ع البيدر

لقاء ع البيدر مع الفنانة مي سكاف … تحرير وإعداد: علاء الرشيدي / ليلى النردي

لقاء ع البيدر مع الفنانة مي اسكاف

الفن والتغيير السياسي والاجتماعي في سوريالقاء ع البيدر مع الفنانة مي اسكاف

تحرير وإعداد: علاء الرشيدي / ليلى النردي

مي سكاف خريجة الأدب الفرنسي من جامعة دمشق، التي استهواها الفن والتمثيل منذ أيام الدراسة في الجامعة، وشرعت بتقديم مسرحيات في المركز الثقافي الفرنسي، حققت النجاح الكبير في عدة أدوار أبرزها دورها في مسلسل العبابيد من خلال تأديتها لشخصية “تيما” الفتاة المتمردة، قبل وبعد هذا النجاح عملت في السينما والتلفزيون، وكانت دوماً ذات حضورٍ خاصٍ ملفت، في عام 2004 أسست معهد تياترو لفنون الأداء المسرحي في صالةٍ صغيرة في ساحة الشهبندر، وبعد وذلك ولضيق المكان تم نقل المعهد إلى ساحة القنوات، شغفها وصدقها كان المحرك لها، أرادت إنقاذ المسرح أبو الفنون .

مي اسكاف الممثلة السورية التي كانت من أوائل المشاركات في الحراك الثوري في سوريا، من يعرف مي عن قرب لم يستغرب موقفها الداعم للثورة، لأنها طالما كانت حقيقية وصادقة وشغوفة، في مهنتها مع زملائها، في انتقائها لأدوارها، وأخيراً في توجهها نحو المسرح الذي كان في حالة موتٍ سريري، حاولت إنعاشه بما تستطيع حين كان أغلب المثقفين والفنانين قد أعرضوا عنه، وحققت نتائج ملحوظة، مي اسكاف هي الإنسانة الفنانة التي كانت وما زالت صادقة يحركها الشغف والحب في كل ما تفعل.

مي لحنطة : هذه سوريا العظيمة وليست سوريا الأسد…

في بيئة الاستبداد الموقف له ثمن، والصمت أيضاً له ثمن…

عندما كتبنا بيان حصار درعا.. هوجمنا ببذاءةٍ تستدعي ثورةً بحد ذاتها…

سوريا بيدقٌ في حربٍ عالمية، والملك في مكان آخر…

إن تحول دور الفنان لخدمة السلطان فلا عيب على الدور، إنما عليه وحده…

1- بعد ثورة تونس، هل كنت تتوقعين حدوث تغييرٍ في الواقع السياسي والاجتماعي السوري؟

أعتقد أننا كنا مثل الكثيرين من شعوب العالم العربي ومحيطه المتوسطي، نتضامن مع أحداث الثورة وفتيلها العظيم البوعزيزي البطل الشهيد، كنا نتابع القهر، وردّه الذي سلكه الطاغية بن علي في قمع الاحتجاجات. في الحقيقة لا.. لم تصل مخيلتي إلى ما يمكن أن يكونه عليه ردُّ هذا النظام رغم معرفتي به. إلى أن كتب حمزة الخطيب ورفاقه على جدران حريتهم، وجوبهوا وجوبهنا بحقيقة نظامٍ كشّر عن أنيابه كلها، كم كان حقيقياً عندها.

عند السفارات كنا، وتم قمعنا، كانوا خائفين من البوعزيزي، كلهم، طغاة العرب، أخافَهم جداً.. أرعبهم، وأشعل النار في عروقنا، فبدأوا يدارون خوفهم، بما يملكون من همجيةٍ وشراسة. كان الحوار ملجأهم الكاذب.. ورصاصهم أسلوبهم،  وكانت بذاءتهم حقيقتهم. البذاءة وحدها كانت سبباً للثورة السورية، عندما يدافع نظامٌ عن قتله لطفلٍ بأن ينعته بمغتصب نساء كي يداري قتله والتمثيل به.. فهو نظام زائل لا محالة.

 ولو أنه حاكم عاطف نجيب، ما كنت لآخذ هذا الموقف وأقولها بصراحة، رغم معرفتي بتاريخه، ماكنت تحولت إلى مطالبة بإسقاطه رغم وجعنا على حمزة ومافعلوه به.

 عندما شاركت ببيان فك الحصار عن درعا، أوعزوا لشبابهم وشبيحتهم باستباحية قذرة لا تشبه إلا الكلاب المسعورة عندما تهجم قطعانا على سكان آمنين. وضعوا رقم هاتفي في متناولهم وتحت أمرهم وبإيعاز منهم.

كانت الجملة : بدك حليب ! التي أعطوها لهم كمفتاح للتعرض لي أياما وعلى مدى 24 ساعة، مثالاً واضحاً وجلّياً على ماهية هذا النظام اللاأخلاقي، والبذاءة لا شيئ أمام القتل والتنكيل والاغتصاب.

وماكان مني إلا أن ازددت  قوةً وإصراراً بأن هذا النظام ساقطٌ لا محالة. أسقط نفسه. في حماه عام 1981 وسكت السوريون، وأسقط نفسه ثانيةً في درعا 2011  وماعاد السكوت إلا ذلاً.

(الشعب السوري مابينذل) هذه سوريا العظيمة وليست سوريا الأسد، كتبتها وكنت ما أزال أؤمن بالحل الأخلاقي.. بالحوار! آسف عليها الآن، أعتذر منها ومن الشعب السوري، فهذا  نظامٌ لا يفهم إلا لغة القتل، ولا يسقط إلا بالقتل، (والجاية أعظم) .

2– كيف تقرأين مواقف الفنانين السوريين المتنوعة من حراك التغيير في بلدهم؟

فرقة وانقسام، تردد وضياع، وخوف.. وخوف. صارت سوريا والسوريون ضمناً ومنهم الفنانون تعيش انفصاماً،مناطق ثائرة رفعت صوت الثورة ودفعت ضريبةً باهظة. دمٌ وتهديمٌ واعتقالاتٍ لم يشهدها تاريخٌ للبشرية قديمه وحديثه.

تبدّل الدور.. (الفنان_ المتفرج..) أصبح الثائر بطل المشهد وتفرّج الفنان.

 ومن حاول منهم أن يقف موقف حق، من حاول أن يناصر صوت من لا صوت له، دفع الضريبة. الرحمة لياسين بقوش، خالد تاجا، باسل شحادة، الحرية لزكي ومهيار كورديلو، الحرية للمعتقل الثائر الذي لا نعرفه.

تبدل الموقف.. وتغيرت الخشبة..

هذا لا يعني أننا لا نفتخر ببعض الأبطال الإعلاميين والمثقفين والفنانين و مواقفهم، انشقاق الإعلامية علا عباس ومحمود زيبق، علي ديب، ثائر ديب، وانشقاق الكثيرين في مبنى التلفزيون من تقنيين وعاملين وفنانين، صدقني دخل الفنانون والمثقفون  في صراعٍ محمومٍ وبشع، سيدفع ثمنه وهو يُدفع منذ اللحظة، التاريخ لا ينسى.

دريد لحام لن ننسى.. أدونيس.. وغيرهم كثر. لن ينساكم تاريخكم ولن ينساكم موقفكم الراهن من شعبٍ يباد بالوكالة. من حاكمٍ قرر أن يقتل شعبه، شعبٌ كنتم تخدعونه وتبيعون وتشترون عقله. لن يباع عقل الثائر بعد الآن، ولن يُشترى.. لن يُشترى.

 زرت مناطق ثائرة في دمشق، أنا المرأة الممثلة (أنا السافرة ) ورأيت الحب. رأيته وعرفته، الله محيي أهل الغوطة والميدان والحجر الأسود.. على رأسي وفي عنقي وقلبي حبهم ما حييت.

حماه في بداية الثورة، وموقف القاشوش والثوار.. لن أنساه..

التاريخ لن ينسى أيضا: مازن الناطور، جلال الطويل، ريم علي، لويز عبد الكريم، محمد آل رشي، ناندا محمد، أمل عمران، إيمان جابر، نضال حسن، خالد خليفة، محمد أوسو، يارا صبري، فارس الحلو، أمل حويجة، حنان شقير، رشا عمران، وائل سعد الدين، لينا محمد، جهاد محمد، سهير شقير، والرائع سميح شقير. هؤلاء.. الأبطال وغيرهم.

وكعادته وكما عرفناه بادر النظام الزائل بتشويه موقفهم.. أصدر بيانات تخلي ذويهم عنهم.. وصفهم بالعمالة للغرب، شّهر بأخلاقهم، لم يترك تدنيسا لم يمارسه، شرفٌ لهم كل هذا التدنيس.

3- على اعتبار أنك كنت مشاركةً في الحراك الثوري السلمي منذ البداية وبعد مرور عامين، هل تستطيعين القول بأن النظام قام بتجنيد فنانيه كإحدى أدوات القمع؟ مالذي كان يدور في كواليس الوسط الفني؟

من بداية الربيع العربي كان موقف النظام واضحا، فقد خشي من أن تطاله  رياح التغيير. أذكر أننا دعينا إلى حوارٍ لا يمت إلى الحوار بصلة، وإنما كان أشبه بالتلقين، في محاضرةٍ نظمها نجدت أنزور وأشرف عليها ياسر قشلق. جمعونا ليعطوننا درساً مفاده أن هذا الربيع ليس ربيعاً!!

كان رجال الأمن منتشرون في القاعة، وكانت المواجهة التي انتهت بسحب أشرطة الكاميرات من قبل عناصر الأمن.

 خاب أمل الملقّن الفنان ولم يحفظ الجمهور الدرس. 

في زمن الاستقرار، من الطبيعي أن تتفاوت المواقف في بيئة سياسية واجتماعية، من الطبيعي بل من الضروري أن يعيش المجتمع تبايناتٍ وخلافاتٍ واختلافاتٍ فكريةٍ وإيديولوجية. ولكن ما يلزم لهذه الثقافة بُنيةٌ وظرفٌ على مقاس الحرية، وليس على مقاس رجال الأمن.

ولاحقاً عندما كتبنا البيان (بيان حصار درعا)، هوجمنا ببذاءةٍ تستدعي ثورةً بحد ذاتها.

وعندما خرجنا في مظاهرةٍ تطالب بإيقاف المجازر وسفك الدماء، اعتُقلنا. وكان الدرسُ الثاني.

الفنانون خائفون، وكنا نحن الدرس، وكنا عصا الترهيب والإرهاب، هذا لا يعني أن بعضهم ينتظر نهاية الطريق، من اتخذ موقفا مع النظام سيدفع ثمنه، كما ندفع نحن الثمن، باسل شحادة دفع الثمن، هذا البطل دفع الثمن غالياً.

في بيئة الاستبداد الموقف له ثمن. والصمت أيضاً له ثمن.  

عندما يتحول الفنان إلى مهرح قضر السلطان يفقد قيمة الفن الحقيقي، هذا ما أراه.

4– أتجدين علاقةً بين إنتاج الفنانين من زملائك في السابق، وموقفهم من التغيير السياسي والاجتماعي التي تمر به البلاد؟ هل يمكن توقع موقف الفنان من حراك بلاده السياسي، عبر تصفح إنتاجات ماضيه؟

دريد لحام مثلا ؟! أم الماغوط ؟! دريد لحام أم نهاد قلعي؟! هل هما في بوتقةٍ واحدة ؟ لا شك أن من كان يعرفهما كان يعرف من كان يتسلق على من، ومن كان منهما  يتزّلف، ومن كان حقيقياً وصادقاً مع ذاته ومع فنه.

دريد لحام ركب الفن والسياسة والصداقة. والماغوط الشاعر ظل مخلصاً وعصياً وفقيراً  ومات بسره.

هي الحياة على ما يبدو، يمتزج فيها الحقيقي والكاذب، مايفرّق بينهما شعرة، وتاريخٌ لا ينسى مهما تغاضى.

ماذا لو بقي قلعي والماغوط على قيد الحياة؟؟ لا نعرف موقفهما من الثورة، ولكن نعرف حتماً موقف دريد منها، وهذا يكفينا لنعرفه أكثر.

5- اليوم بعد مرور عامين على رغبة التغيير السورية، هل تشعرين أن مسار التغيير قد بدأ يأخذ شكلاً مختلفاً، وما موقفك من مآلات التغيير؟

تقصد الأسلمة؟ الحرب الطائفية ؟ أخاف أجل. سعى إليها النظام بكل ما أوتي من بطشٍ وخبث، الفتنة أداته كما القصف والتنكيل والاعتقال،أجل هو من زرعها ليبقى، ولن يبقى، قالها الشعب السوري في بداية الثورة: واحد واحد واحد الشعب السوري واحد. وإن تغيرّت، فدورنا كبيرٌ في القادم من الأيام. المهم أن يسقط. طبعا ولا ننسى الأجندات العربية والعالمية التي تشاركه خراب البلاد. سوريا بيدقٌ في حربٍ عالمية، والملك في مكان آخر.

7- كيف يلعب الفن السوري اليوم دوراً أقوى في مرحلة العلاج الجمعي النفسي والإخاء والسلم الأهلي؟ كيف نوظف الفن في غايات إنسانية واجتماعية مختلفة عن دوره في المرحلة السابقة من حكم النظام الشمولي؟

ظهر فنٌ جديد بكل المقاييس والأجناس، سوف يكون لبنةً لفنٍ ثوريٍ قادم، صانعوه شبان وشابات سيكونون أبطال الفن السوري الجديد، كم هم رائعون وخلاّقون! هم عماد الفن السوري مابعد الثورة. هم وحدهم.

9- هل من ترددٍ لديك، بأن للفنان دور سياسي-اجتماعي؟ أم أن المبدع يبقى ناظراً مترقباً لإلهامٍ ما، بعيداً ومترقباً لكي يعكس الوضع السياسي الاجتماعي؟

للفنان دورٌ سياسي واجتماعي وثقافي وتربوي. هو دورٌ إن فقده فقد دوره، وصار تاجراً في محلات التجزئة، وإن تحول دوره لخدمة السلطان فلا عيب على الدور إنما عليه وحده، يحمله معه ويتحمل هو نتائجه.

برومو الشهيد ناجي الجرف