حصيدة

المواطن المراسل ، الحدث بين الواقعية والمهنية … بشرى جود

المواطن المراسل .. الحدث بين الواقعية والمهنيةالمواطن المراسل .. الحدث بين الواقعية والمهنية - بشرى جود
خاص حنطة ـ بشرى جود

 

على امتداد انتفاضة الكرامة السورية التي عجت بالأحداث، منع النظام السوري أغلب وسائل الإعلام والصحفيين المستقليين من تغطية ما يجري في البلاد، لتبقى التغطية الأحادية النظرة على شاشات وإذاعات ومواقع وصحف النظام الرسمية، والممولة منه، مسوقةً لأفكار وآليات الحكومة السورية في تعاملها مع هذه الانتفاضة، ومقدمةً مطالب المنتفضين على أنها أجنداتٌ خارجيةٌ تمرر بمؤامرةٍ كونيةٍ لضرب استقرار سوريا، سوريا الحزب الواحد واللون الواحد والقائد الواحد الأحد!! أمام هذه الإمبراطورية الإعلامية الرسمية، ظهر في الطرف الآخر عشرات المجموعات الأهلية، حاولت إيصال جزءٍ مما يجري على الأرض للرأيين المحلي والأجنبي، عبر تقنياتٍ وأدواتٍ بسيطةٍ( كاميرا موبايل هنا، وكاميرا منزلية هناك) ترصد مظاهرةً أو انتهاكاً لتحمّله على الشبكة العنكبوتية، وتقدمه للجمهور عبر فضاءات الإنترنت، لتكون هذه المادة الإعلامية التي قدمها المواطن العادي بصفته مناصراً لقضية شعبه، هي المادة الإعلامية الإساسية في أغلب وكالات الانباء العربية والأجنبية، عن تجربة المواطن الصحفي حاولت مجلة حنطة دخول أجواء عمل عدد من الناشطين الاعلاميين السوريين لترصد هذه الظاهرة.

* عبد القادر حبق ناشط إعلامي من محافظة إدلب حدثنا عن تجربته كمواطن صحفي قائلاً:
كانت تجربةً رائعةً، ولكنها خطيرةٌ جداً، كنا دائماً في أرض المعركة نمارس عملنا كمراسلٍ مواطن، لم أكن كباقي أصدقائي، كنت أرى الحقيقة بأمِّ عيني، كنت أرى الدبابة وهي تقصف والعسكري وهو يطلق الرصاص على المواطنين، لم نكن أنا واصدقائي كالمراسلين الذين نراهم على شاشات التلفزيون ولكننا كنا نعمل مافي وسعنا كي نصل لمرحلة المراسل النصف محترف وليس المحترف، ولكي نوصل حقيقة الرصاص وحقيقة الألم، كان هذا هو الهدف فحسب .

* أما فراس من مدينة سلمية فكانت له تجربة خاصة كان المحرض لها ثورة الشعب التونسي.
فراس: كنت من متابعي ثورات الربيع العربي وكنت أهتم بالموضوع الإعلامي وبتغطية الحراك الشعبي وأتابعه بدقة. وعندما بدأت الثورة في سوريا. أحببت أن أعمل في المجال الإعلامي.
بدأت بالعمل بتاريخ 1\4\2011 بتصوير المظاهرات والمساعدة في إعداد بعض التقارير التلفزيونية، و بحكم أنني كنت أمتلك خبرةً على برنامج الفوتوشوب، عملت في طباعة المنشورات والملصقات وكتابة اللافتات. وعملت في موضوع توثيق أسماء المعتقلين والشهداء ولكن اهتمامي الأكبر كان بمجال التصوير.
كنت من مؤسسي صفحة عدسة شاب سلموني،وعملت مراسلاً ومصممً ضمن المكتب الإعلامي لمدينة سلمية، نقل الصورة و الصوت و الرائحة، نقل الحقيقة رغماً عن أنف الرصاصة، كان ذلك هو هاجسي الوحيد.

*  ثائر أحد أبناء حي الخالدية الحمصي تكلم عن تجربته في البث المباشر وتصوير المظاهرات في حيه المحاصر منذ حوالي السنتين:

ثائر: عندما اندلعت المظاهرات المناهضة لنظام بشار الأسد، كنت أذهب للمشاركة مع باقي شباب الحي حاملاً معي جوالي لكي أصوّر وأوثق المظاهرات، وأفراد المخابرات وهم يضربون المتظاهرين وخاصةً بالقرب من مسجد الصحابي الجليل خالد بن الوليد ومسجد النور، داخل حي الخالدية شاركت في العديد من المظاهرات والإعتصامات وكنت أثناء ذلك أقوم بتصويرها وتحويل المقاطع وإرسالها للقنوات، وأيضا البث المباشر، تطورت مجريات الثورة السورية وتطورت أدواتنا واستطعنا تطوير عملنا لتصوير القصف والإشتباكات بين أفراد الجيش السوري الحر وعصابات الأسد.
استطعنا تصوير الجرحى والشهداء، وتوثيق المجازر، بعد ذلك انشأنا مكتبنا الإعلامي داخل الحي لتنظيم عملنا مع باقي النشاطين في الحي، ونقل الأحداث والأخبار من داخل حمص، علماً أنني من بداية الثورة كنت قد تركت المنزل بعد أن علم النظام باسمي ونشاطي، لأعيش متنقلاً بين أحياء حمص كالوعر والقصور والخالدية والبياضة، إلى أن حاصرتنا قوات النظام داخل الأحياء المحاصرة بتاريخ 9-6-2012 حتى يومنا هذا، نعيش أياماً عصيبةً جداً بسبب الحصار الخانق، لقد فقدت العديد من أصدقائي وأقربائي خلال الثورة ولكننا ومع ذلك مستمرون في نضالنا حتى إسقاط النظام ونيل حريتنا التي خرجنا من أجلها إما النصر أو الشهادة بإذن الله.

  * محمد رحال حدثنا عن تطور استخدامه لأدوات الرصد الاعلامي في حي دير بعلبة الحمصي:
عندما بدأت المظاهرات في حمص كنا نقوم بالتصوير بالجوالات ذات الصورة الرديئة لعدم توافر الكاميرات والمعدات اللازمة، الأمر الذي فرضته علينا بساطة إمكانياتنا خلال الأشهر الأولى للثورة، ومن ثم بدأنا بتجميع أنفسنا كناشطين إعلامين أو كمواطنين إعلامين، وبدأنا بوضع خططٍ لعملنا والانتقال من حالة الفوضى في العمل إلى التنظيم وتقسيم الأدوار في مجال الإعلام حسب خبرة كل شخص في مجال عمله.
وعن تجربتي أقول: كنت أقوم بتصوير المظاهرات في دير بعلبة بحمص بنفس كاميرات الجوال، ومن بعد إجتماعي مع نشطاء في الثورة لتنظيم العمل استطعت الحصول على كاميرا تفي بالغرض الإعلامي، لم تكن طبعاً كاميرا إحترافية، وبعد إنتهاء المظاهرات في حمص بسبب الوضع العسكري الذي تواجهه المحافظة، إنتقلت إلى عمل التقارير التلفزيونية للحي وطبعا كان هذا الشيء بعد محاولتي تطوير خبراتي بالعمل على برامج المونتاج، حاولت تصوير الأوضاع الميدانية في ديربعلبة (القصف- الدمار- الشهداء- الأوضاع الإنسانية للمدنيين- وظروف العيش) بالإضافة إلى تصوير عمليات لكتائب الجيش الحر في نفس الحي.

* لم يقتصر عمل المواطن الصحفي على الرجال حيث أخبرتنا الناشطة الدمشقية سارة منصور عن تجربتها:

لم أكن أعلم مع بداية الثورة في سوريا، ماذا يمكنني أن أعمل؟

عملي كمصممة إعلانات ومديرة مواقع إنترنت، جعل اهتمامي بالثورة وقفاً على الإنترنت، والمساهمة في نشر الأخبار والمعلومات، هوايتي بالتصوير والعمل الصحفي هي ما دفعني للبحث عن فرصةٍ للعمل كمراسلة، بدأت بالتصوير من شرفة منزلي ونشر مشاهداتي أثناء تنقلي في أحياء دمشق، حيث أني كنت أقطن في أحد الأحياء المشاركة في الثورة، خرجت من سوريا منذ شهر تقريباً، قبل خروجي كان أكبر خطر يواجهنا في دمشق هو خطر الاعتقال، كان المرور على الحواجز وفي حوزتك كاميرا ضربٌ من الجنون، ونتائجه معروفة.

* أما أيهم داغستاني فيرى أن تجربة المواطن المراسل في سوريا ستكون مدرسةً لأجيالٍ إعلاميةٍ قادمة:

تعيش سوريا تجربةً جديدةً بعد بدء الحراك الشعبي، جديرةً بالتبجيل والتسجيل، وتعتبر مدرسةً لأجيالٍ قادمة. أحد هذه التجارب كانت تجربة مواطن \ مراسل كما يسميها كثيرٌ من الاختصاصين. تجربةُ حققت ما لم تحققه وسائل الإعلام كافةً خلال العقود الماضية . واستخدمته أنا والكثير من الشباب السوري لأنه البديل الوحيد والحقيقي عن صحافة وسائل الإعلام المتخصصة.

أهم ميزات المواطن المراسل _وقد عشت هذه التجربة_ أني لا أحتاج إلى شهادةٍ في الصحافة، أو أن انتمي لمؤسسةٍ أو منظومةٍ إعلامية، ولا أحتاج سوى هاتفي الجوال لأتوجه إلى موقع الحدث وأقتنص الخبر وأقوم بالتصوير، أرتب المقاطع التي حصلت عليها ولا يتبقى سوى إرسالها عبر الانترنت لأتحول إلى صحفيٍ ولو كنت أسمى هاوياً، طالما استطعت بث الحقيقة كما رأتها عدستي كيف ما كانت.

أفضل ما في هذه التجربة أنها تؤدي إلى تفاعلٍ كبيرٍ من جميع أنحاء العالم، بالإضافة إلى توثيق الرؤى المختلفة بعدة أشكال.

أثبتت هذه التجربة، أن الإنسان هو الذي يحدث التغير، وهو الذي يعيّن سقف الحريات، وهو صانع القرار.

* وعن ضروة تأهيل بعض الناشطسن الاعلاميين تقول الصحفية فرح ناصيف:

الكثير من الناشطين الصحفيين لعبوا دوراً وقدموا جهداً متميزاً في سبيل إيصال المعلومة خصوصا في أشهر الثورة الأولى، وبالطبع البعض أظهر تميزاً في العمل الإعلامي على الرغم من عدم إلمامه بالصحافة مسبقاً، لكن البعض منهم بدأ يضيّق على الصحفي ويعتبر نفسة مصدراً للمعلومات وتجاوز آداب الصحافة، أقترح تأهيل المتميزين منهم وأن يعملوا وفق أخلاقيات العمل الصحفي.

* نورا جيزاوي مدربة تقنيات صحفية كان لها عدد من الملاحظات حيث حدثتنا عن تجربتها قائلة:
إنها الحالة القدرية حين تجد نفسك أمام حدثٍ تعيشه، يهز كيانك ولا عين تلقطه وتري العالم أية ثورةٍ أنت في نعيمها، وأي قمعٍ أنت في جحيمه. ليست بندقيتك التي تشق درب الخلاص، ولكن عدسة جوالك المتواضع وصوتك المرتجف لهفةً لنقل أكبر قدرٍ ممكن من المعلومات، وكلماتك المبعثرة التي تحاول أن تقدم نصاً كاملاً يحاول نقل ما يراق من الدماء.

بمجرد انتهائك تلجأ إلى أحد المقربين تسأله، كيف كان أداؤك؟ لتجد أنه وبدوره كان قد سجل بعض الملاحظات.
تضعها نصب عينيك، و تبدأ البحث فيها، وتسعى إلى ردم الثغرات في أدائك هنا وهنا،
تقرأ وتنصت للآخرين، تجتهد عسى أن تتبلور لديك رؤيةٌ أوسع للحدث، وبالفعل بعد أن كنت تنقل ما يحدث، تجد نفسك وقد صرت أحد أبعاده.
و تظل تسعى، فأمام هذا الجحيم لا شيء إلا صوتك و عدسة كاميرتك.

برومو الشهيد ناجي الجرف