جرن حنطة

عن الديكتاتورية … بيروز بيريك

عَن الدّكتاتوريّة  
بيروز بيريك
مركز المجتمع المدني والديمقراطية في سوريا عن الديكتاتورية

الدكتاتوريّة مصطلح مشتقّ من فعل ” دكتاتوس” أي يأمر أو يملي، وهي أحد أنماط الحكم المطلق والمحصور في شخص واحد أو مجموعة، كما في الأنظمة الملكيّة غير الدستوريّة، أو في حكم الطغم العسكريّة، وتتنوع درجات التسلّط والاستبداد ما بين دكتاتوريّة وأخرى وهي إحدى معيقات التنمية والسّبب الأبرز في تأخّر التحوّل الديمقراطي لأنّها النّقيض الواضح لهذا التّحول.

برزت الدكتاتورية في القرن العشرين حيث نمت شهرة قادةٍ دمويين ومتسلطين من أمثال هتلر وستالين، وموسوليني الذين لمعوا أثناء سنوات الحرب العالمية الثانية، والّتي نجم عنها ملايين القتلى والجرحى والمشردين ومن أبرز الزعماء الذين سميوا بـ “الدكتاتور” معمّرالقذافي وصدّام حسين وحافظ الأسد وأنور خوجا و تشاوتشيسكو وعيدي أمين و موبوتو.

كانت الأنظمة الشيوعية هي أكثر الأنظمة دكتاتوريّةً لكونها شموليّةً تلغى فيها خصوصيّات الأفراد ويتمّ في بعضها اتباع أنظمة الهندسة الاجتماعيّة المتطرّفة كما في كمبوديا على يد الخميرالحمر بقيادة بول بوت وفي الصين إبّان “الثّورة الثقافيّة” في عهد ماوتسي تونغ.

هذه النظم والإجراءات المؤدلجة وغير المدروسة أحالت المجتمعات إلى أنقاض يعتريها الفقر وانعدام الثّقة بين الأفراد وبروز الإعلام والثقافة التسطيحيّة الموجّهة والدّاعية إلى عبادة النّهج الحزبي وحكم الفرد.

يتسلط الدكتاتور على مقدرات الدولة ومؤسساتها وهياكلها السيادية تسلطاً شاملاً معتمداً على القوة العسكرية للدولة، وعلى سطوة المخابرات و أجهزة الأمن سعياً لتوطيد أركان حكمه وإدامة سلطته. ولا يفسح المجال أمام أي تعبيرٍ سياسيٍّ  مخالفٍ له  بالرّأي، ولا أيّ نوع من المعارضة ويعمل من أجل السّيطرة على  كلّ مظاهر الحياة السّياسيّة، والإجتماعيّة، والثقافيّة، والإقتصاديّة في البلاد كما يحاول خلخلة الثّقة بين مكوّنات الشعب وشرائحه، ويميل الحكّام الدكتاتوريّون إلى افتعال الحروب والمغامرات غير المحمودة مع الجّيران، وغالبا ما يجلبون الويلات لشعوبهم وجيرانهم.

في الشّرق الأوسط وكذلك في إفريقيا يسهم التكوين المجتمعيّ المتخلّف -ولا سيما داخل المجتمعات النامية- في صناعة الدكتاتوريّة نتيجة للعصبيّة العشائريّة، والمناطقيّة وغياب المؤسّسات والثّقافة المدنيّة وسيادة التصنيفات ما قبل المدنيّة كالجّاه والنسب والعزوة، وتراجع دورالأحزاب والحركات السّياسيّة والاجتماعيّة كما يسهم تدنّي مستوى الثّقافة بين الجّمهور في تعزيز فرص نموالدّكتاتوريّات حيث يكون الأفراد المتنوّرون أكثر قدرةً على تحليل الواقع وكشف الطّرق التي يتّبعها الدكتاتوريّون.

يغلّف الدكتاتور استبداده و تسلّطه بـ “خطورة المرحلة ومفصليّتها”  و “المؤامرات الّتي تحاك ضدّ الدّولة” و”الضّرورات الوطنيّة والقوميّة” وكل ما من شأنه تبرير تفرّده واستئثاره بالحكم.

أقام هتلر دكتاتوريته على مرتكز أيدولوجي هو “تمجيد العرق الآري”، بينما قامت دكتاتورية موسوليني على “الفاشية”، وارتكز صدام حسين في دكتاتوريته على “استعادة أمجاد العرب وكبح الجموح الفارسيّ”، بينما عمل حافظ الأسد على استغلال مسألة “الصراع العربي- الاسرائيلي والتوازن الاستراتيجي مع العدو”

نتيجة تغوّل السلطات في يد الدكتاتور يغيب – بشكل تلقائيّ- دور المؤسّسات في الدّولة، ويصبح الدكتاتور وحده مصدر القرار والحكم والإدارة، ويغيب مبدأ الفصل بين السّلطات بشكل تدريجيّ كلّما تعاظمت سلطات الدّكتاتور واستطاع أن يدجّن المعارضة أو يقمعها.

وفي أثناء الثورات والتمرّدات تعمد الأنظمة الدكتاتوريّة إلى استخدام القوّة والعنف في التّعامل مع المحتجّين، وهذا يفتح الباب أمام العنف المضاد والعمل المسلّح لحلّ المشكلة السّياسيّة المتعلّقة بالسلطة وشكل الحكم مما يجبر القوى الديمقراطيّة إلى سلوك أحد الطريقين، فإمّا أن  تنتهج طريق العنف المحفوف بمخاطر كبيرة، أو تنكفئ على نفسها وتتحدّد فعاليتّها ضمن الجّو الذي يطغى عليه العنف والدّم والدّمار كما في الحالة السوريّة التي نعيش تفاصيلها.

 تقول جين شارب في كتابها (من الدكتاتوريّة الى الديمقراطيّة)   “إن خيار استخدام العنف مهما كانت حسناته يعكس بوضوح أمراً واحداً وهو أنّ اللّجوء إلى وضع الثّقة في أساليب العنف إنما يعني استخدام أسلوب للنّضال يتميّز الطّغاة دائما بالتّفوق فيه”

في سوريا وخلال القرن الماضي ولا سيما في فترة الانقلابات العسكريّة برزت أسماء كلّ من حسني الزّعيم و أديب الشيشكلي كنماذج تقليدية للدكتاتوريّات العسكريّة، ولم تظهر أسماء ذات ذيوع كبير حتّى مجيء الدكتاتور حافظ الأسد الّذي نكّل بالمعارضين وزجّهم في المعتقلات وارتبط اسمه بمجزرة حماة 1982 و بالسّيطرة على لبنان ووضعه تحت نفوذ ضبّاطه، كما تميّز عن باقي الدكتاتوريّات بأنّه ورَّث الحكم لإبنه ضمن دولة ذات نظام جمهوريّ، والذي استطاع بدوره أن يؤسّس لمرحلة جديدة من الدكتاتوريّة الدمويّة الّتي نشهد فصولها الموغلة في القمع العاري ضد المعارضة و المدنيّين.

برومو الشهيد ناجي الجرف