حصيدة

قتل.. تهجير.. اختطاف بانوراما الصحفيين في سوريا.. وتحريرٌ لم يؤتِ ثماره بعد

قتل.. تهجير.. اختطاف بانوراما الصحفيين في سوريا.. وتحريرٌ لم يؤتِ ثماره بعد  –  عابد ملحم

 

قتل.. تهجير.. اختطاف بانوراما الصحفيين في سوريا.. وتحريرٌ لم يؤتِ ثماره بعد
قتل.. تهجير.. اختطاف بانوراما الصحفيين في سوريا.. وتحريرٌ لم يؤتِ ثماره بعد

شكّل اختطاف الصحفيين والإعلاميين في الأشهر الأخيرة في سوريا ظاهرةً انشغلت بها وسائلُ الإعلام، والمنظمات الدولية وحقوق الإنسان، إذ كان لها قصب السبق في التنامي في بلدٍ يشهد صراعاً بدأ ينحدر نحو ما يمكن أن يسمى حرباً أهلية.
وتدخلت الظروف التي تعيشها سوريا من فوضى عارمة ودخول أطراف عديدة في الصراع السوري ذات أيديولوجيات مختلفة، لتكون عاملاً مساعداً لتنامي تلك الظاهرة.
ووثّقت المنظمات الدولية وعلى رأسها منظمة «مراسلون بلا حدود» 71 صُحفياً قتلوا في العام 2013 خلال ممارسة أعمالهم، كما سجلت المنظمة زيادة كبيرة في عدد الصحفيين الذين تعرضوا للخطف من 38 في العام 2012، إلى 87 في العام 2013 والنسبة الساحقة لعمليات الخطف تمت في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث خطف في سوريا لوحدها 49 صحفياً.
قبل عامين..
مع بداية دخول العام 2012 بدأت كتائب الجيش الحر الذي كان عددهُ في تكاثر مستمر آنذاك، بتحرير أجزاء واسعة من الأرض السورية، لتصل مع نهاية العام إلى وقوع محافظات كاملة  بأيدي المنتفضين ضد النظام السوري والمطالبين بسقوطه.
في ذلك الحين كانت وسائل الإعلام تُمنع غالباً -وخاصة تلك التي تواكب بشكل كثيف الحدث السوري- من الحصول على تصريح من وزارة الإعلام السورية للعمل داخل الأرض السورية وتغطية المعارك الدائرة هناك، وذلك لعدة أسباب، أهمها محاولة النظام السوري ضبط الحركة الإعلامية العربية والعالمية من خلال احتكار مصادر المعلومات، وعدم إفشاء المعلومات عن المعارك الدائرة.
التكنولوجيا الحديثة استطاعت ومنذ اليوم الأول خرق ذلك المنع لتصبح القنوات الفضائية ووسائل الإعلام العالمية وكبريات الوكالات تحظى بعشرات المصادر من داخل الأرض وثقت بعدسات الموبايل، ولاحقاً بكاميرات احترافية ما كان يحدث، لتأتي نظرية الأراضي المحررة لتحل المعضلة بشكل كامل، فاستطاع مئات الصحفيين ووسائل الإعلام الدخول إلى سوريا عبر الحدود التركية والتي أصحبت معابرها إلى الداخل بيد الجيش الحر.
وفي مدن كحلب والرقة، والتي شُكّلت فيها منظومات شبه حكومية تابعة للمعارضة تارة، وأخرى لفصائل تحمل مشروعاً إسلامياً، فظهرت في البداية ظاهرة الـ «فيكسر» وهو مصطلح يدل على الشخص الذي يقوم باستقبال الصحفي الأجنبي، وتولي مهمة الترجمة له، وتوفير مصادر المعلومات، وأيضاً إتاحة الفرصة له للتحدث مع قادة عسكريين وزيارة جبهات ساخنة، وأيضاً تأمين الإقامة والاتصال بالإنترنت (عبر جهاز بث فضائي غالباً) مقابل مبالغ مالية.
وبدأت تلك الظاهرة بالانتشار بشكل كبير في العديد من المدن السورية لا سيما في الرقة أوّلِ محافظة محررةٍ بالكامل، وإن كانت حلب قد سبقتها بأشواط في هذه المجال.
لم تكن الفصائل العسكرية آنذاك تكترث للإعلاميين والصحفيين القادمين، وكان التساهل معهم حاضراً بشكل دائم، الأمر الذي باغت قادة تلك الفصائل، فدخل عشرات الجواسيس لأجهزة استخبارات عديدة، بصفة صحفي، وتسبّب ذلك غالباً بإفشاء العديد من المعلومات والصور، لتلك الأجهزة وتسريبها لاحقاً لوسائل الإعلام الغربية، لأمرٌ اعتبره الناشطون على الأرض تشويهاً للثورة وصورة المقاتلين.
خرجت مئات التقارير والأفلام الوثائقية والصور التي تحكي الوضع السوري، وتصدرت الصور صفحات وسائل الإعلام الغربي في شكل بدا أنه تعاطف مع الثورة والثوار إلا أن ما حدث بعد ذلك غيّر الكثير..
التحوّل..
بدأت مظاهرة «الأسلمة» تظهر على الكتائب المقاتلة لقوات النظام، وإن كانت موجودةً منذ البدء إلا أنها كانت خجولة، خاصة إلى جهة تطبيق النصوص الدينية أو ما يعرف بالشريعة الإسلامية.
ومع دخول العام 2013، وانفراط عقد جبهة النصرة، إثر مبايعة «الجولاني» لـ زعيم تنظيم القاعدة «أيمن الظواهري»، ظهر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، والذي أظهر تشدّده منذ البداية، فكان حاسماً مع وسائل الإعلام، وخاصة الأمريكية منها، ولما تشكّله مفردة «أمريكا» لمقاتليه، فقد تعرّض الصحفيون الأمريكان إلى أكبر موجة من الاختطاف وذبح لاحقاً، وبقي عشرات منهم حتى اليوم مجهولي المصير كالصحفي «ستيفان ستولوف» الذي استقبله أحد «الفيكسرية» من الحدود السورية التركية قادماً به إلى حلب، فخطف الاثنان، ليفرج عن الأول ويبقى الثاني بمصير مجهول.
أمني في تنظيم الدولة: الصحافة هي قلب الحق باطلاً، والباطل إلى حق!
العبارة أعلاه، جملة أطلقها أحد القادة الأمنيين في تنظيم الدولة، عندما سمع بأني صحفي أثناء تعريف صديق مشترك بيني وبينه..
تعميم ذلك المفهوم على باقي أفراد التنظيم وأيديولوجيته، أمر واقع، وإذا ما أضفنا جنسية الصحفي، أمريكياً كان أو غير ذلك، فهو بنظر التنظيم إمّا جاسوس، أو مجرّد كافر يوجب قتاله.
ومن ذلك المنطلق بدأت حملة خطف الصحفيين تزداد باطراد مع تزايد نفوذ تنظيم الدولة ومساحة الأراضي الواقعة تحت نفوذه.
أنكر التنظيم مراراً قيامه بخطف الصحفيين والنشطاء الإعلاميين في الداخل، وذلك بعد تدخّل أصحاب نفوذ عسكريين وأمنيين للإفراج عن بعض المعتقلين، ولعلّ أبرز تلك الحوادث ما حدث مع الإعلامي «عبد الوهاب ملّا» عندما أُعلن عن اختطافه، وبحكم معارف «الملا» الكُثر في صفوف الجيش الحر والفصائل الأخرى، فإنّ أحداً لم يتمكّن من الوصول إلى سحب اعتراف من التنظيم بأنه المسؤول عن اختطافه.
ما حدث مع الملّا حدث مع كثر غيره، كـ «عبيدة بطل» مراسل تلفزيون أورينت واثنين من فريق البث المباشر، تكرر مرات عدة بعد ذلك مع آخرين كـ «أحمد بريمو» الصحفي والناشط في مجال الإغاثة، وأيضاً مع «مؤيد سلوم» مراسل تلفزيون أورينت، بل حتى أن التنظيم أصدر مرةً بياناً يتعهد فيه بالبحث عن هؤلاء المختطفين.
محمد سعيد.. رحيلٌ يؤسّس لاتحاد إعلاميين في الدخل..
ألهب اغتيالُ محمد سعيد مراسل قناة العربية، في قريته «حريتان» بريف حلب بثلاث رصاصات في الرأس من مسدس كاتم للصوت، أثناء وجوده عند الحلاق، مشاعر الحنق والغضب لدى إعلاميي حلب، والذين هم في الغالب نشطاء إعلاميون غير متخصصين (دخلوا المجال أثناء الثورة) ليقوم فيما بعد «عبد الوهاب ملا» وعدد من أصدقاء السعيد باجتماع سريع لإبداء موقف ما مما يحدث، فاجتمع حوالي 200 إعلامي في خطوة مفاجئة للجميع حيث نوقشت ظروف رحيل «السعيد» وطرح اسم تنظيم الدولة لأول مرة خاصة بعد ظهور منشور لإحدى الصفحات التابعة للدولة يقول بأنه «تم كتم انفاس مرتد يعمل لدى قناة العربية».
وقبل ذلك بستة أشهر عكف عدد من الإعلاميين على تأسيس اتحاد يضم الإعلاميين في حلب ليكون نواة لاتحاد شامل في جميع أنحاء سوريا، إلا أن المشروع قيّض له أن يندثر لعدم توافر الإمكانات، الأمر الذي جعل هذا المشروع يعود ليحيى من جديد.
أربعة أيام من موت السعيد قضاها الإعلاميون في حلب بورشة عمل دائمة، خلصت إلى الإعلان عن الاتحاد، الذي لم يلبث أن كوّن لجانه الثلاث (الحريات، التفاوض، التنظيم)، حتى خُطف أحد أعضائه (مؤيد سلوم) مراسل قناة أورينت، تبعهُ فوراً أبرز الداعين لإنشاء الاتحاد (عبد الوهاب ملا)، لينفرط العقد ويصل الاختطاف لـ «أحمد بريمو»، ولؤي أبو الجود مراسل العربية أيضاً، ولتصل تهديدات عدة لكافة أعضاء اللجان التحضرية في الاتحاد.
انفرط عقد الاتحاد ولم يستطع إكمال المسيرة، وتعرض مكتب فريق «جمع» الإعلامي للمداهمة بحثاً عن «رأفت الرفاعي» مراسل قناة أورينت، وخُطف أربعة من مكتب قناة شدا الحرية عرف أنهم أعدموا لاحقاً عقب تحرير مقرات التنظيم من قبل جيش المجاهدين.
فراغ إعلامي سبّبته «الهجرة».. واستهداف متزامن لمقرات إعلامية..
هاجر العشرات من الصحفيين والنشطاء الإعلاميين من الداخل السوري عقب تسارع وتيرة الاختطاف والتصفية، ووصل إلى مدينة «عنتاب» التركية وحدها أكثر من 50 ناشطاً إعلامياً، فضلاً عن الصحفيين المتخصصين.
وتوقفت حركة الصحافة الأجنبية بشكل كامل إلى الداخل السوري، وبات الصحفيون الأجانب يكتفون بالوصول إلى «عنتاب» التركية وفي أحسن الأحوال إلى الحدود السورية التركية ويمارسون عملهم من هناك.
في هذه الأثناء تعرض أكثر من مقر إعلامي لقصف غير مسبوق من قبل طيران الجيش السوري، فمثلاً قصف مقر «مركز حلب الإعلامي» لأول مرة، كما طال قصف شبكة «حلب نيوز» الإخبارية، علماً أنهما لم يتعرضا للقصف قبل ذلك أبداً.

التحرير..
وفي عقب الأحداث الأخيرة التي شهدتها المناطق الشمالية من سوريا، تمكنت الجبهة الإسلامية وجيش المجاهدين، وجبهة ثوارسوريا، من تحرير أجزاء واسعة من المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام.
وأدى ذلك بشكل روتيني إلى تحرير الأسرى، فمثلاً حُرر في مقر التنظيم في مدينة حلب لوحدها حوالي 300 سجين، بينهم كان الصحفي «أحمد بريمو» و الإعلامي «ميلاد شهابي»، فيما وجدت جثث أربعة إعلاميين وهم إعلاميو قناة شدا الحرية، حيث تم إعدامهم مع 30 آخرين قبل انسحاب التنظيم من المقر.
وبقي مصير العديد من الصحفيين مجهولاً رغم محاولات البحث المكثفة عنهم، مع بقاء احتمال إعدامهم من قبل التنظيم.
في سوريا، لم يجد الصحفيون السوريون وحتى الأجانب مكاناً يستطيعون القيام فيه بعملهم على أكمل وجه، فكل منطقة ولها قوانينها، فإذا قرر الصحفي الدخول إلى المناطق المحررة سيكون مؤدلجاً لما تمليه عليه الفصائل المقاتلة، فضلاً عن احتمال تعرضه لسوء من قبل التكفيريين، أما إن استطاع الحصول على تصريح رسمي من وزارة الإعلام، فسيكون ملزماً بالمسير جنباً إلى جنب مع عناصر الجيش السوري أيضاً ومن خلفه وأمامه إيعازات العسكر وما يجب أن يصور وما لا يجب أن يصور.

برومو الشهيد ناجي الجرف