حصيدة

مخيم يحاصر الحصار وجبهة “شعبية”

مخيم يحاصر الحصار وجبهة “شعبية”- أحمد عيساوي

999510_10203166890592013_1709320198_n

 

ألى أنس عمارة وحسان حسان

مع كل صاروخ غراد يسقط على فرن, أو مشفى أو حي سكني يقطنه مدنيون, مع كل ورقة نعوة تلصق على جدار في المخيم, مع كل نقطة دم ينزفها فلسطيني قنصا او تعذيبا او قصفا.. تزداد القطيعة بين أهل الشتات الفلسطيني وكل إطار فصائلي أو رسمي, وتَكتب التغريبة الفلسطينية, مصحوبةً هذه المرة بمرارةٍ سورية, فصلا جديدا من الخذلان يضاف إلى الرصيد الكبير الذي خبره اللاجئون منذ نكبة 48.

مرت أشهر عديدة ومخيم اليرموك -قلب دمشق الجنوبي- يتعرض لحصار خانق من القوات النظامية, بحيث يستحيل إدخال المواد الغذائية والصحية الى العائلات التي لم تغادر المخيم, وبات الأمر مأساويا لدرجة دفعت بعض رجال الدين إلى استصدار فتوى تبيح أكل لحم القطط والكلاب.
الصور والتسجيلات القادمة من أحياء دمشق الجنوبية عن أطفال ماتوا من الجوع ومسنين قضوا بسبب عدم توفّر أدوية السكري والضغط وأمراض القلب, لا تعبّر إلا عن وضاعة الفصائل الفلسطينية ودناءتها في ظل تعاطيها إما بالصمت المطلق أو بأصوات الشواذ الداعمة لنظام الطاغية.

يهمني اليوم أن أعرّج قليلا على موقف (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين), باعتبارها الفصيل الأكثر تمثيلا لليسار الفلسطيني, وفي ضوء تعامل قيادة الجبهة مع محازبيها أولا ثم مع الفلسطينيين بشكل عام. لا بد من التأكيد على أنّ المشكلة التي يعانيها اليسار العربي بشكل عام هي ذاتها معضلة (الشعبية) التي تخلت عن العنوان العريض الذي قامت من أجله. أليست (الشعبية) من حمل شعار الترابط العضوي بين النضال الوطني والنضال الطبقي؟ أليست (الشعبية) من رفع الدعوة إلى تحرير العواصم العربية من حكامها المستبدين من أجل تحرير فلسطين؟ أليست الجبهة من قال بالتضامن الأممي, بحيث يعتبر نضال الشعب الفلسطيني جزءا مكملا لكل نضالات الشعوب من أجل الحرية والكرامة والعدالة الإجتماعية؟ (المادة العاشرة من النظام الداخلي للجبهة).
سيخرج البعض بعد قراءة هذه السطور ليقول بشكل صريح: الجبهة تناضل من أجل كرامة وحرية الشعب السوري عندما تتوفر الأطر الديمقراطية والتقدمية لهذا النضال. وهذا القول فيه سفاهة تفوق كلام الجبهويين المؤيدين لبراميل الـ TNT وصواريخ السكود والقنابل الفراغية وأعمال القتل والتعذيب الممنهجة في أقبية المخابرات.
الثورة ليست نظيفة ولا نقية وفيها ما فيها من متسلقين ومستبدين جدد وخارجين عن استبداد قومجي شعاراتي إلى آخر ديني ممنهج ومعلّب بالشكل الذي يمنع أي فرز علماني, ديمقراطي أو إسلامي متصالح مع الهوية الوطنية التعددية للشعب السوري.
وليس مطلوبا من (الشعبية) بقيادتها أن تقف مع الثورة, لكن أقل المأمول من حزب يدّعي انحيازه للطبقات الشعبية وللمفقرين من سياسات النهب المافياوية لشاليش ومخلوف, أن تأخذ موقفا مبدئيا, موقفا يحمي المخيمات وناسها ويجنّبها معارك لا قدرة فيها للفلسطيني على تحمل مسؤولياتها.
يرى البعض في الصمت سبيلا لتحييد اليرموك عن القصف والتدمير, ويرى البعض الآخر في تأييد النظام انتصارا للمقاومة وفلسطين. هذان الموقفان عبّرا بشكل كبير عن (الشعبية) وقيادتها, وحتى بعض محازبيها (خاصة داخل فلسطين المحتلة), فيما ارتأى الرفاق في سوريا التحدي والثورة على قيادة لم تبتعد عن موقف (فتح) التي خذلت ناشطيها الشباب, وباعت ضميرها لقاء بعض التلزيمات الإدارية في هذا الإقليم وذاك (تصريحات ولقاء عباس زكي بالرئيس السوري لاقَيا سخطا كبيرا من فتحاويي سوريا, خاصة نشطاء العمل الإغاثي في المخيمات).

العار, أن يخرج على شاشات التلفزة مناضلون من طراز ليلى خالد ليبرروا قصف مخيم اليرموك بحجة وجود “أفغان” يسعون للسيطرة عليه. العار أن يتم طرد رفاق من الجبهة الشعبية بعد اعتقالهم, ويتم تجميد عضويتهم بعد التأكد من مشاركتهم في نشاطات داعمة لحراك السوريين (وهنا أتحدث عن مظاهرات سِلمية تماماً), العار أن تتخذ الشعبية خطوات تأديبية بحق رفاق شاركوا في مسيرة النكبة في أيار- مايو 2011 وعادوا الى مخيمهم وخرجوا يوم الجمعة ليهتفوا ضد نظام استغلهم وزايد وساوم على دمائهم. من المهانة أن يُستدعى الرفيق الشهيد حسان حسان -الذي قضى تعذيبا في فرع فلسطين, فرع الأمن الذي يحمل اسم القضية التي يحملها نظام الطاغية شماعة منذ عقود أربعة- وتجمّد عضويته, فيقدم استقالته, والسبب هتافه بعد مسيرة النكبة “يا ماهر ويا جبان روح تمرجل بالجولان”.
تخجل الجبهة الشعبية أن تزف شهداءها الذين يسقطون في سجون النظام أو يقتلون باعمال القصف, لم تشر -ولا ببيان نعوة حتى- إلى الرفيق أنس عمارة الذي انتسب للتنظيم وعمل فيه اكثر من عشر سنوات, وحدث الأمر نفسه مع حسان حسان (فصلته الجبهة سنة 2010 لأسباب تتعلق بالسلوكيات والآداب) ومع الشهيد عامر أبو ليلى الذي استشهد في 13 آذار 2013 (وهو كان ترك التنظيم قبل الثورة بفترة وجيزة).
سؤال مشروع يطرحه جبهويون: لماذا لا تبادر الجبهة إلى إعداد ملف للمطالبة بحرية معتقليها الذين ما زالوا يمارسون عملهم الحزبي, وقرروا المشاركة بأعمال الإغاثة (الإسعاف والطبابة وتأمين المواد الغذائية)؟

لماذا لا تطالب الجبهة بحرية حسام موعد, المعتقل للمرة الثانية, منذ سنة تقريبا وهو ناشط في صفوف الجبهة؟
مثال حي على “تطنيش” الجبهة لمحازبيها, الرفيق أحمد جليل (من خان الشيح) معتقل منذ منتصف شهر حزيران 2013، كان عضو رابطة ثم خلية، وبقي محسوبا على الجبهة ، اعتقل من حاجز اللواء 68 بخان الشيح، وهو طالب كيمياء من مواليد 1988.

قال لي الشهيد أنس عمارة ذات مرة: “الجبهة خذلتنا وخذلت تاريخها قبل كل شيء, انظر رفاقنا في المعتقلات. القيادة لم تحرك ساكنا, لم تصدر بيانا يدين اعتقال الرفاق, حسام خالد موعد, وأحمد مرعي مصلح, وعلي وبشار مصلح (..) أنا جبهاوي خارج التنظيم اليوم, وفلسطينيتي دليلي إلى سوريتي, فلسطينيتنا هوية سوريا الوطنية”.

لقد أطاحت الثورة السورية بكل بديهيات الفكر الكلاسيكي, ولم يعد الجبهويون في سوريا بحاجة إلى الكراسات الماركسية والمؤتمرات الداخلية لتكثيف الوعي واتخاذ القرارات “الحكيمة” في ما يتعلق بالسوريين والمخيمات والعمل الإنساني التطوعي. كثافة الدماء الفلسطينية- السورية, تكفي لتدليل المعنى إلى حيث ذهب حسان حسان وأنس عمارة وغيرهم من الفلسطينيين كخالد بكراوي وأحمد كوسى وجعفر محمد وأيمن جودة ومحمد طه وشحادة الشهابي ومنير الخطيب وغسان الشهابي و..
هؤلاء لم يكونوا لا “أفغاناً” ولا “شيشاناً” ولا مرتزقةَ أنظمةٍ رجعية تناصب نظام الممانعة العداء الضمني”, هؤلاء كتبوا اليوم تاريخا ناصعا للمخيمات وأسسوا من جديد لشراكة الدم ووحدته في معركته الأنبل ضد الاستبداد, الذي لم ولن يخدم إلا الاحتلال.

ما الذي يمكن أن يقال أيضاً؟ تحية خاصة لكل شباب الجبهة الشعبية الذين اختاروا شعبهم وفضلوا (إنسانهم) على (قيادتهم), تحية للرفاق الذين قدموا استقالاتهم احتجاجا على خذلان مستمر, تحية للذين جُمدت عضويتهم بسبب اعتقال أو نشاط ميداني. والتحية الأكبر للشهداء الذين تبرأ التنظيم من دمائهم, وللمناضلين المستمرين في المخيمات وخارجها في سوريا.. لهؤلاء التحية والخلود.

برومو الشهيد ناجي الجرف