حصيدة

أطفال تل أبيض، حين انتصر البؤس

أطفال تل أبيض، حين انتصر البؤس

الرقة – خليل سليمان

 

أطفال تل أبيض، حين انتصر البؤس
أطفال تل أبيض، حين انتصر البؤس

حالة من الفوضى وانعدام المعايير الضابطة للعمل وظروفه على البوابة الحدودية التي تفصل الأراضي السورية عن التركية، في مدينة تل أبيض التابعة لمحافظة الرقة.
يصل عدد الأطفال والشباب متوسطين العمر الذين يعملون على البوابة الحدودية السورية التركية في مدينة تل ابيض ما بين 50 إلى 60 يومياً، غالبيتهم من الأطفال، حسب مسؤولين على المعبر.
تجولنا عند المعبر، سيارات وذاهبون وعائدون واكتظاظ بالبشر والمواد والصراخ.
لاحظنا فعلاً كثرة الأطفال، أطفال يبيعون، يصيحون على بضاعتهم، وآخرون يعملون حمالين على المعبر، وهناك من يبيع سندويشات وأطعمةً{ وهناك من يعمل أي شيء: يقف الطفل أو المراهق، وينتظر من يحتاج مساعدة في نقل شيء أو تسيير أوراق أو أشياء من هذا القبيل، مقابل مبلغ من المال يتفق عليه.
عند سؤال أحد الأطفال، اسمه علي، قال إنه يبلغ من العمر 12 عاماً.
قلنا له لماذا أنت هنا، فأجاب بصوت عملي وبلا مبالغات، وكأنه اعتاد هذا النوع من الأسئلة: هذا مصدر رزقي، أنا أعيش من عملي هنا. ستقول لي لماذا لست في المدرسة. المدرسة «ما بتطعمي خبز..».
شرح لنا علي أنه يأتي إلى المعبر منذ الصباح الباكر، وأنه يعمل حتى وقت متأخر جداً من النهار. علي يرعى أسرة مؤلفة من عشرة أشخاص. «أمي مريضة وأبي كذلك. إنه يعاني من أمراض رئوية، لم يجبرني أحد على ترك المدرسة، ظروف الحياة الصعبة هي التي أوصلتني إلى هذا المكان. كنت أرغب فعلاً أنا أكمل تعليمي وأصبح محامياً، كان هذا حلم أمي وحلمي أيضاً..».
يكسب علي يوميا بين 1500 إلى 2000 ليرة سورية. يتوقف ذلك على أيام دوام البوابة، لكن العمل مجهد وفوق طاقة طفل في عمر علي.
«بالأخير أنا مجبور.. عندك حل تاني؟».
ابراهيم أيضا طفل يعمل على بوابة المعبر، يتيم الأب، أخبرنا ابراهيم أنه ينبغي أن يكون في الصف الخامس الآن، لكنه تابع: «المدرسه لأهلها.. إذا أنا ما اشتغلت أهلي يشحدو حق الخبز، باليوم اطالع 1000 أو 1500 أحسن من ألف مدرسة، وراي أيتام بدهم يعيشون، والله بيعوضني بأحسن من المدرسة، الله كريم».
الأمل المشوب بالقهر والغبن، هذه النفوس الصغيرة التي يطحنها واقع الحرب في سوريا، تحاول جاهدة المقاومة والمواصلة. كل الأطفال انتقدوا أسئلتنا بشكل غير مباشر وبذكاء. دائماً كان السؤال «ألديك حل آخر؟» حاضراً. يتعلم هؤلاء الصغار الواقعية باكراً باكراً، ينسون كيف يحلمون ويتعلمون فقط كيف يصارعون الحياة من أجل اللقمة.
مصطفى يبلغ من العمر 10 سنوات، نازح من ريف مدينة حلب، أخبرنا أيضاً أنه لم يذهب للمدرسة منذ عامين.
«بالأول لأنو كنا نقول لا دراسة ولا تدريس حتى يسقط الرئيس، بعدين ما عاد في مدرسة لأنو انقصفت..»، وتابع قائلاً: «هنا نترزق ونكسب المال ونعين أهلنا، لا يمكن التوفيق بين المدرسة والعمل، لذلك أفضّل لقمة الخبز على الدفتر والقلم، التعليم ضروري لكن الحياة لا تستمر بدون أن نأكل».
اسماعيل قصة فريدة أخرى بين حالات أطفال ومراهقي معبر تل أبيض، يبلغ من العمر 18 عاماً، اسماعيل يعيل إخوته في غياب الأب والأم.
«ليس من الضروري أن يدرس كل أفراد العائلة،أنا أعمل هنا منذ الصباح الباكر حتى المساء. أذهب إلى البيت بعد أن أقوم بشراء بعض الاحتياحات، فنحن عائلة بلا أب ولا أم، لدي أخت أكبر مني وثلاثة إخوة صغار، لذلك أقوم مع مجموعة من أصدقائي بالعمل ليلاً. في الليل نعمل بالتهريب، أحيانا أكسب في اليوم 5000 ليرة وحينها أكون سعيداً.
خالد وحسن ومصطفى، إخوة بأعمار متقاربة. يقول خالد وهو الأخ الأكبر ويبلغ من العمر 14 عاماً: «بعد أن تركنا أبي اضطررنا للعمل، نعيل أمي وأختاً تبلغ من العمر ست سنوات».
مطصفى الأصغر بين الثلاثة هو الوحيد الذي يذهب إلى المدرسة. «أحيانا» على حد تعبيره، وليس دائماُ، فالعمل أهم.
«نبعثه للمدرسة كي لا ينسى القراءة والكتابة، وبمعدل وسطي نكسب يوميا حوالي 4000 ليرة، ذليتنا يا بشار الله لا يوفقك» يقول الأخ الأكبر.
مشهد البوابة الحدودية، وهو يزدحم برجال الضرورة هؤلاء، يعكس صورة مصغرة عن واقع أطفال سوريا اليوم، فوضى وانتهاك مستمر لطفولتهم، يعلق بعض المارين بالمعبر أن كثيرين من الأطفال يمتهنون السرقة أو التهريب، وأنهم يبدون كأنما ليس لديهم أهل، لكن حتى هؤلاء المتذمرون كانوا متعاطفين مع الأطفال، الكل هنا على ما يبدو، يعلم تماما الظروف التي ساقتهم إلى هنا.
التفكير في حلول عاجلة لأطفال سوريا، لا يمكن إلا أن يكون جزءاً رئيسياً من أي خطة دولية لحل النزاع في البلاد،وفي ظل غياب الحكومة السورية المؤقتة عن احتياجات الداخل، وعدم وجود أي جهة ترعى هؤلاء الأطفال وتتولى أمر إعادتهم إلى شرط الحد الأدنى للطفل من مسكن ومأكل وتعليم لائق وحماية، لا يبدو أبداً أن شيئاً من هذا قريب، لكن أقل الممكن أن لا يسكت إعلام الثورة عن قضيتهم، وأن تستمر الأصوات ترصد وتتابع وتنادي، علّ في جنيف، أو غيرها، من يسمع..

برومو الشهيد ناجي الجرف