حنطة بلدية

سراقب بعد منتصف الليل … محمود باكير

سراقب بعد منتصف الليل
محمود باكير

(الإهداء  إلى قناديل الليل والشوارع  أبي.. محمد.. أبو طلعت.. عقبة .. عامر.. أسامة)
(النص عبارة عن معزوفة وتقاسيم على البزق من ثلاثة حركات، والمقامات فيها متداخلة، حيث يرتفع الإيقاع وينخفض.. هذا من طبيعة الحالة)
الحركة الأولى: المقام الكردي، سراقب بعد الواحدة ليلاً.
لم تنتهِ الحرب!!!! ونحن لم نمت بعد، وسراقب بعد الواحدة ليلاً للثوار، والمنهكين من الحب ورائحة الورد والليمون والمطر. العدو مازال يطلق حقده من جميع الجهات، ونسمع احتشاد خطاه على التلِّ والسفح. سيمتد ليلٌ ونوم على شبيحةٍ قتلى في الكمائن والمعسكرات التي أُعدَّت لقتلنا. سيمتد ليلٌ ونوم، وتعصف ريحٌ تلفح جباهنا الندية بالتعب، وتمتدُّ آثار خطواتنا الريفية إلى  كل المدن القريبة والبعيدة، حتى أن هنالك ذئبٌ سيأوي إلى أرواحنا بالوحشة، وقد ينام الحمام طويلاً طويلاً ينام الحمام.
في القبو الصغير والخطر نمضي خوفنا، نفتح نافذةً على الأهل فيما وراء الحدود. ونمد
اليد اليمنى للسلام عليهم للتواصل للكلام، ليس لي رغبةٌ في التباذؤ، فقد شفَّ قلبي قليلاً، انحنى خلسةً في ليلةٍ رقَّ فيها الخوف، وباغتَ زنبقةً تغفو ونجماً على الماء كان يطفو مرةً ثم يغفو، أنهكنا الجوع والشجن ورائحة المطر المستفذة. سراقب بعد الواحدة ليلا للجميع لكل أطفالها لكل عشاقها. كل أرغفة الخبز والبيوت كانت لنا كؤوس الشاي، السجائر، سيارات الإسعاف، ولا ندري هل ننام هنا؟ أم هل نموت هناك؟!
الحركة الثانية المقام العربي، سراقب بعد الثانية ليلا
للثوار والعشاق والمجانين الذين يحبون البقاء قرب موتهم بعد الثانية ليلاً، ونحن نأكل شندويشات (المرتديلا) على عجل، وسراقب لكل الذين ضيعوا أحلامهم مثل أرملةٍ ما ضيع الحزن كل فستقها الحلبي، ولا حليب اللوز من صدرها العاري، فكلوا واشربوا فوق هذا التراب، وفوق هذا الغياب كان المدى موتاً يمتد كالنهر، كالبحر يجمع دمع القرى وانكسارات المدن الخائفة وأغاني لم نُطِق كبحها عن الفقراء وهم يمضغون لأطفالهم الحكايا في السرير أو الكفن، ما لم تقله الأغاني عن السنونو والعاشقات، عن صباح المذابح فيما تبقى لهذا (الوطن)، وهذي السماء الماطرة وكل الخطى العابرة على جثة تقاطع فوق موتها مطرٌ من حنين، ورتلٌ فيه دبابةٌ وزهرة دفلى، وألف ألف قوادٍ ومومسٌ واحدة!! أمضيت عمري لأقنع كل ورود القرنفل بأني أحبها فقط، أحبها وقد أكون ابنها أو عاشقاً ضل الطريق، ولكن لم يبتعد، لم يبتعد أو يخُن، لا ولم ولن يخن أو يبتعد. ولكن يا أصدقائي غالباً ما يكون الأيل وحيداً يطحن الأغاني على شرفةٍ عاليةٍ عالية ويطعم (أطفاله) في أول الفجر جرح السؤال.

الحركة الثالثة  مقام الفجيعة، سراقب بعد الثالثة ليلا وقبل طلوع الضوء
أيضا لم تنتهِ الحرب، لكن هو الوقت يأخذ شكل الثياب المجعلكة بين قذيفتين، بين خرابين بين موتين كانت الأحصنة مقيدةً إلى موتها أما المطر فيأخذ المطر استراحة محارب هرمت أغانيه ولم ينسحب، ونحن كنا نرش على موتنا موجةً من الأغنيات التي ضاع أصحابها، وبعض سكرٍ وحفنةً من البنِّ والأسئلة، وحده (البزق) صوت المساء العالي، وحده صوت البزق كان يخترق الليل والطوائف والمذاهب وصراع الأمم، لايجيد المغني، والمغني نحن، ولكن الغناء يطيب كاحتمال مجزرةٍ لا بد منها، يطيب الغناء يطيب الغناء والدمع أيضاً، ونهرب نحو الطرق الجانبية لنمشي قرب زقاقٍ لم نعبره مسبقاً نقفز فوق ((حومةٍ)) من الفكر والأسى الليليّ، كانت البيوت الواطئة هي التي تحمي الفقراء أكثر، تحمينا وبين شهقتين نضحك من خوفنا، وننسى أن أقدامنا حافية، كان الطريق إلى بيت حبنا القديم، يمر عبر ياسمينةٍ ثم دفلى، ثم يأخذ شكل التفاتةٍ والكثير الكثير من القبل المستعجلة التي سقطت سهوا من حسابات الكروم والأودية، تحت جنازير دبابةٍ خائنة، أخذتنا للركام وفضت بكارة أحلامنا الخاملة وقطعت أعمارنا والدروب. هنا  سراقب، هنا مركز الموت، هنا قرب الثالثة ليلاً وقبل أن يطلع الضوء، لم يعد الليل سراً ولا أحد لا أحد، كانت سراقب أجمل منا جميعاً، ونحن أواه من هذه النحن، ونحن نشبه الغرباء أكثر، نرتعش، ترتعش يدها(سراقب) مثل دوريٍّ، مثل النهار القادم من أجلنا ولا أحد، لقد غادروا، نعم غادروا لعلهم في المحطات القريبة، لعلهم في السجن والزنازين، لعلهم في القبور البيض، وفي الخيام لعلهم لعلهم ولعلهم، لكهم قد غادروا، ونحن نشبه في الشوارع غربةً النار في بلدٍ من صقيع، صرخت في آخر الليل، آآآآخر الليل: اسمعوني اسمعوني..

 ولكن.. آه لقد غادوراااااا؟! سراقب الساعة الثالثة فجراً.

حنطة

اضف تعليق

اضغط هنا لإضافة تعليق

برومو الشهيد ناجي الجرف