حصيدة

آلهات الحياة السوريات … سامو الخطيب

 آلهات الحياة السورياتمقالة وسام
تحقيق سامو الخطيب
لم تکن الکتابة یوما” ترفا” بالنسبة لي، إذ کثیرا” ما اعتدت تناول یومیاتي ویومیات الآخرین في سیاق أدبي مجازي. لکنني وحین شرعت في تدوین هذه الملفات عن أمهات سوریات، أدرکت بعد الکتابة عن واقع نساء یصنعن التاریخ بتفاصیله، أن الكتابة لهن أمرٌ مختلف، فالحياة الحقيقية بأصدق روائحها تصنعها أمٌ سوریة، إنها صانعة المعجزات وإلهة الصمود والتحدي ومصدر الحیاة في زمن الموت الیومي.أم خالد من التضامن
في إحدی دور الإیواء في مخیم الیرموك، جلست ألتقط أنفاسي تحت شمس الظهیرة الحارقة. اقتربت مني أم خالد وهي امرأة مسنة ظهرت علی وجهها هموم الحرب والذعر جراء ما عاناه حي التضامن من فظائع. ناولتني بیدها المرتجفة ورقة صغیرة کتب علیها رقم هاتف جوال وطلبت مني أن أتصل به. لم ترغب في التحدث بل طلبت إلي أن أفهم من اتصل به أنها بخیر ولا ینقصها شیئ! وأنها محاطة بالجیران من الحي المنکوب. حین جاءني الصوت من الهاتف، أدرکت شیئا” من الحقیقة: هو ابنها اللاجئ إلی مدینة في الریف الدمشقي.
حیث لم تکن الحرب قد امتدت إلیه بعد. علمت بعدئذ أن الأم العجوز المصابة بالسکري في مدرسةٍ تعج بالعائلات، هربت وحیدة من تحت وابل القذائف، فیما ابنها وفر لنفسه وعائلته ملاذا” دون هذه العجوز. کان همها أن تطمئن علیه، وهو لم یکلف نفسه عناء السؤال.
إنها الحرب: شريرةٌ بتفاصیلها ویومیاتها، من یحتملها غیر أمثال أم خالد بغربتها ووحدتها وصمودها وحنوها علی من تخلی عنها في لحظات المجزرة.
لونا من السلمية
تکلمت معها البارحة، وکان صوتها مشربا” بالتنهد والجرح الأمومي العمیق.
لم تعبأ بتحذیرات العائلة ونصائحها ألا تتوجه إلی دمشق، حیث الحرب في أوجها في أحیاء العاصمة وخاصة في جوار مراکز النظام الأمنیة. سمعت في صوتها إصرارا استشهادیا، فهي ترید أن تزور ابنها المحتجز في سجن صیدنایا، حتی ولو کانت مدة الزیارة لا تتجاوز الخمس دقائق، وبالرغم من أنه یتوجب علیها طلب إذنٍ للزیارة من أحد الأفرع الأمنیة الکائن في أکثر الأحیاء سخونةً. لونا هي لیست أکثر من ظل امرأة بعد سنةٍ من اعتقال ابنها الذي اختطفته قوات الأمن من خدمته الإلزامیة. یسکنها هاجس رؤیة ولدها علاوةً علی مرض زوجها العضال. اقتنعت بعد محاولات عدیدة أن الحرب لن تستطیع ثنیها عن هذه الزیارة، من الصعب عليّ تصویر المکابدة والشقاء اللذین حلا بلونا منذ اختفاء بکرها لحین معرفتها مکان احتجازه. ولکن من الأصعب علي تصور حالها خلال الخمس دقائق التي تمر علیها کل شهرین. لم تکن مریم البتول حین رأت وحیدها المعجزة أکثر إشراقاً من لونا حین تلاقي ابنها وتستطیع لمس أطراف أصابعه.
هذه الأمومة تهزم الموت وتمر فوق الحراب المسمومة کما لو أنها الماء.

سمر من ریف حمص
وقع نظري علیها حین کانت في الطابور المخصص لتوزیع حلیب الأطفال. لم تبد علیها علامات الشقاء والکرب کما هي حال بقیة الأمهات الواقفات في الصف بانتظار حصص الحلیب. اقتربت منها لأسجل البیانات الخاصة بطفلها، وهي سیدة صغیرة السن ذات جمال واضح ووجه یشي بهدوءٍ لافت.
سألتها عن عمر ابنها لأعطیها الحلیب المناسب. فابتسمت و برقت عیناها، وقالت: “ابني مازال في حمص، ولا أظنه بحاجةٍ للحلیب، أنا هنا لأعرض مساعدة فلدي خبرة في أمور تغذیة الأطفال. وقفت حائرا أمام اتزانها، فبددت حیرتي حین أردفت: حین اقتحمت المیلیشیات الموالیة قریتنا قبیل الفجر، خرجت من بیتي بلا وعي ولم أستطع حمل طفلي من مهده، لکن لابد أن الله أرسل له من یحمله خارج القریة قبل أن تحرق. إن الله لا ینسی أحدا یا أخي!”
لم تکد تنهي کلماتها حتی دلفت في بکاء مریر، أحسست أنها تشق صدري بسکین بتنهدها المکتوم.
لکن سرعان ما عادت لوقفتها الصلبة و قوتها الممیزة، وکأنما البکاء قد أمدها بمزیدٍ من الجلد والصلابة. وقفت في الصف، وأنا لازلت ساهما” مدهوشا من الصبر العجائبي لهذه الأم الصغیرة.

منتهی من ریف حلب

لم تستطع احتمال انقلاب الحال، فبعدما اعتادت علی العیش في بیتٍ أشبه بالقصر، هي الآن تحاول لملمة شتات عائلتها في رکن صغیر في أحد غرف مدینة جرمانا. أخذت تبکي أمام سیارة توزیع الإعانات، حملت بعض الأغذیة ومضت بانکسار.
لیلا”، طرق باب الغرفة مجموعة من اللجان الشعبیة المخمورین، فتحت الباب بوجل و ذعر واضحین، عرضوا علیها بعض النقود مقابل شرفها. بوقاحة عرضوا علیها شراء شرفها، بابتسامة أجابت: أنا أرملة شهید، ولن أشتري دفء أطفالي بخیانة العهد. رصاصةٌ کانت انتقامهم، وانضمت منتهی لزوجها في السماء!

زفاف ورد
=====
شاء القدر أن تندلع الثورة قبل أن تجد عروساً لابنها الوحید ورد، حین احتدمت المواجهات في بابا عمرو، خرجت سعاد وزوجها من الحي ولجأا إلى مدینة حماه، وبقي ورد لیحرس البیت. لم تعتقد العائلة أن الحرب ستطول وستحرق الحي وتدمر بیتهم الصغیر. انضم ورد لمجموعة تابعة للجیش الحر، في حین لم یزل والده في حماه.
مرت الشهور و ازداد الخناق قساوةً علی الحي. في إحدی اللیالي، رن هاتف سعاد الجوال لیخبرها أحدهم أن ورد أصیب بشظیة ولا أمل من نجاته. بجسارة وعنفوان محاربة، استقلت سیارة أجرة وذهبت الی حیث ابنها یقارع الموت. ونصب عینیها أن تحضر عرس ابنها قبل أي شيئ آخر.
في الطریق، اشترت له بدلة رسمیة وخاتما، حین وصلت المشفی المیداني، طلبت من رفاق ورد تحضیر الزفة. قلب الأم لا یخطئ، لم تستطع رؤیة ابنها یودع الحیاة. فقد استشهد أثناء العملیة الجراحیة.
دون أن تغسله من دمائه، البسته بدلة العرس، والخاتم في خنصره المدمی، لیحمل بین رفاقه وعلم الثورة یلفه. وصوت زغارید أمه الفخورة بابنها العریس یصدح عالیاً.

برومو الشهيد ناجي الجرف