حكايا البيدر

عندما تتحول الغربة إلى تهمة … د. عزام أمين

عندما تتحول الغربة إلى تهمة
د. عزام أمين

تُعتبر الحُقبة الزمنية الممتدة من الثمانينات و حتى يومنا هذا بمثابة فترة تفريغ سوريا من خبراتها و شبابها الذين توجّهوا بمعظمهم للعمل في دول الخليج أو أوربا و أمريكا الشمالية، وهذه الظاهرة هي نتيجة طبيعية لسياسة التفقير و النهب التي مارسها النظام السوري منذ بداية السبعينيات .

ارتبطت صورة المغترب في المخيلة الشعبية بالنجاح على الصعيد المادي والاجتماعي و تعود هذه الصورة لعدة أسباب، منها حالة البطالة و الفقر التي يعاني منها الشعب السوري بشكل عام، و تراجع سوريا كدولة على كافة الأصعدة وبخاصة في المستوى التقني و العمراني والعلمي مقارنة بالدول العربية بشكل عام والخليج و أوربا بشكل خاص. طبعاً لايمكننا أن نُنكر هنا أن قســـماً من المغتربين حافظ على هذه الصورة وعزّزها وربما ساهم بالأساس في تكوينها. فعلى سبيل المثال لا الحصر، كثيرٌ من المغتربين في الخليج على وجه الخصوص، نلاحظ بأنهم ما أن يصلوا إلى بلد الاغتراب، فإن أول ما يقومون به هو إخبار الأهل بأنهم وجدوا عملاً مميزاً و براتبٍ ممتاز، وبالطبع دون أن ينسوا إرفاق رسالتهم بصورةٍ لهم بجانب أحد السيارات الفارهة، و التي غالباً ما تكون بالدين، و ربما ليست لهم. أما بعض مغتربو أوربا فبعد شهورٍ قليلةٍ من وصولهم لبلد الاغتراب يخبرون أهلهم و أصدقائهم عن نجاحاتهم العلمية الباهرة، وعن إتقانهم المميز للغة-مع العلم أن اتقان أي لغة يحتاج لسنوات عديدة  طبعاً مع  إرفاق رسالتهم بصورة مع إحدى الشقراوات، و التي ربما تكون مجرد زميلة لاتتعدى علاقتهم  بها التحية الصباحية، و ربما أحياناً لا يعرفها، تاركاَ الخيال للأهل لكي يكملوا السيناريو الذي أصبح نوعاً من الفانتازم في اللاوعي الجمعي العربي. تحولت الإجازة الصيفية في الوطن الأم لهؤلاء إلى منفذٍ للترفيه ولتفريغ عقد نقصهم عبر اهتمامهم بمظاهر الغناء الخارجي، ومن خلال التصرفات الاستعراضية الاستهلاكية لتحقيق نوعٍ من الوجاهة المادية والاجتماعية. حالة الاستعلاء التي يمارسونها على أبناء وطنهم والوجاهة التي يسعون لتحقيقها ليستا، في الواقع، إلا قناعاً لإخفاء بؤسهم في دول الاغتراب.

هذه الصورة الوهمية عن النجاح و الرفاه التي يتمتع بها المغتربون كثيراً ما تستخدم كأداة لإقصائهم في النقاشات الدائرة حول قضايا وطنهم المصيرية.  ففي أي حوار يكون الهدف منه أولاً الفهم المتبادل، وثانياَ الوصول لحل مشترك، أو تبادل الرؤى والأفكار، ما يحصل عندما يعجز طرف عن الرد الموضوعي العقلاني، هو أن يتحول النقاش في أغلب الأحيان لنوعٍ من المناحرة وتحقيق الذات وإثبات خطأ الآخر، وهنا يلجأ البعض لعدة استراتيجيات بهدف إقصاء الآخر، من خلال إما اتهامه بعدم الفهم، أو تخوينه. من أكثر الاستراتيجيات الدفاعية المُلاحظ استخدامها مع المغتربين من قبل المعارضين والمؤيدين للطاغية على حد سواء هي اتهامهم بأنهم “خارج سورية”، ولهذه التهمة هدفان:

أ- أولا من وجهة نظر المؤيدين للطاغية في الداخل: المعارض المغترب بعيد عن مركز الأحداث وبناءً عليه فهو لا يرى بشكل ملموس ولا يعرف شيئاً ولذلك لا يمكنه أن يكون على صواب.

ب- ثانياً من وجهة نظر معارضي الداخل: المعارض المغترب لا يشارك فعلياً في الثورة وهو لا يعاني ولا يدفع ضريبة المشاركة في الثورة  بالتالي شرعيته ناقصة.

أخوتنا في الوطن : ليس مكان وجود الشخص داخل/خارج  الوطن هو ما يحدد مشاركته بالثورة ومعاناته أو صوابية ودقة أحكامه، وإنما وعيه وضميره وبنيته النفسية والفكرية. ليس المكان هو المعيار الحقيقي للانتماء الوطني وإنما إحساس الفرد بهويته الوطنية الجامعة ومدى استعداده للتقديم والتضحية في سبيل هذه الهوية. 

الثورة هي مشروع متكامل ودور المغتربين فيه على الصعيد السياسي والإعلامي والاقتصادي لا يقل أهمية عن دور أهلنا المقيمين في الوطن وبدون هذا التكامل لن تنجح الثورة.

المغتربون لم يختاروا الهجرة بمحض إرادتهم فلا أحد يُحب الابتعاد عن وطنه وأهله، وأغلبيتهم الساحقة تم تهجيرهم إما بطريقةٍ مباشرة نتيجة عواملٍ سياسية، أو غير مباشرة عن طريق الضغوط الاقتصادية. وجودهم خارج سوريا ليس إدانةً لهم و ليس انتقاصاً لجنسيتهم السورية، وإنما جريمة نظامٍ استبدادي يمارس سياسة النهب و التفقير منذ 42 سنة.

الهجرة والغربة بشكل عام هي تجربة قاسيةٌ جداً، سواء كانت في دول الخليج العربي، أم في دول أوربا وأمريكا الشمالية ولها آثارها النفسية العميقة والظاهرية منها. وعادةً ما يُصاب المغتربون بأزماتٍ نفسيةٍ واجتماعيةٍ عديدة منها: القلق، الاكتئاب والحزن، التوتر واضطرابات النوم (نوم متقطع، أرق أو إفراط في النوم)، اضطرابات الطعام (فقدان الشهية/ نهام عصبي)… وقد تصل هذه الاضطرابات لحد فصام الشخصية والأمراض الذهانية عند البعض.

لا تصدقوا أنهم يعيشون حياة الترف والبزخ وتنزل عليهم الدولارات والدراهم من حيث لا يدرون. لا تصدقوا أن الشقراوات في أوربا ينتظرون المغتربين على الطرقات.

أخوتنا في الوطن المكلوم، معظم المغتربين يعيشون حالةً مزريةً من البؤس النفسي والاجتماعي أو الأقتصادي. المغترب سجين مشاعره و افكاره و قلقه وحنينه، أسير ذكرياته و أحلامه، المغترب يعيش أصعب حالات فصام الشخصية بين واقعه وبين مشاعره. لا تظنوا أن المغتربين أحسن حالاً منكم، فنومهم مفعم بالكوابيس (اقتباس)، وطعامهم بات غصةً في حلوقهم، وعقولهم معلقة بكم وبأحوالكم، وذهنهم مشتت. يرتعشون لخوفكم، ويرتجفون لبردكم فأرواحهم هناك عندكم، هناك حيث تُصنع الحياة من جديد، فالمغترب حُكم عليه أن يعش الوطن لا أن يعيش في الوطن فلا تجعلوه عبرةً مرتين.

 

حنطة

2 تعليقات

اضغط هنا لإضافة تعليق

برومو الشهيد ناجي الجرف