك أبو عمرو وسلطته، فالنمل هو الشعب الذي يحسم الخيارات لمصلحته وزوال سلطة الملك لأن الحرية هي أساس وجوهر الحكم القديم في المملكة، كما هو أساس وجوهر الحكم في الأنظمة السياسية في العصر الحديث.

أن الحرية التي حركت شعوب العالم في أزمان سابقة، هي التي حركت شعوب المنطقة العربية في إفريقيا، وفي بقية العالم العربي في آسيا، لأنها تفسح المجال أمام تعبير الشعوب عن ذاتها ومطالبها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وتقرب هذه الشعوب وقواها السياسية في التعبير عن حاجات الشعب الأساسية. فمسرحية “خبر مسرحي” للكاتب التونسي عز الدين المدني الذي استعادت حرية الشعب عبر “النمل وأميرته”، وأصبحت التعبير الأكبر عن هذا الشعب في شخصية أسماء التي انتفضت للأموات قبل الأحياء.

برومو الشهيد ناجي الجرف