حنطة بلدية

من مخلفات الحرب … لارا صبرا

“من مخلفات الحرب”من مخلفات الحرب - لارا صبرا
لارا صبرا

المشهد الأول..”مجزرة”:

أحد الطلاب الذين شاركوا بإسعاف رفاقهم بعد قصف كلية العمارة وأثناء قطعه الدرج الفاصل بينه
وبين المجزرة، اكتشف شيئين غريبين ربما يخصّان المجازر من هذا النوع، الأول: أنّ الدرج أطول مما كان عليه، والثاني:…ربما أخبركم به لاحقاً.

“لارا اكتبي عن رفقاتك اللي اندبحوا قدام الشّاشات، رفقاتك اللي ماتو مشان العلم، اكتبي عن
اللي كانوا عم ينزفوا، عن ريحة الدم، عن البارود، اكتبي….

“أنا كسرت قلمي، متل ما كسرولي ضهري…” هكذا قال لي واستكمل الرسم:

“واحد، واحد، واحد.. أين الإثنين.. كان هنا منذ قليل.. منذ جيل..
هل يعقل أن رائحة الدماء ؟…هل يعقل؟!! وهل لا يعقل؟!”

ستة طلابٍ بلا حَراك على الأرض والدماء تلوّن الحَدث، آخرون استطاعوا الحَراك وامتدت أيديهم للبحث عمن يلتقطها، والأعين لها البَريق، والشّكل.. لها اللون ذاته، والألم يحفر جدار الزمن بأظافره.
نظراتهم صرخت.. لم تترك أذناً إلا وقرعتها، وأخذت تبني شيئاً فشيئاً جداراً من الخوف.. فيمتنع الكثيرون عن التقدم نحو الأيادي ويكتفون بالذهول.. والقاتل هو قرار انتقاء الحياة الرّابحة.
حدَّثته فكرةٌ بالهروب.. رجمها وتقدم نحو زميله، حمله على أكفه، اختلطت دموعه بحرارة الدماء داخل جسده وخارج جسد صديقه.. دار الزمن معاكساً لعقارب السّاعة، درعا، حلب، حمص، دمشق ملاذه الأخير. لم يتذكر والدته صباح اليوم ولارغيف الخبز، جلّ ما دار بخاطره “أين الإثنين؟”
وقاطعت مخيلته كلمتي المصاب على أكفه:” شايف فرح”…
فأعاد تفعيل ذاكرته.. فرح؟!!
ربما لا تعني الكلمة أكثر من اصطفافٍ عبثيٍّ لثلاثة أحرف، ربما هي مرادف الألم في تلك اللحظات…
فرح هو أول ما شعر به عند رؤية الضوء الأبيض في أخر الرواق؟! ربما…

وربما هو فرح الحياة المختبئة خلف ناصية المجزرة.

 -المشهد الثاني…”مخيم”:

يقول طفلٌ مستلقٍ على ظهره، شابكاً يديه تحت رأسه، تجول قدمه اليمنى في الهواء، ونظراته أصقاع السماء:

بين الصدى والصدى

لا أحد هنا يشاركني المدى

عندما أكبر سأنصب خيمتين بين غيمتين

أعلق شهادة النزوح على حبل الغسيل

واستمع لموسيقا الماء على يَداي، عَيناي، أَحلامي

شغف الحياة  يرقص أمامي

ويحلّق اللون ربيعاً ونصف

عالياً عالياً

وعالياً..

 إرث البلاد  قضمه الجّلاد كَعكةً صباحيّة

ومن حسن  سوء المخيم أنه  مُرّ

ولم يعتد ناقص الشّرف على المُرّ

المشهد الثالث..”هجرة”:

-ويسألني: أأغادر؟!

يجيبه شقاء الغربة: إياك والمغادرة

لا يغني الإناء عن البحر..

ولو رُصِّع بذهب السلطان..

 ذاته الإناء.. لا يغني عن البحر

والخارج أشبه بإسفنجة تمتصك وتلفظك أرضاً.. ليست بأرضك

إياك والخسارة.. من يترك وطناً

يحصد قبراً بلا شاهدة

-ويسألني: ما العمل؟!

صفِّق… صفِّق للحُب

ودُلَّ الحرب على وجهتها

أخبرها همساً أننا اكتفينا

وأن أطفالنا صادقوا الرياح، اعتادوا العَراء

تقاسموا الليل والليمون وقال أحدهم:

 عندما تولد القذيفة.. تحتاج من يرعاها

لا تكن الأفضل..لأنها تختارك دوماً.

برومو الشهيد ناجي الجرف