حكايا البيدر

أنا منشق .. إذاً أنا موجود

أنا منشق .. إذاً أنا موجود

غياث عبد العزيز

 

أنا منشق .. إذاً أنا موجود
أنا منشق .. إذاً أنا موجود

مع بداية الثورة السورية، وما شهدته من متغيرات عدة على مختلف الأصعدة العسكرية والميدانية والإنسانية، انتشرت في صفوف المؤسسة العسكرية السورية ما سميت بظاهرة الانشقاق.. بدأت هذه الظاهرة على نطاق ضيق مع بدء الثورة السورية كحالات فردية، في قطع عسكرية تتموضع في مناطق جغرافية محددة من الأراضي السورية، ثم ما لبثت أن اتسعت لتشمل ضباطاً من مختلف الرتب والمراكز ومن مختلف الانتماءات الطائفية والجغرافية.
لا يمكن أن تنسب مثل هذه الظاهرة إلى شخص بعينه أو مجموعة من الأشخاص، لكن لا بد من ذكر اسم وليد القشعمي، أول جندي سوري أعلن انشقاقه عن قوات النظام السوري بتاريخ 11/4/2011، أي بعد مرور أقل من شهر على بدء الثورة السورية فاتحاً بذلك الباب للعديد من الجنود بعده لتتوالى الانشقاقات حتى تم تسجيل حوالي  22 الف حالة انشقاق بين الجنود، مع نهاية العام 2011، بحسب دفاتر السجلات العسكرية السورية، وارتفع العدد إلى ما يقارب 64 ألفا مع نهاية العام 2012 (ونتحدث هنا عن الجنود فقط لا عن الضباط).
وليد القشعمي ابن مدينة درعا غادر البلاد سراً في رحلة طويلة وشاقة إلى القاهرة، لكنها كما قال كانت بالنسبة له أهون من قتل أبناء بلده العزل بأوامر من ضباط الجيش النظامي.
فراري:
حتى الآن ينكر النظام حدوث انشقاقات هامة في صفوف الجيش، ويصر على تسمية المنشقين بلقب (فراري)، ويؤكد ان هذه الحالات فردية ولا تشكل شيئاً بالنسبة لقوام الجيش السوري، ويعكف على التأكيد أن هذه الحالات أساسها طائفي أو تحدث بسبب إغراءات مادية يتعرض لها الجنود الفارون من الخدمة.
ويلجأ الأفراد الموالون للأسد في صفوف الجيش السوري إلى منع الانشقاقات بوسائل متعددة من تهديد بالقتل إلى تهديد باعتقال أهل وذوي المنشقين والتضييق عليهم، ومنذ بداية الانشقاقات في صفوف الجيش تم سحب كافة الهويات العسكرية من جميع الجنود الذين يؤدون الخدمة الإلزامية  تصعيباً لمرورهم على الحواجز العسكرية في حال انشقاقهم، حيث جردوا من كافة الإثباتات الشخصية ومنعت عنهم الإجازات حتى الساعية منها.
وللضباط حصة:
يقول النقيب رياض الأحمد ابن محافظة اللاذقية وهو من أوائل الضباط المنشقين عن الجيش السوري (أعلن انشقاقه بتاريخ 16/حزيران 2011) وهو سابقاً من مرتبات الفوج 45 قوات خاصة، يقول في تسجيل مصور يعلن به انشقاقه: «كلفنا بمهمة النزول إلى مدينة بانياس وكانت المعلومات التي وردتنا من القيادة تفيد بوجود تشكيل مسلح يضم عرباً سعوديين ولبنانيين وأردنيين وخبراء إسرائيليين وضابطاً مصرياً كبيراً برتبة لواء هدفهم زعزعة استقرار المدينة والاعتداء على الأهالي والسيادة الوطنية. دخلنا المدينة ولم نجد عنصراً مسلحاً واحداً لتصلنا الأوامر فيما بعد بإطلاق النار على أية تظاهرة تشهدها المدينة وذلك كان سبب انشقاقي مع عدد من جنودي».
وقد أرجع المتحدث باسم «المجلس العسكري للجيش السوري الحر» الرائد ماهرالنعيمي سبب الانشقاق في المناطق الساخنة إلى إعطاء الأوامر للجيش بقتل المدنيين العزل.
وقال النعيمي: «في كل مواجهة مع المتظاهرين يزج الجيش بها، فإن قسمًا من الضباط والجنود يرفض تنفيذ الأوامر ويقوم بالانشقاق».
وأردف النعيمي «عمليات الفرار والانشقاق لم تقتصر على الضباط والجنود السنة، فهناك ضابط علوي أعلن انشقاقه منذ أشهر، وكذلك جنود ورقباء علويون، ولكن لم يلتحق هؤلاء بنا، وربما آثروا عدم القتال وفروا إلى مناطقهم وقراهم واختبأوا فيها».
وتجدر الإشارة إلى أن حالات الإنشقاق امتدت لتشمل ضابطات أيضاً منذ إعلان العقيد «زبيدة الميقي» انشقاقها عن صفوف الجيش في  10 تشرين الأول(أكتوبر) 2012.
احتياط – احتفاظ – إلزامي:
بحسب دفاتر السجلات العسكرية فإن آخر دورة سحب إجباري في الجيش السوري قبل الأزمة بتاريخ 1/5/2010 كانت الدورة /102/ التي اعتبرت الأضخم في تاريخ الجيش السوري منذ تأسيسه حيث  بلغ تعدادها /90/ ألف عسكري سرح منهم  حتى تاريخ 1/1/2012  حوالي /13/ الف هم المستفيدين من التدريب الجامعي العسكري واحتفظ بالباقي حتى تاريخه.. عدد المنشقين من هذه الدورة كان الأكبر في صفوف الجيش بسبب ضخامة تعدادها ولطول فترة خدمتهم التي تجاوزت الثلاث سنوات. الدورة /103/ ضمت أقل من /20/ الف عسكري والدورة /104/ ضمت ربع هذا العدد بسبب عدم التحاق أغلبية المكلفين بالخدمة وخاصة في المناطق الساخنة والمحررة ما دفع بالنظام لفرض الخدمة الاحتياطية التي لقيت التجاوب الأكبرعند غالبية أبناء الطائفة العلوية وأقول غالبية وليس جميعهم بالإضافة إلى نسبة محدودة من السنة والدروز وعن ذلك يقول (س. د) الرقيب الاحتياطي من مدينة جبلة: «نادراً ما نجد علوياً تخلف عن الخدمة الإلزامية أو الاحتياطية، وهناك ضغط اجتماعي كبير من قبل الأهل والكبار في القرى تجاه من يتخلف عن الخدمة».
وعن قرى الساحل السوري، التي يشكل العلويون غالبية سكانها، يقول المقدم المنشق تيسير ديب: «إن الخوف يمنع هذه القرى من المشاركة بالثورة والانضمام إلى المظاهرات المطالبة بالحرية، النظام يريد لهذه القرى أن تبقى محسوبة عليه»، وجزم الضابط المنشق بأن «هناك العديد من أهالي هذه القرى على استعداد للمشاركة بالحراك الثوري، لكن الخوف يمنعهم».
وينحدر المقدم تيسير ديب من مدينة القرداحة مسقط رأس الرئيس السوري، ولا يعد انشقاقه الأول من نوعه داخل صفوف الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الرئيس بشار الأسد، حيث تم الإعلان عن تشكيل كتيبة «الأحرار العلويين» في بداية شهر مارس (آذار) من العام 2012، والتي تضم العديد من الضباط والجنود العلويين، وعلى رأسهم النقيب صالح حبيبي صالح.. لكن المقدم ديب يعد أعلى المنشقين رتبة حتى الآن من الطائفة العلوية.
أخيراً، نجد أن ظاهرة الانشقاق بغض النظر عن خلفيتها سواءً كانت مبدئية أو طائفية أو بسبب الخوف هي ظاهرة لم تعد بالأمر الجديد أو الملفت للنظر بقدر ما أصبحت حالةً شبه يومية في كافة القطع والوحدات العسكرية السورية في ظل الجرائم المستمرة من قبل النظام السوري بحق شعبه، وفي ظل الخوف من المعارك وعدم الاستقرار لدى العديد من الجنود داخل المؤسسة العسكرية  وعدم رضى الغالبية عن المهام التي توكل لهم إضافة إلى تحول الجيش إلى مؤسسة للسرقة والخطف عند غالبية الضباط والمسؤولين عن هذه المؤسسة.

 

برومو الشهيد ناجي الجرف