ع البيدر

فداء الحوراني على بيدر حنطة

 

فداء الحوراني على بيدر حنطة

لقاء: ناجي الجرف

فداء الحوراني على بيدر حنطة
فداء الحوراني على بيدر حنطة
 مذبحة الـ 82 جعلت من حماه أكثر وعياً للمجزرة – حماه مدينةٌ حملت آلامها   «ع الساكت» منذ 1982-  الثورة في حماه خرجت من أكثر الأحياء فقراً

يقول البعض إن النظام «احتلال»؛ أي ليس من أصناف الحكم.. ما رأيك؟
الاحتلال لهُ حدود، فمثلاً في أيام الفرنسيين كما تروي لنا الوالدة، كانت تخرج المظاهرات من الجامع الأموي، وكانوا يعودون بالجرحى إلى الجامع نفسه، لم يكن الفرنسيون يجرؤون على الاقتراب من المسجد على اعتباره مكاناً مقدّساً، الوضع الآن لا تفسير له، أنت تفهم أن يفعل عدوك بك ما يفعل، أمّا ما يحدث الآن فلا نجد له تفسيرا.
حماه جرّبت أن تكون مثالاً خالصاً عن السلمية.. أودّ سؤالك عن حماه وبالأخص الفترة الأولى من الثورة ومشفى «الحوراني» والحصار والمجازر، ماذا تذكرين من تلك الفترة؟
لربما تختزن حماه كلّ آلام مذبحة الـ 1982 التي يقال إنها كانت ضد الطليعة المقاتلة (الجناح العسكري للإخوان آنذاك) الحقيقة الأكيدة أنها لم تكن ضد الطليعة، بل كانت ضد البلد نفسه، لأن حماه نفسها لها ميزات لا تحملها المدن السورية الأخرى، فقد لعبت دوراً في القضايا العربية، من خلال الرموز أو الأشخاص، أما كمدينةٍ أو كشعب فقد لعبت أدواراً مهمة في السياسة السورية .
وفزعة حماه كانت لكلّ القضايا، أي أنه لا يمكن إلا أن تلاحظ وجهة نظرٍ جديدة سواءٌ كانت معك أم ضدك من السيدات والرجال على حدٍ سواء، الجميع لهم موقف ما، ويبدو أن ذلك كان محظوراً، فكان أن «ربّى» النظام سوريا بحماه.
وبالتأكيد مازال الحمويون يختزنون هذا الشعور، فكانت المظاهرات تعبيراً عن رفض كامل للنزاع من جهة، ومن جهة أخرى «السلْمية» فقد شعروا بالسبب الحقيقي  وهو العنف، الذي كان وراء عدم تغطية مذبحتهم في الثمانينات، فأصرّوا على السلمية الحقيقية.
لكننا لم نكن على مستوى تقدير ما سيحدث، رغم أننا كنا نعرف مذابح حماه سابقاً، إلا أن أحداً لم يتوقع أن يعاملونا بهذه الهمجية وأن يسكت العالم لـ ثلاث سنوات، وبنفس الحجة السابقة وهي «العنف والإرهاب».
«سوريا مفتاح المنطقة» كان الأهل يقولونها ولم نكن نعي ذلك، الآن نعي أن نجاح الثورة السورية يعني فيما يعنيه تغير وجه المنطقة كلها، ليس فقط العربي، بل من إيران إلى إسرائيل، وهذا هو جوهر السبب في تعقيد القضية السورية.
تكلّمنا عن «فداء الحوراني» السياسية، نودّ الحديث عن مشفى «الحوراني» وما شهدهُ من حالات الجرحى المتظاهرين والمصابين..
لم يحدث في المشفى لدينا إلا حالة أو اثنتان تم أخذهم من العمليات، وكان الأمن السوري يأتي لأخذ الجرحى كان الأهالي حول المشفى يضربون طوقاً، فكنا نقول لهم: «تريدون الجرحى.. تفضلوا وخذوهم إن استطعتم»، كانت حماه كلها مستنفرةً على أبنائها وأولادها، وأذكر في جمعة «أطفال الحرية» مشهداً لن أنساه في حياتي، حيث كان هناك ستةً وثلاثون شهيداً وكانت الدماء في كل مكان ووصلت إلى أبواب المشفى، ساهم الناس بشكل كبير في المساعدة فمنهم من أتى بـ مناشف ومنهم من أتى بشراشف قديمة وأدوية، كان هناك تعاطف وتكاتف كبيران.
يعد مشفى «الحوراني» في حماه أشهر مشفى في سوريا.. بسبب الحماية الشعبية له.. هل ذلك بسبب اسم فداء الحوراني؟
لا أعلم  ولكن ربما بسبب الإعلام.. هناك الكثير من المشافي لم تحز على نفس التغطية الإعلامية، وبالبنسبة لي فأنا أحبّ أهالي حماه، مع أني لم أعش فيها فقدت ولدت في دمشق وغادرت إلى العراق فيما بعد، وعدت وأنا أكبر عمراً. أنتمي لحماه من منطلق الشعور بالظلم، فحماه مدينة ظُلمت، وأنا مصممة «إنسانياً» أن أبقى متعاطفة معها، مدينة حملت آلامها «ع الساكت» منذ 1982.
ربما تحمل حماه طابعاً خاصاً بها.. ما الذي يميزها؟
يختلف وضع حماه عن باقي المدن، أنا دخلتها عام 1991 وكان قد بدأ وقتها الإفراج عن بعض شبابها، كان الأهالي يتحضرون وينتظرونهم على مدخل المدينة، كانوا ينتظرون عسى أن تمر تلك الحافلات التي تحملهم، وطائفياً يمكنني القول إن حماه رغم المذبحة إلا أنها كانت أكثر تفهّماً لموضوع أهمية وحدة سوريا ونسيجها الاجتماعي، بالتأكيد هناك مشاعر طائفية حصلت في كل سوريا، إلا أنني أستطيع القول إن حماه لم تنجرّ بقوةٍ للطائفية، في النهاية الناس ليست ملائكة.
أصرّ الحمويون أن لا يدخل سلاح إلى حماه، وربما هنا تتجلى قيمة المدينة المدنيّة الوحيدة والتي هي «حماه».. كيف يمكننا كمجتمع مدني أو كناشطين أن نعمم تلك القيم على باقي المدن؟
بالنسبة لموضوع السلمية في المدن الأخرى، لا أعتقد أن الناس تخلت عنها بإرادتها، وبالعودة لحماه فإن لها وضعاً خاصاً، يعود لوعيها فيما يخصّ المذبحة الأولى 1982، الأمر الذي جعل أهلها أكثر حذراً في التعامل مع هذا الموضوع، خاصة أن «العسكرة» في 82 كانت غطاءً للنظام في المرحلة الأولى، وهذا الموضوع هو الذي لعب عليه النظام بخصوصية موقف حماه.
في أغلب المدن لا نشهد عملاً مسلحاً في مراكزها، ربما في حمص كان هناك حراك مسلح ضمن الأحياء وكأن هناك مخططٌ خاص لها، وأيضاً في إدلب والتي هي بيد النظام والحسكة والدير إلى اليوم.. ما السبب برأيك؟
تلك المقارنة فيها ظلم للمناطق التي يتواجد فيها السلاح، حماه برأي جميع السوريين كانت ستستخدم السلاح لو أتيح ذلك لها، لكن ولأن النظام جرّها إلى العسكرة سابقاً فقد كانت أوعى هذه المرة وحقنت حجم الخسارات.
الثورة في حماه خرجت من الأماكن الأشد فقراً، إيماناً بالحرية وأننا لم نخرج لنحيا ما وضعنا النظام فيه، نريد التغيير نريد أن نعلم أولادنا نريد أن نتنفس الحياة.
متى سمعت عن أول مظاهرة في حماه.. وما كان شعورك؟
جاءت صديقة إلي في أول مظاهرة خرجت من حماه، كنت وقتها في الفراش وصاحت بي: «حماه حماه.. تحركت» خرجنا بسيارتها وكانت المظاهرة آنذاك خرجت من جامع عمر بن الخطاب.
في الطريق رأيت شباباً يركبون على الدراجات النارية ويلبسون القميص الداخلي، وقتها لم يكن الناس يفرقون بين المتظاهر والشبيح، وجدت المنظر غير لائق، ومع ذلك حييتهم، لكن بعد ذلك اكتشفت عقب دخولنا ساحة العاصي أنهم كانوا شبيحة!!
ما رأي فداء الالحوراني بمؤتمر جنيف..؟
بداية أود القول أنه كان لدينا أمل أن الثورة عندما تحولت إلى العسكرة ستستطيع أن تحل القضية، لكن قضية التمويل في أكثر من قناة، والدول التي اتضح أن لكل منها مصلحة خاصة، وتقطع التسليح أحياناً وتعاوده أحياناً حسب المصلحة، شتت كل سبل الحل، رغم أن السوريين حاولوا أن يكون التسليح ذاتياً، لكن النظام مدعوم من إيران ومن حزب الله مما يعني إمكانياتٍ هائلة، وفي مثل هذه الحالة جنيف يعطي الحد الأدنى من المطالب، ثلاث سنوات من التضحيات الهائلة، نحتاج إلى أي شيءٍ يحرك الوضع أو يغيره، وإذا كان هناك حل سياسي فذلك جيد حتى لو كان لديك سلاح، أنا لا أقول إن الذهاب سيحل المشكلة، فهناك نظامٌ متجذّر ونحن نرى كيف تسير الأمور في مصر وكيف ستكون ردات الفعل في سوريا.
قال وليد المعلم: «واهم من يتخيل أن النظام سيتخلى عن السلطة»، يعني ذلك أن حتى تنحية بشار غير مطروحة.. ما تعليقك؟
من حيث المبدأ نحن مع حل سياسي يجنب السوريين هذا الموضوع، وطبيعي أن يقول المعلم ذلك، فذلك أمرٌ متفق عليه، الوضع الدولي مأساة بالنسبة لنا وأي حل سياسي ليس له أدوات نجاح وطروف نجاح سوف يؤدي إلى كوارث.
كيف ترى فداء الحوراني الأمل؟ وكيف ترى سوريا سابقاً ولاحقاً، وكيف نفكر بها كسوريين؟
سأتكلم بما أشعر، ففي مرة كنت أشاهد صور السوريين على التلفزيون ومأساتهم، وكل تلك المناظر التي نراها، كنت أشعر بأنني طفلة. من مدة قريبة كنت أشاهد التلفزيون. كان هناك فيلم وثائقي عن أيام حافظ الأسد، لحظتها شكرتُ الله أنني رأيت هذا اليوم، لأنّي لم أكن أتصوّر أن الشعب السوري سيأتي يومٌ ينتفض فيه بهذه الطريقة.

برومو الشهيد ناجي الجرف