حصيدة

أطفال الثورة السورية ومفاهيم ما بعد الحداثة … أبو الحكم

أطفال الثورة السورية ومفاهيم ما بعد الحداثة اطفال الثورة في سوريا سارة ا_حمد
أبو الحكم

إن اهتمامي سينصب على البدايات الأولى للثورة السورية، ونموها وتطورها بدءاً من أطفال درعا حتى اللحظة الراهنة، واستمراراها مع أطفال حماة وحمص وإدلب دير الزور وحلب، وكل البلدات والقرى السورية.

لقد أسس أطفال الثورة السورية لقطيعة مفهومية وتاريخية وعملانية وقفزات وطفرات في العمل الثوري أغنت هذه المفاهيم، وهي العناصر الأساسية في بناء الفكر المابعد حداثي.
مع الانتباه إلى أنني لا أتناول مفهوم القطيعة والطفرة بالمعنى الحرفي (المختبري أو الرياضي) بل بدلالته الثورية التاريخية، وممارسته العملانية المبدعة، والخلّاقة للجديد في طرق التفكير والحياة، وبهذا المعنى يكون أطفال الثورة السورية، قد حققوا مرحلةً في الانتقال تقطع بحدة مع ماسبق.
لقد بدأت مرحلة القطيعة الأولى في بدايات الثورة مع أطفال درعا وكتاباتهم ورسومهم على الجدران، وضمن دائرة معرفتي المتواضعة ليس في التاريخ الانساني ثورات كانت لحظة البدء فيها للأطفال، لقد شكلت هذه اللحظة القطيعة الأولى الحياتية والذهنية لأطفال سورية، وانطلاقاً من التشكل الجديد لعالم الطفولة، انتقل أطفال سورية إلى القطيعة الثانية، وتجلى ذلك في عدة صور وأشكال من العمل والإبداع، وقدرتهم على تحقيق الانتقال مما هو كائن إلى ما سيكون.
لقد اهتزت صورة العالم القديم والقوانين التي تحكمه، ورحل الضحك، واللعب اللامسؤول وتم إلغاء التطور التدريجي البليد لحياتهم، لقد حصلت الطفرة المفاجئة في عالمهم وتصوراتهم، لقد تم الانتفاض على السائد والمألوف والموروث في حياة الأطفال، وتم القطع النهائي مع حياة الطفولة المدللة والمبتهجة واللامبالية، وتحول الاهتمام إلى ما يجري ويدور في عالم الكبار من مشاكل وهموم.
لقد بدأوا البحث ضمن مجالهم الحيوي، عن الممكن لإزاحة الرعب والخوف المغتصب لقلوبهم، فكان لزاماً عليهم تلمس الفكرة والوسيلة للتحرر من هذا الاغتصاب المرعب، والمعشعش في نفوسهم وأذهانهم، فكانت لحظة البدء هي ال (لا) لا للإذعان، لا للقبول، لا لما يفرضه عالم السجان علينا نحن الأطفال المشاغبين نقول: ( لا ). هي نفيٌ لعالم نعيشه، وبحثٌ واكتشاف لعالمٍ نتمناه ونسعى إليه بكل بساطة ودون تعقيدات الكبار والساسة، قال أطفال الثورة السورية لسجانهم لا، لمعذبهم لا، لقاتليهم لا، فنحن فلاسفة صغار مشاغبون فكانوا تلاميذاً (لـ باشلار).
ومع أنّ السائد هو اعتماد الصغار على الكبار ودعمهم لهم، لكننا نرى أطفال الثورة السورية يدعمون الكبار، فلديهم السبل والوسائط للانتقال في المساحات الملتهبة بالنار والرصاص، مستخدمين ذكائهم الفطري، وشجاعة الطفولة البريئة، وصغر حجمهم، في تأمين المساعدات الغذائية والاسعافية للأحياء المدمرة والعائلات الجريحة والمنكوبة،إنه اللعب المسؤول والمكلف.
لقد استطاعوا خلق حالة جديدة في تطور الثورة والضمير الإنساني، مما نقلهم إلى مرحلة القطيعة الثالثة بمواجهة الموت والاصطدام به والرحيل الى العدم، وهو نهاية مسار مابعد الحداثة على يد أبرز ممثليها (دريدا).
لقد كان أطفال الثورة السورية البداية والاستمرار، وسيحققون الانتصار بالقفزة التاريخية لثورة شاركوا بخلقها وتضحياتها، ثورة تتميز عن باقي ثورات الربيع العربي أنّ لحمزة وأصدقائه دورٌ لا ينسى فيها، لقد تجاوز أطفال الثورة السورية بأعمالهم وابتكارهم، وتجديد عالمهم مفاهيم ما بعد الحداثة، ونقلوها من القطيعة المعرفية والتاريخية على المستوى النظري، إلى القطيعة المعرفية على المستوى العملي والحياتي، إلى الفعل المتجدد والخالق لغدٍ أجمل، لقد استطاعوا القطع مع (فوكو المتشائم) الذي يريد أن يقضي على صورة الانسان وصولاً إلى الإعلان الشهير له “موت الإنسان”.
لقد أعلن أطفال الثورة السورية إحياء الإنسان بعد موته لقد تم تجاوز فوكو.
لكن يحيرني سؤالٌ أتمنى في البحث أن أجد جواباً عنه،لماذا لا يستطيع الكبار والمتنطعين لكل تيارٍ وفيلسوفٍ جديد من فحول ما بعد الحداثة، والسادة “المعارضون” أصحاب الخبرات والتجارب السياسية، أن يقطعوا فعليا وبقفزة تجاوزية مع الكثير من أفكارهم وتصوراتهم وأساليب حياتهم، ويلتحقوا بأطفال سوريا ؟!

برومو الشهيد ناجي الجرف