حنطة بلدية

القرار … هزار محمود

القرار
هزار محمود

شبابيك الاحتمالات بينهما مقفلة.. تتقطع معها حبال الأمل بالتفاهم.. لم تنفع حبّات الدواء الكثيرة التي ابتلعتها على مدار يوم كامل من تخفيف آلام الصداع التي انتابتها بدون استئذان.
نبشت في ذاكرتها.. في شقوق المحال، لكن مصباح الأمل انطفأ فروحها لم تعد تطيق صبرا” عليه. الجدال بينها وبين ابن عمها لم يعد كلاماً، هذه المرّة ليست الأولى ولا الأخيرة، صبرت على غيابه، على اعتذاراته المتكررة، على إهماله لها، كم حاولت جاهدةً أن يتحاورا حول أهميّة ما يحدث، لكنّه كما لو كان بيتاً من الوهم، جدرانه من زيفٍ وادعاء.
لم تعد تسمع منه كلمات الحب، وفي كل مرة تسأله:
– أما زلت عند وعدك لي ؟؟!
– عندما أراك أخبرك.. المهم الآن أن لا تخرجي أبداً وتعرضي نفسك للخطر.
كعصفورٍ تائه دارت حول نفسها.. الدموع تروي وجنتيها كغيمة.
وجه ابن عمها مقطّب الجبين.. بعينيه الجريئتين.. وصوته الغاضب يأمرها:
– لا تذهبي.. لا تذهبي وإلّا سيكون هذا آخر كلام بيننا.
غرقت في القلق و الحيرة.. اليوم جمعة.. ساعتان على موعد ذهابها.. عليها أن تتخذ القرار وأيّ قرار يأخذها لنهاية حبّها، حبّها الطفولي لابن عمها الذي طالما تمنته رفيقاً لدربها.
لم تعد تمتلك الصبر للجدال.. نظرت في المرآة.. مسحت دموعها.. نزعت خاتم الخطوبة من إصبعها.. وضعته على الطاولة وخرجت.
هناك في وسط السّاحة ثمّة أناسٌ تواعدوا مع النبض الذي ضجّ في قلب مدينتهم، الحناجر تهتف، والأصوات بريقٌ يخطّ السماء عالياً.
وقفت بينهم و بدأ صوتها يعلو ويندمج رويداً رويداً مع أصواتهم لوّحت بالراية يميناً وشمالاً، أزيز الرصاص القادم يعلن قدوم رجال الأمن، تتعالى الأصوات، تتدافع الأرجل، ثمّة شابٌ يقع أرضاً مضّرجاً بدمه، يحمله آخران و يركضان به نحو الحارات الضيقة.
تصطف السيارات، تنزل منها أعدادٌ من الرجال بكامل أسلحتهم تبدأ المطاردة.
تركض دون وعي، تدخل إحدى الحارات، قدماها لا تطأان الأرض، وخلف أحد الجدران تتوارى بعد سقوط الراية من يدها.
وقف رجل الأمن في أول الحارة و أطلق النار. حبست أنفاسها وأيقنت أنها إن تحركت حركةً واحدة ستكون عندها في عداد الموتى.
على الجانب الآخر قبالتها وقف شابٌ متشّحاً بشماخٍ أسود، عيناه السوداوان تأمرها بألّا تتحرك، نبضات قلبها تدق كطبلٍ في أذنيها.
عاد الجندي للوراء وركب السيارة التي اتجهت نحو الشارع الرئيسي بحثاً عن الشباب المتظاهر، وبلمح البصر، خطف الشابّ الراية المرمية على الأرض وبأنفاسه المتسارعة قال لها:
– لا تنظري للخلف.
قبض على يدها بقوّة، وأطلقا قدميهما للريح….

برومو الشهيد ناجي الجرف