حكايا البيدر

حكاية مقاتل ..

حكاية مقاتل ٢النصوص المشاركة : الجزء الأول

النص الأول : (أحمد شوال : استاذ الشريعة ومصير السلاح)

بقلم : عمار أبو خالد.

النص الثاني : (ملاذ : أحارب الديكتاتور، الذي يسرق حاضرنا، ويحاول أن يطفئ المستقبل بإجرامه)

بقلم : محمود الشامي.

النصوص المشاركة : الجزء الثاني

النص الثالث : (حكاية مجد: أخو الشهيد وعهد الأخوّة)

بقلم : أبو عمير الكفرسوسي.

النص الرابع : (شهادة المنشق عن دوما ودرعا)

شهادة : أحمد مسعود/ صياغة : محمد نور كبة.

تحرير : علاء رشيدي.

إن الآراء الواردة في الملف، قد لا تعبر عن وجهة نظر الصحيفة. وهي مرتبطة بالكتاب وراء هذه النصوص والشهادات.

ينشر هذا الملف على جزأين، بالتزامن بين جريدة ” حنطة “، وجريدة ” سوريتنا ” .

–        هذه النصوص الأربعة ، ثمرة تدريب لمجموعة من المواطنين – المراسلين، على الكتابة والصياغة الصحفية. ولأن أغلب المتدربين، هم من المواطنين – المراسلين، إما في مناطق النزاعات المسلحة، أو مرافقين لمجموعات مسلحة، اتفق على موضوعة ” حكاية مقاتل “، كموضوع مشترك لكل المتدربين.

قدمت النصوص، وتم اختيار 4 منها، لتشكل ملفاً صحفياً يرفد وسائل الاعلام، بفكرة مختلفة، عن صورة ” المقاتل “. غالباً ما يصور المقاتلون اليوم في سورية، عبر وسائل الاعلام، كمحاربين، يطلقون النار من فسحة جدار، أو يداهمون مواقع عسكرية بعمليات عنيفة. ملف ” حكاية مقاتل “، يضم 4 نصوص، تسعى لتسليط الضوء على الانساني في حياة المقاتل، على اليومي، وعلى الرحلة الطويلة والشاقة لبعضهم، من الانشقاق بين جيشين.

” حكاية مقاتل ” هو ملف يسعى الرواة من خلاله لأن يلطفوا من أثر السلاح والعنف على حياتهم. رواة أرادوا أن يؤنسنوا صورة المقاتل الذي أصبح جزءاً يومياً من حياتهم. ملف كتبه أشخاص يرغبون أن ينقلوا إلى العالم صورةً مختلفةً عن المقاتل في سورية.

إنها حكايات اختار كاتبوها أن يقولوا أن المستقبل كامنٌ في الإنسانية التي لابد من استخراجها من أعماق المقاتل، رغم كل كم العنف المفقد للآمال.

 حكاية 1

أحمد شوال : استاذ الشريعة ومصير السلاح

بقلم : عمار أبو خالد.

في ظل النزاعات المسلحة بين مقاتلي الجيش الحر من جهة، ومقاتلي جيش النظام من جهة أخرى، وبعيداً عن الحروب وأصوات المدافع والرصاص، وفي أحد المنازل التي لقيت نصيبها من قذائف وصواريخ النظام التقينا مع أحد عناصر كتيبة القوات الخاصة بريف اللاذقية والمدعو (أحمد شوال)، التقينا به لنعرف من هو الانسان الذي بداخله، والذي تحول مع هذه الأحوال إلى مقاتل فكان معه هذه اللقاء :

دخلنا الغرفة وكانت شبه مظلمة يدخلها القليل من نور الشموع التي تضيء المكان، جلسنا على إحدى الفرش التي تم وضعها على الأرض بجانب المدفأة وسألت (أحمد): (كيف حالك ؟)، فأجاب: (الحمد لله)، مع أن وجهه رسمت عليه آثار التعب والإنهاك. (أحمد) رجل نحيل، ذو عزم قوي، أكل الشيب شعره، وله لحية بيضاء تناهز ال45 من العمر. كان يلقب بين جميع الناس ” أستاذ أحمد”،  فخطر لي بدايةً أن أسئله لماذا ينادونه بهذا اللقب، فأجابني قائلا : (ينادوني هكذا لأني كنت أستاذاً (مدرس) أدرس مادة الديانة الاسلامية للطلاب عملُ طالما احببته رغم مشاقه ولكن يكفيني أجري عند الله )

( أستاذ !!؟ لماذا حملت السلاح ؟)، قال: ( نعم أستاذ، وحملت السلاح لأني أستاذ، وأنا قدوة لطلابي. وثانيا هذا واجبي لله وللوطن، وعلي تلبية الواجب، فبعد كل هذا الظلم الذي تعرضنا له، ونحن نقول سلمية، إلى متى ؟ إلى أن ألا يبقى أحد كما يرددون : ” لاأحد إلا بشار الاسد” ؟؟)، وتابع: ( لذلك لم نحمل السلاح حباً بالعنف، بل لأنه فرض علينا كما تعرف، فنحن نعرف بسماحة دين الإسلام، ولكن بنفس الوقت نحن أشداء على الكفار. أنهى كلامه، وبدا على (أحمد) شيءُ من الانفعال والغضب، فرشف من كأس الشاي، حين سألته: (أحمد أنت مدرس. كيف وصلت إلى هذا الطريق، طريق السلاح ؟)، فأجاب: (أخي الكبير طارق أسس كتيبة، وهو من الاشخاص المتدينين والمطلوبين من قوى الأمن النظامية بشدة. كان أخي في بداية الثورة يقول لي هذا النظام لن يسقط إلا بقوة السلاح. كنت من الأشخاص المعارضين لرأيه في البداية، ولكن عندما وصلنا لمرحلة لم يعد أي إنسانٍ قادراً على السكوت، ذهبت لعند أخي، وهنا كان القرار. صارحته بقراري، وأنني أريد الانضمام للكتيبة. وهكذا كانت بداية طريقي بحمل السلاح. اخترت حمل السلاح بوجه هذا النظام حتى إسقاطه).

وحين استفسر من ( أحمد) إن كان يعني أن الجميع سوف يسلمون السلاح عند إسقاط النظام، أجابني بوضوح: (السلاح لن يسلمه الجميع. فسيبقى على البعض حمل السلاح لحماية الدولة الجديدة. ولاأخفيك أنه هناك بعض الأشخاص لن يسلموه، وسيتخدمونه لمصالحهم، يجب أن تكون هناك قوة  رادعة لهم. أما بالنسبة لي، فإن كتب الله لي الحياة، فلن أحمل السلاح. لأن مهمتي كمقاتل تنتهي، وتبدأ مهمتي الجديدة، وهي مهمة المساهمة ببناء سوريا المستقبل. خصوصاً أن مهنتي هي المدرس، يعني مهنة بناء الأجيال)

قلت على  عجل: (بما أنك ذكرت الأجيال، يعني الأولاد. لقد شاهدت قبل قليل الولد الصغير الذي قدم لنا الشاي. هل هو ابنك؟ وهل عائلتك معك؟ )، قال (أحمد شوال) الأب هذه المرة: ( نعم هو ابني الأوسط، وزوجتي وأولادي معي أما والدي، فهما مايزالان في المدينة، أي تحت سيطرة النظام)، أخذ نفساً عميقاً وأضاف وهو ينظر في عيني: ( لا تسألني إن كنت أخاف عليهم. فزوجتي وأولادي مثلهم كمثل الجميع، لن يحصل لهم إلا ماكتب الله لهم. أما والديّ فأنا خائفٌ عليهما لكنهما يرفضان الخروج من منزلهما.

بدت على وجه (أحمد) علامة حزن على والديه، فسألته: (أتخاف الموت أم تخاف من الهزيمة ؟)، أجاب بعفوية: ( يا أخي اسمع. إن كنا نخاف من الموت لما خرجنا وحملنا السلاح يعتقد الكثير أننا نخاف من الموت لكن بالعكس يوجد لدينا الكثير من الشباب تريد الشهادة وأنا ممن يطلبون الشهادة….. لا أعلم، لكن أنا أؤمن بأن الظلم لن ينتصر، وأن الحق هو المنتصر دائما. واستشهد بما قال (عمر المختار)، نحن لانهزم، فإما أن ننتصر أو نموت).

وقال أحمد رأيه صراحة بأولئك الذيم لم يحملوا السلاح في سورية: (المشكلة أنه أصبح ينظر للشعب بعدة فئات؛ مسلح وغير مسلح. يا أخي أنا بسلاح أو بدون سلاح أبقى مواطناً. لا فرق بيني وبين الذي لايحمل سلاح. جميعنا أولاد وطنٍ واحد. أنت تعرف طبيعة الألفة بين الشعب السوري. عندما حملنا السلاح، أصبح علينا للمدنيين حقوقاً، وعليهم لنا حقوق. وجب علينا قيام خدمات الدولة التي فقدت كالأمن والحماية وهذا واجبي كمواطن حامل سلاح أما المواطن الذي ليس  بحاملٍ للسلاح فلديه خدمات اخرى ومتعددة كطبيب وسائق ووو غيره من المهن. أنت تعرف.. وهناك من يرى أن كل شخص مسلح هو شخص لايوجد في قلبه رحمة أو لايوجد لديه قلب أو انتزع منه العطف والحنين. سلاحي لاأستخدمه إلا في المعارك ولا أظهره أمام أطفالي. نحن بشر في النهاية، لم نأتِ من كوكبٍ آخر. ونحن من هذا الشعب لكن القدر حتّم علينا واجبرنا بحمل هذا السلاح للدفاع عن أنفسنا وأعراضنا)، ثم تابع وهو يشير بيده إلى الساحة الملئية بالثلج أمامنا: (لابد وأنك رأيت قبل قليل قائد الكتيبة. وكيف يلعب بالثلج مع أفراد المجموعة المقاتلة. لسنا بتلك الشخصية التي ترسم في ذهون البعض أننا أشخاص نزعت الرحمة من قلوبهم .

ولم أستطع الرحيل وترك حياة المدرس ( أحمد شوال) الذي تحول مقاتلاً، ودون أن أسأله: (هل أنت سعيد  بهذه الحياة التي تواجهها الآن ؟ )، أجاب دون أن تخفى عن وجهه علامات تعب: (حياتنا رغم صعوبتها لكنها جميلة. نقضي  اليوم بمهام يوزعها لنا قائد الكتيبة، ونجتمع مع بعضنا عند كل صلاة. وفي نهاية النهار، نجتمع سوية في سهرة جماعية. لدينا هنا أحد المقاتلين ذو حنجرة عذبة، فيبدأ لنا بالأنشاد. ونمارس الرياضة يومياً للحفاظ على اللياقة البدنية. وللترفيه عن النفس. أتعرف؟ هناك دوري كرة قدم. ونقسم بعضنا لفرق لنلعب بالكرة. علنا نستعيد روح المرح والمزاح)، ويضحك ( أحمد) وهو ينهي اللقاء بيننا.

برومو الشهيد ناجي الجرف