حنطة بلدية

لحظة الولادة … محمد ياسر

لحظةُ الولادة
محمد ياسرلحظة ولادة

يُنهي صلاةَ الجمعةِ في المسجد, يقفُ على قدمَيه، ينظرُ يميناً وشمالاً
تبحثُ عيناه عن عينيِّ صديقه، يهمُّ بالخروجِ مستعجلاً وكأنَّ شيئاً في الخارجِ لن ينتظره..
يخرجُ من الجامع، ينظرُ مرةً أخرى في عينيِّ صديقه، تبدأُ دقّاتُ قلبه بالتسارع..
الباعةُ يعرضونَ بصخبٍ كالعادةِ بضائعَهم، أصواتُ جامعي التبرُّعات تُلاحقُ المصلّين، الناسُ يخرجون من الجامع، ينتظرون بعضهمُ البعض، يتحدَّثون، يسلِّمون على بعضهمُ البعض، وينتظرون. بعضهم يقلِّبُ معروضات الباعةِ ولا يشتري، بعضهم يشعلُ سيجارةً وينفخُ خطبةَ الامامِ الطويلة، بعضهم يتأمّلُ كلَّ الوجوه، يراقبُ كلَّ المفارق، وينظرُ حتى إلى أسطح المنازل.
يتجمَّعُ الجميعُ أمامَ المسجدِ وينتظرون، في هذا الحيّ لا توجدُ( مشاكل ).
يمشي وهو يتأمَّلُ الوجوهَ تارةً، وينظرُ الى قدميهِ تارةً أُخرى، وكأنَّهُ يُخبِّئُ شيئاً ما، أو يختبئُ من أحدٍ ما. يقفُ على الرصيف، ويختفي في جموعِ الواقفين، ينظرُ الى صديقه، يأخذُ نفساً عميقا، تتسارعُ دقّاتُ قلبه، ويبدأُ بالتعرّق، يحسُّ بحرارةٍ تنتابه، وتحرقُ أذنيه، ويصبحُ النَّفَسُ عصياً أكثرَ فأكثر. يتحسَّسُ قطعةَ القماشِ المخبّأةَ تحت قميصه، ويطلبُ منها العزيمة،
ينظرُ مرّةً أُخرى الى صديقه، ثمَّ ينظرُ الى السماء، يبدأُ جسمُهُ بالرّجفان، و يزدادُ بالتَّعرُّق،
تتوالى الصورُ في رأسهِ والأصوات، صورةُ الساحة، صورةُ الساعة، صوتُ أُمّه، صورةُ الحياة..
صوتُ الرصاص، صوتُ الذُّل، صورةُ الظلام … وخطبةُ الإمام…
تتوالى الصورُ والأصوات. ثمَّ تمتلئُ نفسُهُ بصورةٍ واحدة، وصوتٍ واحد، وكلمةٍ واحدة.. يستجمعُ قواه، يأخُذُ نفَساً عميقاً، يستدعي كلَّ حواسِّهِ وأعضائِه، يستحضرُ حسَّ الأحرارِ وعَصَبَ العظماء، وينفجرُ بكلِّ ما أُوتيَ من قوَّةٍ ويصرخْ:
تَكْبِيْيييييير …..

برومو الشهيد ناجي الجرف