حنطة جلب

سوريا: جوناثان ليتل في جحيم حمص … ترجمة : زويا منصور

سوريا: جوناثان ليتل في جحيم حمص
بقلم إليزابيث فيليب؛ ترجمة زويا منصور.

أمضى جوناثان ليتل خمسة عشر يوماً في المدينة السورية الدامية وقدّم شهادةً وافيةً عن الرعب الذي قامت كاميرته بتوثيقه.

قصة في كتاب

يستمر الاقتتال في سورية وبنفس اللامبالاة، ورغم أن وقف إطلاق النار دخل بشكلٍ رسمي حيز التنفيذ اعتباراً من الثاني عشر من شهر نيسان، قتل 600 مدني منذ ذلك الحين، معظمهم ممن وقعوا ضحية القمع العشوائي والدموي الذي يقوده نظام بشار الأسد.

 أكثر من 11100 من ثوار ومتظاهرين، نساء وأطفال قضوا منذ انطلاقة الثورة السورية في شهر شباط من العام 2011. كانت الانطلاقة من درعا لتمتد في عموم البلاد وتتحول إلى حربٍ أهليةٍ ويتشكل نتيجة ذلك الجيش السوري الحر المؤلف من عناصر وضباط انشقوا عن الجيش النظامي.

دعوة عنيفة للصحوة

ينقسم المجتمع السوري اليوم بين معارضين للسلطة ومؤيدين وأوفياء لها -رغم الإدانات الدولية للفظائع المرتكبة بحق الشعب السوري- وتعد شهادة جوناثان ليتل مهمة جداً ويجب أن تُقرأ  بعناية فائقة؛ أما كتابه عن مدينة حمص دفاتر من حمص (Carnets de Homs) فليس إلاّ جرس إنذار ينبه إلى العنف الدامي الذي يتم تجاوزه وتناسيه، لكنه يشكل في الوقت ذاته دليلاً غير قابل للدحض ضد بشار الأسد وأعوانه إذا تمت محاكمتهم يوماً ما.

اعتاد مؤلف الكتاب على مسارح الحرب، فقد كان من قبل في البوسنة والقوقاز وفي جمهورية كونغو الديمقراطية وكذلك في جنوب السودان؛ ثم جاء إلى حمص مباشرةً بعد مقتل الصحفي الفرنسي جيل جاكيير في أواخر شهر كانون الثاني من العام 2012. أمضى في حمص حوالي خمسة عشر يوماً، حمص مدينة الشهداء ورمز الثورة السورية، وقد تم إرساله إلى المدينة من قبل صحيفة اللوموند برفقة المصور ماني وقام بنشر مجموعة من التقارير في هذه  الصحيفة.

قرر جوناثان منذ اللحظة الأولى أن يعد وثيقة صحفية خالصة توضح للقارئ حقيقة ما يجري، ويقول أن سبب نشر هذه الدفاتر يعود إلى أنها تصور فترةً زمنية قصيرة اختفت أصلاً دون أن يشهد عليها أحد تقريباً من الخارج، ويشير هنا إلى الأيام الأخيرة من انتفاضة بعض المناطق في حمص ضد نظام بشار الأسد، قبل أيام قليلة جداً من غرقها في حمام من الدماء.

شاهداً وليس مشاركاً

كاتب على الجبهة؟ نفكر بجاك لندن في كوريا، نفكر بمالرو أو هيمنغواي أثناء الحرب في اسبانية أو في برنار هنري ليفي في ليبيا. لكن وعلى عكس مالرو وهيمنغواي لا يقوم ليتل بتحويل كل ما شهده إلى قصص روائية، وعلى عكس برنارد هنري ليفي، لا يدّعي بأنه لعب دوراً في الصراع القائم، إنه فقط شاهد وليس مشاركاً، إنه صحفي أكثر منه كاتباً.

يتجه ليتل على عكس غيره مباشرةً نحو الهدف الأساسي ويعطي الأولوية للأحداث وإن كان يستسلم في بعض المرات ويبتعد عن الموضوعية، تحديداً عندما كان يسترجع في ذاكرته أحلامه وتعبه وخوفه.

وبإمكاننا أن نفهم طبيعة جوناثان ليتل من خلال موقفه الناقد للصحفيين الذين كشفوا عن وجود نفق يسمح بالوصول إلى بابا عمرو الحي الحمصي المحاصر.

في الصفحات الأولى من كتابه يروي لنا عبوره المحفوف بالمخاطر من الحدود اللبنانية –السورية وكيف اضطر هو وماني (المصور الذي يرافقه) لتبني أسماء ذات طابع حربي، وأطلق على نفسه اسم )أبو أمير(، فيما بعد وسريعاً جداً؛ أصبحت هذه التفاصيل ثانوية ويقوم ليتل بكل شجاعة بنقل ما يحدث على الأرض ويصور بدقة الوضع المعقد، كما أنه يدون في ملاحظاته أحاديثاً لمقاتلي الجيش السوري الحر الذين ينوي بعضهم الدعوة إلى الجهاد، وكذلك أحاديثاً مع أطباء ومع سكان المدينة والأحياء التي يمر بها.

ويروي قصة الخوف الذي يسيطر على الناس منذ أربعين عاماً: “نشأ الشعب السوري وكأنه في سجن كبير، تمتلك الحق في أن تأكل وتنام وأن تنجب أطفالاً، هذا كل شيء”، جملةٌ قالها سائق التاكسي الذي أوصل (ليتل وماني) إلى حي بابا عمرو.

متاحف الرعب

كل واحد هنا له حكايته: قريبٌ له قُتل برصاص قناص، التحريض الطائفي الذي يقوم به النظام، الأعمال الوحشية التي يقوم بها الشبيحة (البلطجية المؤيدين للنظام)، نساء اختطفن واغتصبن، رجال خضعوا للتعذيب في المشافي العسكرية وأطفالٌ ذُبحوا. سلسلة مروعة يسمعها ليتل باستمرار ويراها أيضاً: “يريني بلال تلفونه من جديد ويعرض علي صورة رجل بطنه مفتوح بالكامل، الرئتين والأمعاء منفصلة تماماً عن الجسد… كل هذه التلفونات ليست إلاّ متاحف رعبٍ”.

يقوم هو وماني بمرافقة الجنود أثناء المعارك الدائرة بين المباني ذات الجدران المتفحمة، ويقومان كذلك بزيارة المشافي الميدانية حيث يتم العثور على الكثير من الجثث، ويتخلل السرد كذلك روايات المتظاهرين: “إنها فرحة عارمة، فرحة المقاومة الشعبية”، الجنازات والصلوات، ومن هذه اللحظات لا يبقى إلاّ طعم الحرب الرمادية التي يروي جوناثان ليتل تفاصيلها من الصفحة الأولى إلى الصفحة الأخيرة في كتابه عن حمص.

جوناثان ليتل، دفاتر من حمص: 16 كانون الثاني-2 شباط 2012. دار غاليمار، 256 ص. 

بقلم إليزابيث فيليب؛ ترجمة زويا منصور.

مجلة (Les InRocks) الإلكترونية، العدد 903، (20 آذار، 2013). http://www.lesinrocks.com/2012/05/19/actualite/jonathan-littell-dans-lenfer-de-homs-11260767/

برومو الشهيد ناجي الجرف