حنطة بلدية

أذكر .. لارا صبرا

394860_122314047940559_923480244_n“”أذكُر””
لارا صبرا

أُغمض عيني قليلاً علّني أتخلص من الحرقة,الغثيان, ودوار البحر الذي انتابني في أخر أيامي.
هنا ..وكلماتي أخدت بالإلتصاق, أذكر معلمتي, ولست أبالغ إذ قلت أنّها كانت تَسهو في درس الفيزياء معظم الوقت, تنظر من النافذة إلى الخارج دون أن تنبس بحرفٍ واحدٍ, وقبل أن يُقرَع الجرس ببرهة, وقبل أن يُجَن جنون الطّالبات عادت لنا من أحلامها يوماً وقالت :””لكل فعل رد  فعل يعاكسه بالجهة و يساويه بالقوة””. أتسائل الآن هل كانت كلماتها تحتاج لهذا الوقت؟! وهل تعي ما قالت!؟
تلك المرأة المحبوبة على الرغم من هَفواتها, هي زوجة لرجل, الإنتهازية أقل ما يمكن وصفه به, رجل كان إلى جانبنا خلال الأشهر الأولى للثورة, ودخول “”الأسود البواسل”” إلى مدينتي نقله إلى الطرف الأخر. هو هَادن الضّابط على كلمَته عندما رأى البَنادق, ربما كان يظن أنهم سيرمونَنا بالأزهار!!؟.

“”تهتم الفيزياء بابتكار طرق جديدة , والتّقدم الحضاري و المدني يرجع الى التّقدم الباهر لها””  .بعد مرور سنة ونصف على ذكرياتي الملطَخة , أكادُ أجزم أنّ الفيزياء لا تمت لي بصلة  واستبدالها بالثّورة سيجعلها أقرب لواقعي .

الآخر..مدرس االرّياضيات الشّاب, بهيئتِه الحازِمة و ثيابه الرّثة, لا يمكن أن أنسى ما أُذيع عنهُ بين الفتيات, حين وصلت كلماتهم لي أنا المعجبة بذكائه, “الأستاذ إخوان,إخوان ,إخوان……””

هكذا تهامَسن ولا زلت أسمعهن إلى الأن ,و لازال ذكاؤه يعجبني وإطراؤه المنثور أمامي : “عندك خيال” ,يعجبني أيضاً.
“”إخوان ..إخوان…….

ذاته الشّاب الذي أتَمَّ شهره الرّابع عَشر في الظُلمة “كما يقال”, من يُخبر والدته أنّ جُرحها غادر  مع ترنيمة المساء, والطّائر على كتفه الأيمن في أخر أيامه كان كافياً للتنبؤ بالرَّحيل. لم تُوًّثق ساعة وفاته ولم يُغسَل من دمائه, وعليها أن تنتظر موت المُغتصب, لتقرأ رسالته على جدران الزّنزانة. وحدها ستَتَلمس أحرفه, تُتمتم صلاة الرّحيل وتُعلن تأجيل ضجيجه لحياةٍ أخرى .

الأن ..لا أعلم لماذا تحوم حولي أيامي السّابقة, وصديقاتي اللّواتي ابتَعدن عنّي قبل بزوغ الفَجر بصفتي مُندسة. اليوم الأول للإِقتحام و مهمة التّخلص من الإرهابيين, ومن شرفة المنزل أرى سيارة الإسعاف أمامي بضوئها الأحمر و الرّصاص يجاريها فزَعاً, وأرى نفسي أغتنم الفُرصة لأُشاهد الفيلم السّينمائي المعروض للتو, غير أبهة للموت و لكلام والدي “”لارا وطي راسك ..لك لارا …لارااااا””.
أعلمُ فقط أنني أذكر…. وعينَاي تُقطرّان دَمعاً ودَمّاً, وأعلم أيضاً أن لا أحد يكترث لترَّهاتي إلّا إذا أصبحت رقماً, ولذا أرقدُ هنا بين السّطور, علّني أرقد معهم.

برومو الشهيد ناجي الجرف