جرن حنطة

سيسقط السفاح ولن تسقط القصير … فائق المير

سَيسقطُ السفّاحُ ولنْ تَسقطَ القُصَيرسيسقط السفاح ولن تسقط القصير - فائق المير
فائق المير

 
ربما يكون هنالك مبالغةٌ وتضخيمٌ في أهمية بلدة القصير الحدودية، في الصراع الدائر في سوريا، وخصوصاً بالنسبة للثورة السورية، وربما تكتسب أهميةً قصوى بالنسبة للنظام في هذه المرحلة بالذات، وذلك لعدة أسباب أهمها :
– تأمين الاتصال والربط بين قواته في المناطق التي يعتقد أنها ستكون تحت سيطرته مستقبلاً، وتشكل أرضاً لدويلته الطائفية المزعومة، ومرتكزاً لتحركات الحلف الإقليمي الطائفي ولمشروعه في سوريا. أقصد من ذلك، الربط مابين دمشق والساحل السوري، مروراً بحمص وخصوصاً جنوبها الذي يربط الأحياء الموالية فيها بدمشق، ومناطق الغاب الحموية والحمصية الموالية في غالبيتها، والتي تبدأ من منطقة القصير وتمتد شمالاً إلى حماة وإدلب فالحدود التركية تقريباً. وتشكل في نفس الوقت السهول الواسعة والغنية الملاصقة للسفوح الشرقية لجبال العلويين وبوابات عبورها وصلاتها بالداخل السوري وبلبنان وبكل العالم عن طريق البر.
– تأمين الاتصال بين هذه المناطق وبين حلفائه الطائفيين في لبنان (حزب الله) باعتبار أن بقية الحدود السورية مع لبنان ليست آمنة بالنسبة له. فهي في الإطار العام الجيوسياسي وفي غالبية مكوناتها الاجتماعية والسياسية غير مواليةٍ له، إن لم نقل أنها منحازةٌ وداعمةٌ للثورة بجانبيها السوري واللبناني (تل كلخ، الدبوسية، القلمون، الزبداني،…الخ)
حين نعلم أن منطقة القصير بقراها الممتدة جنوباً حتى الحدود اللبنانية، كانت من أوائل المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام أسوةً بمناطق كثيرةٍ في عاصمة الثورة حمص، كانت تكتسب أهمية كبرى ليس لحمص وحدها، بل لكل المناطق السورية الثائرة، وتشكل المعبر الوحيد الأكثر أمناً وصلاحية، مع بعض المعابر الفرعية الخطرة للثورة، ومركز أساسٍ للتنقل وللإمداد من وإلى لبنان، ولنقل المصابين وتنقل الثوار والمنشقين والنشطاء وفي تأمين الكثير الكثير من حاجات الثورة في عموم سوريا.
الآن، وبعد أن سيطرت الثورة على أكثر من نصف الجغرافيا السورية، وعلى غالبية المعابر الحدودية (تركيا، الأردن، السعودية، لبنان)، ناهيك عن الكثير من الطرق والمعابر بين المحافظات، أصبحت خيارات الثورة في التواصل والتنقل متعددة. من هذه الزاوية فقط لم يعد لمنطقة القصير ذات الأهمية الكبرى بالنسبة لإمداد واستمرارية الثورة.

ولكوني أنظر للثورة انطلاقاً من رؤيةٍ كليّةٍ متكاملة، فإنه يمكنني القول أن منطقة القصير تكتسب في هذه المرحلة من الصراع أهمية بالغةً للسفاح وحلفائه الإقليميين، فيما يعدّون له ويعملون عليه من مشاريع لدويلاتٍ طائفيةٍ بعد أن فقدوا الأمل بأي إمكانيةٍ لتحقيق نصرٍ كاملٍ أو جزئيٍّ على الثورة، (عاد إلى الواقع وتواضعت أحلامه نسبياً)، كان لها الدور الأساس في هذا التصعيد وفي استهداف القصير وما حولها لما تشكله من أهميةٍ في هذه الأقلمة، وفي مشروع دويلته المزعومة على السواء. فمعاركه في النصف الشرقي من سوريا ليست أكثر من معارك للحفاظ على ما تبقى له من ثكناتٍ ومحمياتٍ هناك، هدفها إعاقة وتأخير انتصار الثوار فقط وليس إعادة السيطرة على هذه المناطق، وذلك كي لا ينتقلوا بعد ذلك إلى الجبهات في القسم الغربي من سوريا، ومن ضمنه العاصمة دمشق. لهذه الأسباب ولأسباب تتعلق بإمكانية تدخل المجتمع الدولي وسعيه لفرض حلٍّ سياسي ما، خصوصاً بعد بوادر الارتدادات الضخمة للصراع على الإقليم، وتهديدها للأمن والسلم الدوليين، ولمصالح الكبار فيه، ومن ضمنها بالدرجة الأساس مصالح إسرائيل، من هنا يمكن فهم تصعيد النظام وحلفائه الإقليميين على جبهة القصير وكل الأراضي السورية، ومحاولاتهما تحقيق مكاسب على الأرض تخدم أهدافهما المذهبية الضيقة والبغيضة، وتسريعها من وتيرته في هذه الأوقات.

ما ذكرته قبلاً، لا يقلل على الإطلاق من أهمية ودور القصير الآن في الثورة، وفي خنق وتحطيم مشاريع حلف السفاح الإقليمية الطائفية، ولا من بطولات ثوارها وأهلها الأسطورية فهي لا تحتاج لشهادات من أحد. بل على العكس، فمن الضروري والواجب التأكيد على: أن لا تهاون أو تراخٍ في الدفاع عن كل شبرٍ من هذه الأرض الطيبة التي تعشعش في مخيلة وأحلام الحلف الإقليمي الطائفي وفي سلم أولوياتهم الآن، وأنه علينا الدفاع عن كل حبّة تراب فيها والتشبث بها بأسناننا لأهميتها ولأن الطاغية ومن خلال الوقائع المريرة علّمنا على الكيفية والهمجية والوحشية والبربرية التي يتعامل بها، مع أي منطقةٍ أو شارعٍ أو دارٍ أو شجرةٍ سوريةٍ خرجت عليه.

إنني من المعتقدين أن السفاح سيندحر على أبواب القصير وفي حاراتها، كما اندحر على أبواب داريا والمعضمية و…الخ، حتى ولو استعان بكل العالم. فعلى أرض القصير وبين بساتينها، ثوارٌ خبروا الأرض والواقع والسلاح وتمرسوا بالثورة منذ بداياتها، ومعهم ومن حواليهم حاضنةٌ اجتماعيةٌ واسعةٌ ومعطاءة، تقدم لهم وبغالبيتها الغالي والرخيص، وحتّى لو تقدمت هذه العصابات الغازية بضع خطواتٍ جغرافيةً بفعل الكثافة النيرانية والحشود الهائلة، لكن وفي النهاية سيُهزم السفّاح هناك، ليس وحده، وإنما حلفه الاقليمي الطائفي (حزب الله، العراقيين الأتراك،…الخ). ولا أبالغ إذا قلت أن ذلك سيكون بدايةً لانفراط هذا الحلف وتلاشي مخاطره عن كل المنطقة.
من أرض القصير هناك كانت شرارات التحرير الأولى، وعلى أرضها سيكون السقوط الأكبر لتهويمات وأحلام الطاغية بالدويلة وبحكم ولو شبرٍ واحدٍ من سوريا بعد الآن. لن تسقط منطقة القصير بل سيسقط الطاغية. فالثورة ليست معركةً على بلدةٍ أومنطقة. هي حرب كينونةٍ ووجود بين شعبٍ وسفاحٍ على كامل التراب السوري، وإن العبرة في الصيروة النهائية وفي الخواتيم لهذا الصراع، وليس في احتلال بلدةٍ أو منطقةٍ بقوة الحديد والنار. فعلى هذه الأرض (القصير) مايستحق الحياة.

برومو الشهيد ناجي الجرف