حصيدة

كفى … لارا صبرا

كفى
لارا صبرامادة حملة احرار

 

خلف القضبان ومع أوَّلِ تنهيدةٍ تَصحو، تَفركُ عينيها الغائرتين نحو الداخل، المحاصرتان بدوائر من القضبان السوداء. تنهض بتكاسلها الذي أصابها منذ أن فقدت أحد أضلاعها، وتتفقد غرفتها الضّيقة، الوجوه التي امتلَأت خوفاً تتجول بين ضحكات الجلَّادين وصرخات أبناءها. هم من لم يدركوا التّوقيت، ولا سيمفونيات الطفولة فكانوا صيداً ثميناً لأنياب الفخ، تنسلُّ بين السّوط والألَم، تغتالها ذكرياتهم الهاربة من هولِ الزنزانة ولا تلبثُ تتخلص من إحداها حتى تدميها الأخرى.
تغتال أيامها الحيرة، تصمت، تَجول بنظرها أنحاء الغرفة، محاصرة من الهواء داخل الهواء. الحيرة التي تداهم أيامها تمطرها بفيضٍ من التساؤلات التي تشبه العبث مع فراغ الصمت. تُرتبُ تساؤلاتها حسب التسلسل الزمني لحياتها. لا تعرف من أين تبدأ.. لكنها تبدأ بسؤال المكان: أَتبكيهم! أم تخبرهم أن الجنود لا يزالون يتسكعون في الأزقة والمجهول يُخيمُ على البلاد! ثم كيف؟ كيف تقنعهم أن الله معهم وهولا يزال متأخراً بسنة ضوئية؟! وأنَّ صلواتهم أخطأت الوجهة وضلّت طريقها فوصلت مسامعَ الجنود وحدثَ ما حدث! وأيضاً.. وأيضاً.. وأيضاً.. تنهمر التساؤلات عليها دون أن تصل محطة الإجابة التي تَحثُ ذاكرتها على ابتكارها.
خلف القضبان تصحو شمسنا من جديد، تغسل قذارة ما رأَت، وتتمدد على رمل الشاطئ، تحتسي الأمل، تنظر البحر وتركل الموج بقدميها العاريتين، تنادي مَن تبجحوا بحجة العدالة وحقوق الإنسان، ومع أول التفاتة تقفز، تنثر أحلامَنا أمامهم ـ أحلامَنا التي ضاقَ بها الجَّلاد وحاشيته. وتصرخ في وجه الحياة:« البارحة من نارٍ ونور.. خُطَّت أسماؤُهم. كفاكم محاولةً، لستم مثلهم.. بل لن تكونوا يوماً».

برومو الشهيد ناجي الجرف