حكايا البيدر

دعوة غير جادة … علي العبدالله

دعوة غير جادة

علي العبدالله *دعوة غير جادة - علي العبدالله

ينطلق دعاة عودة “الخلافة” من فرضية رئيسية واستنتاج ذاتي، الفرضية تعتبر دولة “الخلافة” فرضاً إسلاميا،ً أي أصل من أصول الدين، وترى فيها الأداة الأنجع لحل كل مشكلات المسلمين ووسيلة مضمونة للانتصار على الخصوم والأعداء.

وأول ما يمكن ملاحظته افتقار هذه الفرضية/المنطلق إلى سند صلب وواضح من النص الديني (القرآن الكريم والحديث الشريف) حيث لم ترد في النص لا صراحةً ولا مداورةً، إن لم نقل إن وقائع التاريخ في العهد النبوي والراشدي تشير إلى الضد من ذلك حيث توفي الرسول (عليه الصلاة والسلام) دون أن يحدد طريقةً للحكم بعده أو يسمي رئيساً/إماماً، وهذا ما كشفه المسلمون وجسدوه في خلافهم في سقيفة بني ساعدة، إذ لو كانت القضية محسومةً بالنص لما اختلفوا وتناقشوا وتفاضلوا قبل أن يتفقوا على مخرج اختيار شخص من أوائل المهاجرين، قرشي انتمى إلى الدين الإسلامي ودولة المدينة، أي فضل المواطنة في الدولة الوليدة على الانتماء القبلي. فدولة “الخلافة” تشكلت تاريخياً في سياق استجابةٍ للضرورة الاجتماعية، التي يستدعيها الاسلام عبر تحديده لعلاقات ملزمة بين المسلمين الأفراد بعضهم ببعض وعلاقتهم بغير المسلمين وعلاقتهم بالحكام، كي تقوم بحفظ هذا النظام وإلزام الأفراد به وما يقتضيه ذلك من تشريع وإدارة وقضاء وتنفيذ وردع…الخ. وقد تم تشكيلها بالتوافق مع شروط وظروف العصر الذي تشكلت خلاله حيث كان نمط الدولة السائد آنذاك هو النمط الامبراطوري المرتكز إلى حق الفتح.

لقد أخطأ دعاة دولة “الخلافة” عندما لم يميزوا بين ضرورة الإمامة، المرتبطة باحترام الضرورة الاجتماعية التي نادت بها كل المذاهب الإسلامية عبر النص على وجوب قيام “إمام” على رعاية شؤون المسلمين، وطبيعة الدولة وارتباطها بشروط وسمات العصر الذي تقوم فيه، حيث لا يمكن فصل الدولة عن العصر الذي تنشأ فيه.

كان التمييز بين ضرورة “الإمامة” وطبيعة “الإمامة”، لو أخذه دعاة قيام دولة “الخلافة” بعين الاعتبار، حرياً بوضع حد لهذه الدعوة غير المنطقية والتي لن تقود إلى مكان لأنها تتناقض مع روح العصر ومع الدولة الحديثة حيث لم يعد للدولة الامبراطورية وجود بعد أن قاد التطور السياسي والاجتماعي إلى إلغاء “حق الفتح” عام 1919 في عهد عصبة الأمم (كان حق الفتح قد ألغي في أوروبا قبل قرون من هذا التاريخ في معاهدة وستفاليا 1648 لكنه بقي اتفاقاً أوروبياً)، ما جعل الدولة الامبراطورية بسماتها المعروفة: عدم ثبات حدود الدولة والشعب والسيادة، لأنها عرضة للتغير الدائم بحسب نتائج الحروب والغزوات، غير شرعية ولا تمتلك فرصاً للنهوض لأنها ستواجه من قبل دول العالم قاطبة، وأمامنا أمثلة معاصرة: الامبراطورية السوفييتية المنهارة والأمريكية التي تلقى مقاومة دولية للحد من ممارساتها الامبراطورية.

يعكس التطلع إلى عودة دولة “الخلافة” بين عموم المسلمين حنيناً إلى ذكرى جميلة كانوا فيها سادة العالم من جهة، وإلى عجز مضمر عن الخروج من حالة انعدام الوزن والهوان في مواجهة الخصم الداخلي والعدو الخارجي من جهة ثانية. أما تبنيها من قبل قوة سياسية فيعكس حالة انفصال حادة عن العصر وعجز منطقي وعملي في الفكر والتصور لن يقود إلا إلى الفشل.

*كاتب سوري

برومو الشهيد ناجي الجرف