جرن حنطة

الخطاب الشعبوي … بيروز بيريك

الخِطاب الشَعبويّ

مركز المجتمع المدني والديمقراطية في سوريا
بيروز بريك

 

نوعٌ من الخطاب يقوم على استثارة العواطف ودغدغتها، والتجييش وحشد الشعارات بغية التأثير في المتلقي وإيهامه بضرورة النزوع نحو ما يعنيه مصدر الخطاب، ويعتمد عليه السياسيون والقادة المحليون كثيراً، ويستهدفون من خلاله القطاعات التي تعتبر غير مثقفةٍ، أو لم تتلق تعليماً كافياً، أو تعيش أجواء حروبٍ أو نزاعات، أو تواجه أزماتٍ معيشية.

الشعبويون هاجسهم هو التعمية على الحقائق أو إلباسها الطابع الذي يستنسبونه، ويقتطعون النصوص من سياقاتها ويقحمونها في سياقاتٍ أخرى، ويعتمدون أيضا على إدراج عباراتٍ جزلةٍ ذات سبكٍ لغوي، بغية استثارة الذائقة المنخفضة للجماهير التي عانت طويلا من كوارث، أو حروبٍ، أو أنظمةٍ دكتاتورية، بحيث يسهل النفاذ إليها وتوجيه غرائزها الجمعية المكبوتة، في سبيل ترجيح أفكار منتج هذا الخطاب سواءٌ كان فرداً، أو حزباً، أو فئة.

 يفتقد الخطاب الشعبوي للهدوء والتحليل، ويفتقر للإحصاءات والبيانات والأرقام لأنه منصبٌّ على خلق مزاجٍ عام بطرق إرادوية، وغايته القصوى إقناع الجمهور دون مقدماتٍ صحيحة.

يلجأ مبتدعو الخطاب الشعبوي إلى ربط هذا الخطاب بالقيم والمعتقدات والأفكار والتوجهات العميقة للجماهير، فكثيراً ما يقحمون التعابير الدينية في حديثهم، ويقرنون محاولات تأثيرهم بذكر أحداثٍ تنمي في المتلقّين حميّةً، أو فضاءاً عاطفياً يسهل من خلاله جذبهم وترويض الجانب النقدي فيهم.

للأنظمة الشمولية باعٌ طويلٌ في استخدام هذا النوع من الخطاب فقلما نجد دكتاتوراً لا يحب إلقاء الخطب والظهور في المناسبات، وإسباغ نفسه بالألقاب التي يحاول من خلالها صناعة الكاريزما والحضور المتميز.

تبرير الأخطاء ومحاولة إيجاد المسوغات لها من أهم ملامح الخطاب الشعبوي القائم أصلاً على ابتكار الوهم والسعي إلى رفعه لمستوى الحقيقة الدامغة، فالصراع الأزلي بين الفكر والاستبداد قائمٌ على أن المتنورين يُستَهدفون من قبل المستبدّين لكونهم يُعملون الجانب النقدي لدى الجماهير، ويهتكون أستار الوهم الشعبوي الذي يحيطون أنفسهم به.

ترتبط الشعبوية بالأيدولوجيات ومستثمريها ممن يتوسلون الشعارات في إدامة مجال تأثيرهم، ولكي لا تنحسر عنهم الهالة التي أحيطوا بهم نتيجة ظرفٍ تاريخيٍ ما، ولطالما أنتجت ماكينات الدعاية الحزبية خطاباتٍ ومطبوعاتٍ وصحفاً تقدّس زعيماً، أو حزباً، أو منظمةً ويصل الحد بها في كثير من الأحيان إلى التصفية الجسدية لمن ينتقد أو يتمرد.

في سوريا طغت الشعبوية على مجمل خطاب النظام الذي أدرج في مجمل وسائل الدعاية والتأثير لديه عبارات من قبيل: (دولة المواجهة- و التوازن الاستراتيجي مع العدو- و قلب العروبة النابض- والممانعة) كما كانت التهم الموجهة إلى المعارضين تنطوي على أبعادٍ شعبويةٍ تحاول إيهام المتلقي، و إقران المعارضة بالخيانة دوما كـ (وهن نفسية الأمة- زعزعة ثقة الجماهير بأهداف الثورة – سلخ جزء من أراضي الوطن وإلحاقه بدولة إخرى- معاداة النظام الاشتراكي).

لكي لا تنزع القوى الناهضة ثوريةً كانت أم مدنيةً أو سياسيةً إلى استعمال الخطاب الشعبوي ينبغي أن يعمل السوريون التفكير النقدي لديهم، وأن يتم القطع مع الشعار بوصفه أداة استثمارٍ حزبوي، أو فئوي، أو وسيلةً للتحشيد السلبي، ليبقى للشعار قيمته الرمزية والحضارية المحفزّة على التطوير والنماء، كما لا ينبغي زج الأيدولوجيات في معترك التحول والتغيير الذي تشهده سوريا بوصفها حلولاً، ولا سيما في مجتمعٍ متعدد القوميات، والطوائف، و المذاهب الفكرية كالمجتمع السوري.

يستفيض مصطفى حجازي في كتابه (الإنسان المهدور) في وصف المنعكسات الكارثية لـ “ثالوث الهدر والقمقمة”، المتمثل في الاستبداد والعصبيات والأصوليات، ويرسم ملامح تأثيرها السلبي في المجتمعات، وهذا ما ينطبق على الواقع السوري وبالأخص ما يرشح من خطابٍ شعبويٍ يغذي الاحتقانات والغرائز وينميها، ولاسيما في فترات التحول والنزاع التي تشهده سوريا.

برومو الشهيد ناجي الجرف