حنطة جلب

سوريا الحزينة … ترجمة : زويا منصور

 سوريا الحزينة
مقال في جريدة الشرق الصادرة باللغة الفرنسية/الشرق الأدبيسوريا الحزينة
العدد 82 (نيسان-2013)
http://lorientlitteraire.com/article_details.php?cid=47&nid=3794
بقلم نادية العيساوي 
ترجمة زويا منصور

في كتابها “إطلاق نار متبادل، مفكرة الثورة السورية”، تقدم سمر يزبك، الكاتبة السورية، شهادتها على الخوف الذي يصعب وصفه والذي عاشته كالكثير من السوريين. هذا الكتاب ليس بمفكرة وليس بسرد زمني لما حدث خلال الشهور الأربعة الأولى من الثورة السورية. إنها حكاية واقعية تفيض بأسلوبٍ أدبيٍ متميز وبعبارات يملؤها الجمال، وكذلك بالأصالة والغنى. ترجمة الكتاب عن اللغة العربية بيد رانية سمارة لم يغير من عمق الأفكار التي يتناولها ولا من أصالة الأسلوب الأدبي الذي تمتلكه المؤلفة. لقد اعتنت المؤلفة وربما بحرص شديد، يكاد يقترب من الهوس، بالتفاصيل، أسبوعاً وراء أسبوع، كل شيءٍ كانت شاهدةً على حدوثه وكذلك كل ما كان الآخرون شاهدين عليه ممن عايشوا الثورة. المدن الدامية والشعب الذي يمارس عليه الترهيب يثيرون في مخيلتها صورة فلسطين، الشوارع المهجورة أو التي يتربص الموت بها، كل هذا بالإضافة إلى محادثاتها مع المواطنين الذين يتملكهم الهلع ولا يستوعبون ما يحدث لهم.
فصلاً وراء فصل، يستعرض الكتاب قصص وشهادات من واقع الناس والفاعلين في الثورة. تتناول الفصول الأولى من الكتاب المظاهرات السلمية والعنف الممارس على المتظاهرين من قبل الشبيحة تحت أنظار القتلة وتتناول هذه الفصول كذلك وبشكل خاص أجهزة الأمن وكل ما يقومون به من أعمال تحريض وتعبئة ونشر الإشاعات المغرضة لخلق الفرقة والفتنة وبث الحقد بين السنة والعلويين.
تقول سمر يزبك عن الكتاب بأنه ليس قصةً من الخيال وتعبر عن ذلك بأسلوبها ” يتطلب العمل الروائي الكثير من الخيال، وأنا أقول بأن الواقع هو الأساس، لابد في البداية من الواقع ثم الواقع وأخيراً الواقع”، الديكور تم رسمه، لا، إنه حقاً من الواقع. الرحلة إلى أقصى حدود البربرية التي تدعونا إليها سمر يزبك لا تثيرنا لاستراق النظر فحسب وإنما تدفعنا أيضاً لنتساءل حول عنفنا، العنف الخاص بنا وبربريتنا الداخلية، وتضعنا في تحدٍ أمام إنسانيتنا. ومن الإنسانية مثلاً، المسألة المتعلقة بحكايات الجنود المنشقين عن صفوف جيش النظام والذين صدموا بحجم التعبئة والعنف والمهام الموكلة إليهم، فتحدوا الخوف والتحقوا بصفوف المتمردين. وهناك من لم يحظ حتى بهذه الفرصة بسبب تصفيتهم مباشرةً ولكنهم وبطريقة ما دفعوا حياتهم ثمناً للتحرر من الجحيم الذي يعيشونه.
قضايا الحياة والقلق والخوف والموت حاضرةٌ بشكل لا يمكن تجاهله، وذلك من خلال أسلوبٍ نسائي مفعمٍ بالحساسية والقوة في آنٍ معاً: “لم أعد أخشى الموت وأنتظره بمزاج جيد مع سيجارتي وفنجان قهوتي”، وأيضاً “أنتظر الموت ولا أحمل الزهور إلى قبري”. من الآن فصاعداً، أصبحت الأولوية لدى الكاتبة أن تفتح أبواب الحياة أمام ابنتها من خلال المنفى الذي تعيشه هي نفسها وكأنه موت معلن. منفية من وطنها، ولكنها أصلاً منفية من ذاتها ومن جلدها، وقد اختارت منذ بداية الثورة مساراً غير مضمون، وبعيدٍ عن أولئك الذين يتحدون الاستبداد. “إن الذي يجري لا يشبهني. تصفيق عائلتي لتلك المرأة (بثينة شعبان)، وتصفيق بعض أصدقائي لدم الشهداء. أتقوقع على نفسي”. خرجت تحارب من أجل فكرة مثالية، ضد نظام مجرم وضد المجتمع الذي ينكر عليها حريتها” تعتبرني عائلتي جريمة شرف وبالنسبة لمجتمعي جريمة جنائية لم أعد أخشى الجماعة التي أنتمي إليها”. لقد استثمرت سمر يزبك نفسها في الكتابة، من خلال انقسام الذاكرة ومن خلال شعبٍ نهض ليسطّر بنفسه مصيره. إنها تفعل ذلك من أجل توثيق هذه اللحظة التاريخية كي لا ننسى هؤلاء الرجال والنساء والأطفال الذين لم يكن على لسانهم، حتى وهم تحت أقسى أنواع التعذيب، إلاّ كلمةٌ واحدة “الحرية”.
يطغى على القارئ في نهاية الرحلة شعورٌ بالإرهاق، من الحنين الذي تنقله الكاتبة لهذا البلد، لمدنها، لأشجار الزيتون، لأشجار الليمون الحامض وللأفق الأزرق في مدينتها الساحلية. وكذلك، الإعجاب الذي لا مفر منه بشجاعة وكرامة هؤلاء الناس العاديين، والذين فوجئوا هم أنفسهم بعطشهم للحرية بعد كل هذه السنين من الخضوع لحكم الاستبداد. أمنية سمر يزبك الوحيدة تتمثل في سقوط النظام، لأنها تأمل في العودة إلى وضعها كمفكرة وناقدة وككاتبة بشكل خاص. ” حان الوقت كي يرحل، أريد العودة للرقص والموسيقى، ولعي في هذا العدم. أريد العودة إلى حبي للكلمات… إلى عدم اكتراثي بالبعد الحقيقي للوجود”، تقول سمر يزبك. 

برومو الشهيد ناجي الجرف