حصيدة

بالون … زيد محمد

بالون
زيد محمد

“الإضاءة منخفضة قليلا، صوت حبات المطر التي تتداعى من السماء يذكرك بخطوات صبية رشيقة على الأرض، تحاول أن تراها فلا تعرف لذلك سبيلا.
رائحة الجدران تصطبغ بالهجران، النوافذ مفتوحة على غير عادة، نجتاز أكثر من ممر وفتحة داخل البيوت الأثرية، يصطحبنا دليل في هذه النقطة الوعرة، شبه الخطرة.
عندما دخلت لم أر أي شيء غير اعتيادي: بعض الشبان من الجيش السوري الحر جالسين، أحدهم متأهبٌ تماما، الظروف الصحية كأي مكانٍ آخر، الأسلحة مبعثرةٌ مكان الأقلام التي اعتاد بعضهم على رؤيتها في جامعته، لم يعتادوا علينا، ولم نعتد عليهم أولاً، فنحن مجرد مجموعةٍ أخرى من المصورين، وهم مجموعةٌ من الجيش السوري الحر، فما الجديد في كل هذا؟
عندما ألفونا قرروا أن يرونا مقرهم، دخلنا وإذ بي أرى الكثير من البالونات تدق أبواب الحياة، عامرةً على نافورة ماء، كتب عليها عبارات جميلة.
استرعى انتباهي المشهد، فرحت أسأل عن صاحب الفكرة، وإذ به شابٌ لا يتجاوز عمره الستة عشر عاماً، كان قد وجد هذه البالونات مرميةً في مكانٍ ما فقرر أن ينفخها و يعلقها، وآخر هو الذي كتب العبارات.
ككثيرٍ من السوريين الذين حملوا السلاح، عرفت من صديقنا أحمد أنه يملك شهداء في عائلته، كل أخواله واثنان من أعمامه.
علمت أيضا أنه هو، والمجموعة بأكملها، من جبل الزاوية، لكنه من سكان حي الفردوس من مدينة حلب. خرج في مظاهرات عديدة و قام بحمل الكثير من الجرحى الذين سقطوا خلال المظاهرات السلمية.
وعند سؤاله عن سبب خروجه ضد النظام قال أنه خرج بسبب الظلم، وأضاف بعفوية “الحياة المدنية ما زيادة”، حيث يشغل أبناء الطائفة العلوية معظم المواقع الحساسة، ويتفشى الفساد في كل مكان.

 وبعد كل الدماء التي رآها، كل الشهداء في عائلته، قال ببساطة “بتمنى من كل واحد بالجيش ينشق و يرجع لأهلو ويشوف عيالو لإنو كتير ما حسن ينشق. ولكل شبيح يتراجع لإنو رح ينقتل، طبعا بدو يتحاسب إذا برئبتو دم.”
وعندما سألته عن مستقبل سوريا، قال بكل بساطة أن الوضع سيصبح على الأقل “أحسن من هيك”.
مطالبه؟ إسقاط النظام و إقامة دولة لا إله إلا الله.
كان ودوداً جداً، ضحكةٌ طيبةٌ ترتسم على وجهه في كل حين، وابتسامةٌ تخبرني عن مستقبله، إنه يخطط لإكمال دراسته حيث أنه متخرج من الصف التاسع.
بعد أن أنهيت اللقاء معه، وبينما كنا نتمشى سألته، هل تؤمن بالحرية والديمقراطية، فأجابني هو وشابٌ آخر أن نعم.
كنت معجبا بإجابات الشاب، لكنني لم أكن متفاجئا ، فقد قدمت الثورة اليوم لنا جيلاً كاملاً يتحدث في السياسة و يطوّع مفرداتها، ولا بد لي من التدخل قليلا، فجوابه الذي تحدث فيه عن العلوية واقع يراه الكثير من السوريين على هذا النحو، لكنه لم يشر البتة إلى إيذائهم بسبب معتقدهم، بالإضافة إلى أنني أعتبر معظم الشبان الذين يتحدثون عن دولة لا إله إلا الله يقصدون بذلك عدل وسماحة الإسلام، وهذا شيءٌ مفهومٌ جداً في هذه الظروف.
هذا الشاب، بطيبته وبرائته، نستطيع أن ننير الطريق له أكثر، وأن نوسع مداركه بالاحتكاك معه و مع أمثاله، من الذين ترفع لهم القبعات احتراما.
عدت، وفي جعبتي حكاية تجعلني أبتسم كلما تذكرتها، و في مخيلتي صبية رشيقة أشعر بها لكنني لا أراها.
اللقاء تم في :
11 – 2 – 2013
الكتابة تمت في:
13 – 2 – 2013

برومو الشهيد ناجي الجرف