حنطة بلدية

العلية التي لم تعد موجودة .. غطفان غنوم

العلية التي لم تعد موجودةالعلية التي لم تعد موجودة بعد الآن
غطفان غنوم
=====================
قبعنا هادئين تماما , حبسنا أنفاسنا وتعالت ضربات قلبينا بشدة من الخوف.
لم تكن أول مرة لنا في ذلك المكان. وكنا قد اعتدنا أنا وهي أن نصعد على الدرج في تلك البناية حتى ينتهي بنا إلى الباب المفضي للسطح. وفي تلك العلية كنت افرش كأي جنتلمان عاشق سترتي على البلاط.  وأقتسم المساحة معها بحب. و لم يكن يضايقنا أي شيء أبدا سوى الضوء المتسرب عبر الثقب الموجود في باب السطح. ولكن مع وجود الورقة النقدية من فئة الخمسة ليرات فقد تجاوزنا هذا المنغص إلى غير رجعة. فهذه الورقة كانت كفيلة لسد الثقب كما كانت كفيلة بإيصالي لبيت حبيبتي وقتها في السرفيس. فما الذي جرى ذلك اليوم حتى انتبه الجيران لنا؟ لا أدري حتى الآن. كنت حينئذ في العشرين من عمري وكانت تصغرني بسنتين. ولم أدر أبدا كيف وقعت بحبها فقد وجدتني فجأة أحب تلك الصبية وتحبني. لم نكترث أبدا للقيظ ولا لرائحة الإبط عندما كنا نلتصق ببعضنا على مقاعد الحدائق العامة. ولم يعن لنا أبدا اشمئزاز الناس منا عندما كنا نلتف كإخطبوطين ونمشي بخطوات السكرانين من شدة الحب. عرفتنا كل الحدائق والشوارع والسرافيس والأبنية والمصاعد والممرات المشافي والأشجار والمدارس ذات الأسوار. ولم نترك مكانا ولم نقتنص منه فسحة للحب وممارسة الغرام. كانت قبلاتنا خاطفة وسريعة ولا أذكر أبدا أطيب وأشهى من قبلة عاشق ممزوجة بالخوف .لأنها منكهة بطعم التمرد والانعتاق.كان نصرا لنا كل قبلة وكل لمسة. ومع مرور الأيام لم تعد القبلة تكفي العاشقين ولا الشجرة لتواري رغبتهما المتزايدة بالحب.
فانطلقنا بحثا مضنيا عن مكان لا يعرفه سوانا. وهكذا وبالغريزة كما اعتقد فقد قادتنا رغبتنا العارمة إلى تلك البناية ذات العشرة طوابق.
وقد كفل لنا النظام الطابقي شيئين هامين. الأول أن كل من سيرانا نصعد سيظن أننا ضيوف على أحد ما يسكن في إحدى الشقق وبالتالي فلن يسألنا عن وجهتنا. والثاني أننا نستطيع الإدعاء في حال الاشتباه بوضعنا المريب أننا نسأل عن صديق ربما يقطن في هذه البناية التي تجاور عددا من الأبنية المشابهة وأننا أضعنا العنوان. وهكذا فقد طورنا أساليبنا فتارة أسبقها وتارة تسبقني وتارة نصعد سوية ومع الوقت صارت العلية غرفة نومنا الحبيبة. وصارت سترتي بساط الريح الذي نفترشه لنطير في سماء الملذات والحب. ولكن ذلك اليوم لم يكن كغيره من الأيام فقد اتفق أن صعدنا وسارت الأمور كالعادة. فقد كنا ولضيق الوقت المتاح لنا نبادر فورا لخلع ما نقدر على خلعه من الثياب ورغم البرد فلم نكن نشعر الا بحرارة الشوق. كنا نتعلم كل مرة شيئا جديدا عن الحب والعشق وكانت اكتشافاتنا الجنسية تلهينا عن اي شيء آخر في هذه الدنيا. وهكذا فقد كنت بعد دقيقتين عاري الصدر عندما سمعت همسا يأتي من الطابق الذي نعتليه مباشرة. تجمدنا من الخوف فجأة وبدأت حبيبتي بسرعة بستر ما بان من جسدها أما أنا فقد كنت افكر بكيفية الخروج من المأزق الذي وقعنا به. وتسارعت الأفكار في خاطري فماذا لو اننا وقعنا في قبضة سكان البناء ونحن في هذه الحالة. ومن سيتفهم حبنا وعشقنا؟ وهل ستتطور الأمور أكثر ليفتضح أمر الفتاة ويعلم أهلها بما نفعله من فظائع بنظر المجتمع؟ ولم يقاطع أفكاري الا خطوات أحد ما يصعد الدرج نحونا وفعلا بدأ ظله بالظهور على الحائط المقابل لنا وكان يكبر مع كل درجة يصعدها وكنا ننكمش أنا وحبيبتي ونتقلص أكثر لعلنا نتوارى تماما. ولكن لم يكن من الأمر مفر فقد أطل رأس المترصد أخيرا والتقت نظراتنا.كان طفلا صغيرا ويبدو أنه تفاجأ بنا وبمنظرنا. فصرخ بأعلى صوته قائلا: حراااااااااااااااااااامي
كانت أعداد اللاحقين لنا تتزايد. وأقسم أنني شعرت وقتها أن جيشا كاملا يلحقني .ومما زاد الطين بلة أن حبيبتي وقعت والتوى كاحلها ولكنها استمرت بالركض معي . وعندما وصلنا للطابق الأرضي وزلفنا للبهو الخارجي وقعت المصيبة فقد ركضت هي باتجاه الحارات أما أنا فقد سلكت الاتجاه الآخر المعاكس تماما باتجاه الاتوستراد التي تطل عليه البناية .وعندما نظرت خلفي شاهدتها تترنح وتسقط على الأرض .
وهكذا فقد حسم الأمر … استدرت بسرعة البرق وركضت نحوها وبسرعة جنونية حملتها عن الأرض .لم أعرف حينها من أين امتلكت تلك القوة الكافية لحملها والركض بها عبر الاوتوستراد.ولتتخيل معي يا صديقي المنظر .شاب يركض عاري الصدر وحاملا لفتاة وخلفه يركض جمهور غفير من الرجال والأطفال . ولست أبالغ أبدا فقد كان خلفي مالايقل عن العشرين شخصا .وكاد الموقف يتسبب بعدة حوادث سير لولا أن سيارة أجرة توقفت فجأة وأشار لي السائق بأن أصعد . وهكذا فقد كانت المسافة الباقية الفاصلة بيني وبين المتعقبين لا تتجاوز عدة أمتار حين استطعت الفرار بمساعدة السائق الشهم.
في السيارة كان الموقف أصعب ويتطلب حنكة ثعلب لشرح القصة وقد ساعدتني بديهتي على اختلاق قصة غريبة مفادها أننا كنا وفتاتي نحاول بيع أدوات مطبخية وتعاركت مع أحد الزبائن .ولم يقنع كلامي أبدا الشوفير خاصة وأنني بدون قميص. ولكنه أنزلنا حيث أردنا. وذهبت الفتاة العرجاء لبيتها. وأنا استقليت سيارة أجرة ثانية وقفلت راجعا لبيتي.
كانت هذه القصة منذ حوالي الخمسة عشر عاما. وكانت تلك الفتاة حبيبتي الأولى. وكانت تلك العلية سريري الأول وكان ذلك اليوم أول يوم أعرف فيه ما معنى أن تكون عاشقا و ملاحقا و خائفا و محاصرا بالعادات والتقاليد والدين
ولكن الأهم من كل شيء بالنسبة لي أن تلك العلية الواقعة في تلك البناية الواقعة في الناحية الشمالية من حارتي التي كنت أعيش بها لم تعد موجودة بعد الآن ولم يعد بإمكاني المرور قربها والضحك كلما تذكرت ما حصل معي.
فقد تهدمت بقنبلة … أقوى من قنابل عشقي القديم

حنطة

اضف تعليق

اضغط هنا لإضافة تعليق

برومو الشهيد ناجي الجرف