ع البيدر

ضيف بيدر حنطة زياد ماجد … حوار : لارا صبرا – وسام الخطيب

زياد ماجد
كاتب وأستاذ جامعي لبناني يعمل أستاذاً لدراسات الشرق الأوسط في الجامعة الأمريكية في باريس، ساهم في إعداد دراسات حول قضايا التحول الديمقراطي في لبنان وسوريا والعالم العربي، مع تركيز خاص على الأنظمة الانتخابية والأحزاب السياسية ومشاركة المرأة في الشأن العام.

في العام 2004، شارك  مع عدد من السياسيين والطلاب والمثقفين في تأسيس حركة اليسار الديمقراطي، وهي الحركة التي شارك في تأسيسها أيضاً المؤرخ والصحافي سمير قصي، والروائي الياس خوري والتي كان لها دور هام عام 2005 في إطلاق “انتفاضة الاستقلال” في بيروت.
وفي العام 2007، ساهم ماجد في تأسيس الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية، وانضمّ إلى منتدى ربيع بيروت في العام 2009.

خاص حنطة
حوار: لارا صبرا، وسام الخطيبحوار حول سوريا مع زياد ماجد

1-  دأب النظام السوري علی تصدیر الأزمة للدول المجاورة والمحطة الأخیرة کانت ترکیا؟ هل تعتقد أن هذه الدول ستکتفي بالتندید والشجب ؟

أظّن أن النظام السوري صار منذ فترة، أسير لعبته التاريخية المعهودة منذ السبعينات. كان غالباً يستخدم الساحات المحيطة به للاستثمار السياسي والدموي في أزماتها والتأثير فيها بحثاً عن مشروعيةٍ خارجية (إعتراف دولي بدوره) تمنحه مشروعيةً داخليةً لا يملكها، أو تعينه على قمع الداخل. اليوم صار هذا النظام نفسه جزءاً من لعبةٍ، وصارت سوريا بسبب سياساته ساحة تصفية حساباتٍ إقليميةٍ وموقع صراعات. وقد راهن نظام الأسد الإبن منذ بداية الثورة السورية، وقبلها بعد اغتيال الحريري في لبنان، على التخويف من إشعال المنطقة إن هو هُدّد بالسقوط. وكان للأمر بعض الأثر الترهيبي قبل عامين، لكنه الآن تراجع كثيراً وتخطّى النظام تماماً، وصار مرتبطاً بالاستراتيجيّات الإيرانية والضوابط الروسية.

وأعتقد أن الدول المجاورة لسوريا تعي هذا الأمر، ولو بدرجاتٍ مختلفة. وتركيا مثلاً لا تريد تغييراً في “قواعد اللعبة” ما لم تضمن تبنّي حلف “الناتو” لأي قرار صدامي تتّخذه. ويمكنها أن تستوعب بعض التفجيرات وتكتفي بالتنديد والتهديد ودعم المعارضة وإيواء بعض قواها، إضافة الى السماح بمرور مساعدات عسكرية للكتائب المقاتلة عبر حدودها. لكن إن تزايدت هكذا عمليات، فيمكن توقّع تصعيد تركي لن تعيقه عندها الأصوات الداخلية (اليمينية القومية كما اليسارية) المعارضة لسياسات أردوغان.


3- هل یغیر القصف الاسرائیلي من المعادلة السوریة؟ وهل کان السبب هو وجود أسلحة تشکل خطرا” علی اسرائیل، أم أن النظام استعان باسرائیل کحلیف لتفادي حدوث انشقاقات في أرکانه؟

لا تقوم إسرائيل بأي عملٍ خدمةً لمصالح غيرها، والكلام عن استعانة النظام السوري بها أو تنفيذها هجماتٍ لغاياتٍ وأهدافٍ تخصّه كلامٌ لا يُعوّل عليه. في المقابل، لا تريد إسرائيل تقديم عونٍ ولو غير مباشر للثورة السورية، إذ أن الأمر لا يعنيها بدوره، وموقفها مما يجري في سوريا منذ البداية أقرب الى المراقبة وتفضيل أن تطول “الأزمة” وأن ترهق الجميع وتضعف النظام من دون إسقاطه، مستنزفةً حلفاءه (إيران وحزب الله) ومستنزفةً طبعاً الشعب السوري ومقدّراته على نحو يبقي سوريا لسنوات طويلة مقبلةً مشغولةً حصراً بشؤونها وشجونها الداخلية.

وفي ما خصّ العملية الأخيرة، أظن إسرائيل استهدفت أسلحةً إيرانيةً معدّةً لحزب الله، لأن وصولها إليه كما وصول صواريخ سورية (جرى ضربها في السابق) يغيّر من المعادلة على الحدود اللبنانية. وأظن الغارة أيضاً رسالةً إلى روسيا حول “عدم التسامح الإسرائيلي الأميركي” تجاه التغلغل الإيراني المتزايد في سوريا.

بهذا المعنى، لا يغيّر القصف الاسرائيلي الكثير في المعادلة القائمة، تماماً كما لا يؤثّر فيها تهديد حزب الله بدعم النظام السوري لفتح جبهة الجولان، أقلّه الى الآن…

4- هل قطع السوریون نقطة اللاعودة من حیث عقد طائف سوري کمخرج؟ أم أننا إن تفائلنا یمکن أن نجد حلا” شبیها” للذي حصل في جنوب إفریقیا إبان نظام الأبارتید؟ أو أنك تجد إمکانیة تطبیق سیناریو جدید لم یسبق حدوثه قبلا”؟

 

تصعب المقارنات والتوقّعات. لكن إن كنت شخصياً أميل لصيغة فهي بالطبع الصيغة الجنوب- إفريقية، أي سقوط الاستبداد والسير بمسارات مصالحة وعدالة انتقالية وبناء ذاكرة لسوريا المستقبل… لكن للأسف لا أظنّنا نقترب من الأمر بعد.

5-  یقول أحدهم بمرارة: اعتدنا في التاریخ أن تتآمر الدول الإمبريالية ضد ثورات الحریة مثلما تآمرت دول أوروبا ضد الثورة الفرنسیة. أما أن یقف أحرار في العالم ضد ثورة مثل الثورة السوریة فهذا غریب. هل تتفق مع هذه النظرة؟ وما الذي دعا كثراً من الیساریین والتقدمیین في العالم العربي والعالم عامة للاصطفاف ضد ثورة شعبنا؟

السؤال وجيه بالطبع. كل ثورة كبرى تخيف لأنها تقدّم بديلاً واحداً عن القائم المعلوم: صيغة المجهول المفتوحة على كل الاحتمالات. وهذا يخيف النظم والحكومات، ونراه اليوم جليّاً في الحالة الثورية السورية.

على أن الحيرة من موقف كثرٍ من اليساريين والتقدميّين تزول حين نعرف أن الحرّية لم تكن مرّة قضيّتهم “المركزيّة”. نادوا بالتقدم والاستقلال والتحرير ومواجهة الامبريالية، وبنوا تجارب على الطريقة السوفياتية أو الكورية الشمالية، ولم تكن الحرّية بالتالي قضيةً في ذاتها بالنسبة إليهم… كما أن معظم حركات اليسار تهجس بنظرية المؤامرة، وتصفّق لكل من يشتم السياسة الأميركية، جاداً كان أم منافقاً. وهي بأكثريّتها تتّخذ من التيارات الاسلامية الأخوانية والسلفية عدواً تختصر به الثورات، فتصطفّ إلى جانب كل طرفٍ يواجهها أو تواجهه. وبعضها يعمل على أساس النكاية بحكوماته، فإن هي دعمت الثورة السورية صار هو ضدها. من دون أن ننسى طبعاً استخدام فلسطين واستحضارها كل ما وقع هؤلاء اليساريون في مأزق، والتأكيد على أنها اهتمامهم الوحيد وكل ما يصرف عنه – الثورات في هذه الحال – هو مكيدة واستهداف جديد… ويضاف إلى كل ذلك أن بعض أصدقاء الثورة الذين تحتاجهم مادياً وتسليحاً – مثل السعودية وقطر- لا مصداقية لهم ديمقراطياً أو احتراماً لحقوق الانسان، مما يعزّز عند البعض التشكيك بالثورة، متناسين عن قصد أو عن جهل أن كل الثورات في العالم اضطرّت إلى تلقّي الدعم من أطرافٍ ليسوا بالضرورة معنيّين بأهدافها أو  مبادئها بقدر ما حاولوا الاستفادة من ظروفها لتصفية حساباتٍ عن طريقها، وأن الاضطرار كان في الحالة السورية نتيجة حرب الإبادة التي شنّها النظام ضد المتظاهرين وضد بيئتهم الاجتماعية. ويجب التركيز دائماً في الردّ على هؤلاء على أن فهم الثورة وحق أكثرية السوريين بالتمرّد والكفاح ضد نظام قمعي يستعبدهم منذ 43 عاماً هو شأن لا تغيّر في مبدئيّته كل ملابسات في التحالفات والمصالح والعلاقات الدولية التي يسعى اللاعبون الدوليون والإقليميون المتخاصمون للتقدّم كلٌّ على حساب الآخرين فيها. وهذا ما يشهده تاريخنا على الدوام، وفي كل منعطف كبير…

في أي حال، يقودنا ما سبق ذكره الى ضرورة البحث في إعادة تعريف “اليسار” وتشكيل أطرٍ يساريةٍ جديدة، قوامها الجيل الجديد من اليساريين واليساريات الذي صالح توقه إلى العدالة الاجتماعية والعلمنة بنضاله من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان.

6- مع العلم أن أيران تلمح إلى حشدٍ عسكريٍ وخاصةً بعد ضربة دمشق، هل لإيران أي تواجدٍ في الملف السوري مستقبلاً؟ أي في آلية التفاوض القادمة وخاصةً بعد انسداد الأفق الذي فرضته الحالة الدولية والحالة الهمجية للقمع المنظّم؟

تُنفق إيران مليارات الدولارات دعماً للنظام السوري وتُقحم حزب الله وعدداً من ضباط حرسها الثوري إضافةً الى ميليشياتٍ عراقيةٍ في القتال إلى جانب الأسد. وأظنّ أن خياراتها المتماشية راهناً مع الموقف الروسي قد تفترق عنه إن قبل بمساومةٍ لا تراها مُربحةً. فمقدار التصلّب الأيديولوجي في طهران أعلى منه في موسكو، ومسألة دعوة الإيرانيين إلى مؤتمرٍ حول سوريا ما زالت عالقة. موسكو تريدها لتتذرّع بمن هم على يمينها أو يسارها تطرّفاً، وأميركا محتارة إذ ترى في الأمر إقراراً بتعاظم الدور الإيراني في المنطقة لكنها ترى فيه فرصةً أيضاً لاستيعاب التوتّر “النووي” الإسرائيلي الإيراني. أما فرنسا وبريطانيا ومعهما دول الخليج فتعارضه، وتشاركهم تركيا المعارضة الضمنية ولو أنها لا تصرّح بالأمر للمحافظة على علاقة التواصل بالإيرانيين لأسبابٍ اقتصاديةٍ وللاستمرار في دور الوساطة النووية، ولشؤونٍ أخرى خاصةٍ بالعراق والمسألة الكردية.

لكل ذلك، تبدو كل مشاركةٍ إيرانية بمؤتمراتٍ دولية حول سوريا غير مؤكّدة. المؤكّد بالمقابل أن إيران تقدّم الدعم الميداني الكبير لنظام الأسد أملاً في تحسين شروطه التفاوضية إن حصلت مفاوضات.

7– إن الآليات المطروحة من قبل الدول في غاية الإبهام من توافقٍ على مقررات مؤتمر جنيف إلى تصريح روسيا بأن الإتفاق سيتأخر بسبب بعض الجهات وهي تلمح إلى المعارضة. إلى أين سيصل هذا الإتفاق؟

أعتقد أن أكثر ما يقال حول التوافق الروسي الأميركي ومؤتمر جنيف٢ هو كلامٌ مبالغٌ فيه ويحتوي تمنّياتٍ عند البعض واستسلاماً لنظريّات التآمر عند البعض الآخر.

ما اتّفق عليه كيري ولافروف مفاده أنه من الضروري إيجاد حلٍ سياسي، وأن هذا الحل يتضمّن تمثيل بعض قوى المعارضة في مرحلةٍ انتقالية في حكومةٍ موسعة يكون للنظام أيضاً من يمثله فيها. أما آليات الوصول إلى المرحلة الانتقالية وسبل هذا الوصول ومصير بشار الاسد والعائلة الحاكمة ومن هي القوى المعارضة المدعوّة للمشاركة في الحكومة ووفق أي مبدأ تمثيل، فكلّها لم يجر بتّها، وهي منذ البداية كانت نقاط خلاف، ولم يتمّ التقدّم على نحوٍ حاسمٍ فيها حتى الآن. على أننا أمام مرحلة صعبة، سيترافق فيها كل تفاوض جديد مع محاولات النظام التقدّم ميدانياً وتكثيف القصف والتدمير لتعزيز موقعه التفاوضي ومواقع حلفائه…

سؤالي الأخير افتراضي: کونك تعرف المناضل الشهید جورج حاوي جيداً، هل تعتقد أنه لو کانت جبهة المقا‌ومة الوطنية اللبنانیة ما زالت موجودةً (بمعنى أنها لو كانت قد حظيت بدعمٍ من النظام السوري)، فإنها كانت لتتّخذ منحی ممارسات حزب الله تدخّلاً في سوريا أم أن الموضوع حقاً لا یتعلّق بالأحلاف الإقلیمیة وإنما بالتبعیة لولایة الفقیه؟

الإجابة على هذا السؤال تقتضي توضيحين.

الأول، أن افتراض الدعم “النظامي” السوري لجبهة المقاومة الوطنية افتراض خاطئ. ذلك أن قيادة الجبهة كانت حليفةً عند إطلاقها عام 1982 لمنظمة التحرير ولياسر عرفات العدوّ الأوّل للنظام السوري. كما أن قوّتها الأساسية، أي الحزب الشيوعي، دخلت في معارك أواسط الثمانينات مع الميليشيا الأكثر قرباً إلى النظام السوري – حركة أمل -، وكانت كما “منظمّة العمل” داعمةً للفلسطينيين خلال حروب المخيّمات (ولو من دون انخراطٍ مباشرٍ في القتال). وإذا ما استثنينا حالة طرابلس، حيث كان لمجازر حركة التوحيد ضد الشيوعيين دورٌ حاسمٌ في تشكيل حلفٍ مع النظام السوري لدحر “التوحيد” عن المدينة، فإن العلاقة لم تكن جيّدةً بين الطرفين. ثم أتت حملة الاغتيالات في النصف الثاني من الثمانينات ضد كوادر ومثقفين شيوعيين ويساريين بتواطئٍ مخابراتيٍ سوري، معطوفةً على تراجعٍ عام في قدرة اليسار التعبوية، لتنهي مشاركة الشيوعيين في المقاومة ولتحوّل الأخيرة إلى قوةٍ أحاديةٍ مذهبيةٍ مرتبطةٍ بدمشق وطهران، هي قوة حزب الله. وقد تكيّف الحزب الشيوعي بعد ذلك مع الوضع الذي فرضته دمشق، وحاول البحث عقب نهاية الحرب (في مطلع التسعينات) عن مشاركةٍ في السلطة التي رعاها الأسد الأب، ولم يُفلح…

التوضيح الثاني، أن جورج حاوي اغتيل في ظرفٍ سياسيٍ (عام 2005)  كان فيه شديد المعارضة لهيمنة النظام السوري على لبنان. وكانت مواقفه تجاه التطوّرات اللبنانية يومها مناقضةً لمواقف قيادة الحزب الشيوعي، وليست صدفةً أن قسماً كبيراً من الشيوعيين الذي كانوا مقرّبين إليه في تلك المرحلة تحديداً هم اليوم مناصرون للثورة السورية في حين أن أكثرية الموالين لقيادة الحزب أو المنخرطين في هيئات الأخير ومؤسساته هم مع النظام وحلفائه، أو في أحسن الأحوال مدّعو “حياد”.

أما في ما خصّ حزب الله، فمشاركته في القتال إلى جانب النظام في سوريا هي نتاج التحالف الإقليمي من جهة، والموقف المذهبي الأيديولوجي المرتبط بولاية الفقيه من جهة ثانية. والأمران غير متعارضَين.

زياد ماجد
أستاذ دراسات الشرق الأوسط والعلاقات الدولية في الجامعة الأميركية في باريس

برومو الشهيد ناجي الجرف