خميرة

أدب الشام في ظل الثورة السورية … محمد إقبال بلو

أدب الشام في ظل الثورة السورية

محمد إقبال بلّو

في كل ثورةٍ شعبية نجد فكراً وأدباً يسيران مع تلك الثورة دعماً لها وتعبيراً عنها وتصويراً لوقائعها وأحداثها، بحيث يكون الأدب سجلاً يخلّد تلك الثورة، ويتحدث عن معاناة من قاموا بها والتضحيات التي قدموها في سبيل إنجاح ثورتهم. يخلِّد الشهداء، ويقارِع الظالمين، هذا ما يسمى أدب الثورات، فهو نوع من الأدب لا ينشأ إلا عند التمهيد للثورة أو خلالها، أو للتعبير عن انتصاراتها وإنجازاتها، هو أدب الشعب والعامة من الناس، ويختلف عنه في حالات الاستقرار بعموميته، وتحدثه عن الكل دون التطرق لباقي الأغراض الأدبية التي تحاكي معاناة الأديب الشخصية أو التي تعبر عن مكنوناته الذاتية.

مع بداية الثورة السورية، ومع سقوط أول شهيد على ترابها، استل العديد من الأدباء السوريين أقلامهم وعرفوا أنها المعبّر الهام عن ثورة الشعب، والمساند لهم في ثورتهم، ظهر وعلى الفور تياران أدبيان هامان في سورية، تياران ميزا بين أدباء السلاطين وأدباء الشعب، تيارٌ يمجّد ويمدح السلطان ويشيد به، وتيارٌ يساند الشعب، وبالتالي وجدنا أدباً وطنياً شعبياً مميزاً منذ الشهور الأولى، وقد كان الأدباء في هذه المرحلة يتحدثون عن تلك الثورة بشكلٍ خجولٍ نسبياً خشية تبعات ما تخطه أقلامهم، كانوا يكتبون القصائد والنصوص الرمزية أحياناً خشية التصريح بموقفهم الداعم للثورة، فنجد مثلاً مقطوعاتٍ أدبيةً تعبر عن واقع الشعب المتردي وحرياته المسلوبة.

في واحتي

يرفرف الكنارْ

يحبه الكبار والصغارْ

ويحلمون أن يطيروا مثلهُ

فيسقطون كلهمْ

ويُسْدَل السِّتارْ

في واحتي

تُنْتَهك الأسرارْ

يُعلَّم الإيمان للكفارْ

يوزَّع الياقوت والمحارْ

لكل من عزا جفاف جدول المياهْ

وغُصّة العقول والجباهْ

إلى قساوة الأقدارْ

في واحتي

نعيش في سلامةٍ جميعنا

الأخيار والأشرارْ

وعندما نقتسمُ الثمارْ

نرضى بما يُلقى إلينا حصةً ضئيلةً

فموسم الربيع كان أصفراً

لقلّة الامطارْ

ونحن من سذاجةٍ

نصدق الأشرارْ

بينما كان ما يُكتب سراّ دون ذكر اسم كاتبه أشد قوةً وصراحةً، فالشعارات التي بدأ يرددها الناس في مظاهراتهم هي عبارةٌ عن قصائد سواء باللغة الفصحى أو المحكية كتبها شعراء سورية وبشكلٍ سري أعطوها لمن سيشرف على المظاهرة لترديدها كمطالب شعبيةٍ واضحة.

ثورة ثورة سوريااااا                سورياااا

ثورة عز وحرية                    حرية

مطلبنا الحرية                       مطلب كل الأجيال

لا للطائفية                          فينا تضرب أمثال

وفي هذا المجال انخفض المستوى الفني والبلاغي في القصيدة بشكلٍ واضح، والسبب يعود إلى أنها قصائد سيتغنى بها ويرددها عامة الشعب، فيهم المثقف وبينهم الأمي مما جعلها أناشيد مناسبة للجميع على اختلاف سوياتهم العمرية والمعرفية.

ومع اندلاع الاحتجاجات في كل المدن السورية وانطلاقة الثورة وتزايد أعداد المعتقلين والجرحى والشهداء، ازدادت حدة اللهجة الأدبية، فكتبت القصائد التي لحنها وغناها شباب الثورة بإخراجٍ غنائيٍ متميز، وغزت الفضائيات المعارضة للنظام والداعمة للثورة السورية، بينما كُتبت القصائد من العيار الثقيل كما يقولون، وفيها تعبيرٌ واضحٌ عن رفض الذل والخنوع للنظام الجائر، والإصرار على المتابعة حتى إسقاطه، والفوز بالحرية والكرامة، فغدت القصيدة قصيدة تحدٍ وأمل، قصيدةً واثقةً من حروفها .. مفعمةً بالجرأة .

في بلادي سينبت الدمع دفلى

وتصير النجوم في الليل أحلى

والدماء التي تسيل بأرضي

ذات يومٍ ستجعل التل سهلا

حيث للقمح قصةٌ ذات مغزى

حبةٌ أنجبت من الحب حقلا

وكتاب الله الكريم سيبقى

رغم أنف المنافقين سيُتلى

مزقوه بحقدهم فتسامى

كلما مثلوا به صار أعلى

ذلك الفجر سوف يأتي عريقاً

أنهك الليل ضوؤه كي يطلا

كلما زاد حلكة زاد نوراً

أقسم الشعب مثله .. لن يذلا

ألف دبابةٍ تواجه طفلاً

يالعار الجيوش تغتال طفلا

بالإضافة إلى القصائد والمقاطع النثرية التي كتبت تمجيداً للشهداء بشكلٍ عام، وأحياناً رثاءً أو فخراً بشهيد محدد الإسم ومعروفاً من قبل الشعب، حين يكون شخصيةً مميزةً أثرت بالأديب لتضحياتها وعطائها المميز قبل استشهادها، فمثلاً الشهيد ابراهيم القاشوش الذي قتل بسبب كلمات ألفها ولحنها ورددها في المظاهرت فقيل فيه الكثير..

يا أيها القاشوش خذ منا حناجرنا التي صدئت فأنت بها صدى

 أخبر طيور النورس الحيرى عن الأحرار

 في وطنٍ تغسّله الدماء وعطره عفن السجونْ

 أخبرهم عن يأسنا

 أخبرهم عن فقئ أحداق العيونْ

ويستمر العطاء الأدبي والفكري المساند لثورة الشعب، حتى اللحظة، فالشعر وبالتحديد لازال سجل الثورة الحافل، يدوّن كل تفاصيلها وفي كل مناطقها وبكل معطياتها. وقد تعرض الكثير من الأدباء للملاحقة والاعتقال وأحياناً للتهجير والنزوح، فولدت أيضاً القصائد التي تتحدث عن حال اللاجئ خارج بلده ومعاناته وحنينه للعودة إلى وطنٍ هادئٍ هانئٍ سعيدٍ حر، يأخذ فيه كل ذي حقٍ حقه..

سنرجع يوما إلى حينا
سنرجع خبرني العندليب
سنرجع بعد رحيل النظام
لنحيا بعزٍّ على أرضنا
نفينا لأنا رفضنا الهوان
لأنا كسرنا القيود العتيقة
وثرنا على الظلم في عنفوانٍ
انتفضنا بألف وألف طريقة
هنا بندقية ذاك الشهيد
وقرب السنابل دفتر شعرٍ يلوح بالنصر صوت النشيد
هناك جدار يقول الحقيقة
بخطٍ ينادي الأيادي الرقيقة
ليعلن للشعب أن الحياة
تُنال بصبرٍ وبعض الثبات

وفي خضم هذه التطورات المتلاحقة نشأ ما يسمى اتحاد الكتاب السوريين الأحرار وهي فكرة قام بتأسيسها في البداية أحد الشعراء السوريين، ومن ثم دعا إلى هذا الاتحاد الأدباء السوريين الذين وقفوا إلى جانب ثورة الشعب، ليميزهم عن بعض الأدباء الذين مجّدوا السلطان، أو اكتفوا بالصمت ، وقد لاقى هذا الاتحاد إقبالاً كبيراً من قبل الأدباء الأحرار الذين نذروا أقلامهم لشعوبهم وبدأ بالعمل الثوري على الأرض ، وتقديم الدعم اللازم كل حسب منطقته .

من أهم إنجازات هذا الاتحاد أنه حتى اللحظة مازال يؤرشف الأعمال الأدبية الثورية ليحافظ على ما يسمى أدب الثورة السورية، ووجود أعضائه الواقعي على الأرض بين الثوار منحه شعبيةً كبيرةً، وحباً من قبل الشعب السوري.

الأدب كلمة، والكلمة الطيبة تثمر وتنتج لو قُدمَت لشعبٍ مناضلٍ حي كالشعب السوري البطل، وهذا ما يحدث منذ عامين تقريباً وحتى اللحظة.

في سورية الكلمة والثورة.. الأدب والشعب، الأديب والثائر.. كلماتٌ لن يفصلها قمعٌ أو تكسرها أية أيديولوجية دكتاتورية.

برومو الشهيد ناجي الجرف