جرن حنطة

من مسائل الثورة السورية (1)

 

من مسائل الثورة السورية (1)

مروان عبد الهادي

 

من مسائل الثورة السورية (1)
من مسائل الثورة السورية (1)

العفوية، وهروب المثقف من الثورة

أفرزت الثورة السورية، مثل أية ثورة في العالم، خلال مسارها الطويل، منذ انطلاقتها، العديد من الاشكاليات، والأسئل، التي تشكل في مجملها أسئلة أو مسائل الثورة.
وأهمية هذه المسائل تأتي من أنها ما زالت موضوع جدل وحوار مستمر بين أفراد المجتمع السوري بمكوناته وتياراته المختلفة حتى الآن. ومع استمرار الثورة وتعقد مسارها، ودخول الصراع المفتوح بين الشعب والنظام في نفق مظلم، يصبح من الضروري التوقف عندها، والاشتغال عليها، والارتقاء من الجدل الشعبوي السطحي، أو الجدل الإيديولوجي المغلق الذي يحمل الإجابات الجاهزة،  إلى التأسيس المعرفي لهذه المسائل، بقصد الارتقاء في العمل الثوري، والتأسيس لما يمكن تسميته اصطلاحا «فلسفة الثورة». والثورة لا تنتج فلسفتها إذا لم تستند إلى فهم صحيح للواقع الذي تسعى إلى تغييره.
ومن المسائل المهمة التي ما زالت حاضرة في كل الحوارات: العفوية والثورة، اللاعنف والثورة السلمية، المثقف والسياسي في الثورة المسلحة، الأسلمة والعسكرة، الأقليات والأكثرية، بنية النظام الاستبدادي، البديل الثوري، الدولة المدنية والديمقراطية والعلمانية.. إلخ.
العفوية والمثقف
منذ البداية، كانت الثورة عفوية، وسلمية، وكانت أهم الانتقادات الموجهة لها: هل هذه ثورة، أم حراك، أم احتجاج..؟ وأين هو حزبها وقادتها وما هو برنامجها؟ وهي تساؤلات جدية، وما زالت تنتظر اجابات غير خطابية.
إلا أن الانطلاقة العفوية للثورة لم توقفها أسئلة كهذه، وخاصة أن الشعب يكبت في داخله كل أنواع القهر والظلم، وهو مهيأ للانفجار في أية لحظة. وهذا ما رأيناه في انتقال شعلة الثورة إلى كل المدن وبسرعة قياسية. ولم يكن الشعب عموما مهتما بتوصيف الثورة، وأحزابها وقيادتها. بل إنهم بأحاسيسهم، ومشاعرهم الملتهبة المكبوتة ضد النظام، جعلهم شاركوا ببساطة على أنها ثورة، وأن قادتها هم أبناؤهم الذين كبروا ونضجوا دون أن يشاوروهم، كما أنهم ليسوا بحاجة لبرامج عقيمة مهملة في الأدراج، إذ يكفيهم أنها ثورة ستؤدي إلى اسقاط النظام، الكابوس الذي يجثم على صدورهم منذ نصف قرن، وسقوط النظام يعني نيلهم حريتهم وكرامتهم.
وقد بدأ شباب الثورة عملهم الثوري من الصفر. وليس في جعبتهم من الإرث الثوري الذي يمكن أن يساعدهم للقيام بتحديات الثورة. ومع ذلك تعلموا بسرعة وأبدعوا في مواجهة الرصاص، وفي تنظيم المظاهرات، والتنسيق فيما بينها والتأسيس لقيادة سياسية وإعلامية للثورة تجسدت باتحاد التنسيقيات والهيئة العامة للثورة.
لكن كل ذلك تم ضمن العفوية الثورية، فالخطاب القصير على الفضائيات، وتسمية أيام الجمعة، والشعارات في المظاهرات، لم تكن كافية للتعريف بالثورة وأهدافها وبرامجها. كما أن صنع السياسة الثورية في مجتمع ميت ومهزوم، ليس بالأمر السهل، ولا يمكن تحقيقه بسرعة تتوافق مع تسارع مفاعيل الثورة على الارض. ويبدو أن شباب الثورة لم يكن في ذهنهم رؤية استراتيجية للارتقاء بالعمل الثوري، وخاصة العمل على التأسيس لبناء تيار سياسي يقود الثورة فعلياً على كافة المستويات.
ولم يكن في مخيلة الثوار سوى تجارب الربيع العربي في مصر وتونس وليبيا، والتي تمت قراءتها على عجل، وبعفوية سياسية غير ناضجة. وكان الحلم الثوري يحكم آمالهم في انتصار الثورة السريع كما حدث في تونس ومصر، بسبب وقوف الجيش إلى جانب الثورة،  والتضحية برأس الاستبداد. أما الجيش في سوريا، فهو موضوع مختلف كليا، ولم تُفد الورود التي قُدمت له في المظاهرات السلمية، وشعارها «الشعب والجيش إيد وحدة».
وعندما وصل عدد الشهداء إلى أكثر من خمسة آلاف، بدأ الحلم على الطريقة الليبية باستجداء التدخل الخارجي. وهذا الحلم تبدد أيضا، نتيجة القراءة الساذجة لموقف الغرب الذي يدعي دعمه للديمقراطية وحقوق الانسان. ورغم ذلك مازال الحلم يدغدغ عقول السياسيين القابعين في الائتلاف وغيره، رغم النتائج الفاشلة لمساعيهم خلال العامين الماضيين.
المباشرة وعم التخطيط ملازمة لانطلاقة كل ثورة، لكن لا يمكن للثورة أن تتقدم إلى الأمام إذا استمرت هذه العفوية، ولم تنتقل إلى الوعي الثوري المنظم، وتجربة الثورة السورية السلمية القصيرة، لم تقدم الوقت الكافي لهذا الانتقال، كما أنها لم تجد من يساندها في الداخل على ذلك، وخاصة المثقفين وبقايا المعارضة القديمة.
فالمثقف السوري لا يختلف حاله عن باقي أفراد المجتمع، إذ من الطبيعي أن يكون المناخ الثقافي والسياسي سكونيا ومستنقعيا، لا يختلف من حيث الجوهر عن باقي القطاعات المجتمعية الأخرى. وإذا تجاوزنا أبواق السلطة، أو مثقف السلطة، فقد دفع المثقف السوري ثمناً غالياً لمعارضته النظام في مرحلة الثمانينيات من القرن الماضي.
ومع وراثة الابن المهزلة السلطة عن الأب منذ بداية القرن الحالي ووعوده بالإصلاح والتحديث، عاد المثقف المعارض ليظهر من جديد عبر المنتديات التي انتشرت في كل سوريا ضمن ما يسمى بـ(ربيع دمشق)، والذي لم يستمر طويلا، بعد أن اغلق النظام كافة المنتديات واعتقل بعض الناشطين.
لكن هذا الظهور الجديد للمثقف لم يكن ثوريا داعيا لإسقاط النظام، كما هو في السابق، إنما ظهر مشبعاً برؤية إصلاحية، وبقيادة النظام الذي ادعى ضرورة الإصلاح والتحديث، وقد أصبحت المنظومة الفكرية للمعارضة السورية عموما، ليبرالية محورها الرئيسي المجتمع المدني، والديمقراطية، والتداول السلمي للسلطة، وحقوق الانسان، متأثرة بالمناخ العالمي الجديد بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ومنظومته الشمولية، وسيادة الفكر الليبرالي العولمي الجديد. وقد عملت كافة الأحزاب القديمة على تغيير برامجها الإيديولوجية، واستبدالها ببرامج ليبرالية ديمقراطية. ومع أنه لم يتمخض عن ربيع دمشق أحزاب أو حركات سياسية جديدة، إلا أنه عمل على بث الحركة في المستنقع الثقافي الآسن، دون أن يكون قادرا على إحداث فجوة مهمة لتنفس الهواء النقي.
وضمن هذا الجو كانت أعداد الشباب غير قليلة في المنتديات، والذين شكلوا فيما بعد عماد الثورة السورية وتنسيقياتها، وكان من الملاحظ وجود هوة بين جيل السبعينيات والشباب الجديد، ويعود عدم التواصل بين الجيلين إلى الذهنية الإيديولوجية للأول، وجيل الشباب الرافض للأيديولوجيا، والذي لم يختر منظومته الفكرية والسياسية بعد، وأيضا عجز الجيل السابق عن إنجاز أية أنساق معرفية ثقافية، يمكن للجيل الجديد أن يستند اليها، ويستكملها في عملية تراكمية مستمرة.
وبدلا من تحفيز الشباب ودعمهم كي يؤسسوا منظومتهم الثقافية والسياسية الخاصة، عمل الجيل القديم على كسب الشباب إلى دكاكينهم المغلقة، والبحث عن مريدين، وليس مناضلين، وهذا منسجم مع البنية الإيديولوجية المغلقة، والتي تعتمد على الشخصانية التاريخية المهزومة لرموز المعارضة القديمة.
وفي السنوات التي سبقت الثورة، عمل المثقف على عزل نفسه عن السياسة، وبالتالي توزع المثقفون إفراديا في مواقع مختلفة، مثل المثقف الناقد، والمثقف الناصح للنظام، والأغلبية من المثقفين كانت تنضوي تحت عنوان المثقف المنافق.
ومنذ انطلاقة الثورة السلمية، برز المثقف المنافق إلى السطح، والذي كان ينظر للثورة بمنظار الريبة، وعدم الثقة بقدرة الشعب على إسقاط النظام، ويقدم نفسه على أنه مع الحرية، والديمقراطية، ومع المعارضة. ويبدأ مقولته متشبهاً بالمثقف الناقد، باحثا عن أخطاء وثغرات الثورة مثل أن أعداد المتظاهرين قليلة لا تمثل كل الشعب، والشعارات إسلامية، أين القيادة والبرنامج.. إلخ، ويستنتج ببساطة: أن هذه ليست ثورة. ويرتد بذلك ليحافظ على موقعه مع النظام. إنه يختبئ وراء النقد المزيف، ليردد بصيغ ثقافوية مواقف النظام.
ومع انتقال الثورة إلى الطور المسلح، صرخ بصوت عال: انتهت الثورة، مرددا ضرورة الإصلاح، والانتقال السلمي والتدريجي نحو الدولة المدنية الديمقراطية.
ويندرج تحت هذا العنوان الهروب المزيف لبعض بقايا التنظيمات القديمة مثل (هيئة التنسيق) التي تشكلت تحت عنوان: لا للعنف، لا للطائفية، لا للتدخل الخارجي، باحثة في دفاتر اللاعنف عن الوسيلة المثلى لإسقاط النظام. وللأسف ما زالت هذه اللاءات تتردد حتى الآن بعد كل الجرائم والفظاعات التي ارتكبها النظام بحق الشعب. وكذلك حركة (معا) وغيرها من الحركات التي تشكلت خلال الثورة.
أما المثقف الناقد، الذي أيد الثورة منذ بداياتها، لم يجد له موقعا فيها، لأنه رفض العمل السياسي الجمعي، والحال نفسه بالنسبة إلى بعض التنظيمات القديمة التي أيدت الثورة وانضمت إليها مثل: حزب الشعب، لكنهم لم يشكلوا أكثر من حالات ثقافية بعيدة عن الشعب.
وبالتالي كانت الجهود الفردية للمثقفين ذات تأثير لا يُذكر، أو غير فعال، وذلك لعدة أسباب، أهمها وأولها: عدم سماح النظام للاحتجاج، والاعتصام السلمي في الساحات العامة كما حصل في مصر وتونس، وثانيها: أن العمل الفردي في زمن الثورة غير مجدٍ إن لم يكن رمزا ملهما للثورة والشعب الثائر. وهذا الرمز لم يكن موجوداً، كما أن الثورة لم تفرزه حتى الآن، مع أن كل من المثقفين المؤيدين للثورة، يعتبرون نفسهم الرمز المعبر عن ضمير الشعب والملهم للثورة، وثالثها: طبيعة المثقف بشكل عام، نرجسي، ومتكبر. يُضاف إلى ذلك أن المثقف السوري لم يخرج من عباءة الذهنية الاستبدادية، وبالتالي يجب على الثورة أن تخرج من تحت عباءته! لأنه –وبالأساس- الثقافة الديمقراطية حديثة العهد في سوريا، ولم تجد بعد الأرض الخصبة لنموها.
بعد نصف عام من انطلاقة الثورة، بدأ نزوح أو هروب المثقف من أرض الثورة، عابرا المناطق المحررة، دون أن يلتفت للوراء، إلى دول الجوار، وخاصة تركيا التي احتضنت المعارضين، والذين شكلوا (المجلس الوطني) ثم (الائتلاف الوطني)، الذي احتكر تمثيل الثورة، دون أن يستطيع أن يكون قائدا سياسيا للثورة. بالإضافة إلى العديد من التشكيلات الجديدة الفندقية، والتي تتحدث جميعها باسم الثورة، وكان آخر هذه التشكيلات: (اتحاد الديمقراطيين)، و(كلنا سوريون).. إلخ.
وبدلا من أن يعمل الائتلاف على تشكيل قيادة سياسية للثورة في الداخل،ساهم في بعثرة شباب التنسيقيات،  وتشتتهم في الخارج، للعمل في الإغاثة والإعلام، أو بحجة توسعة الائتلاف، أوالانضمام إلى التشكيلات الفندقية. وهذا أدى في النهاية إلى تفريغ الداخل من كل النشطاء، وبالتالي اختفاء الجانب المدني والسياسي للثورة.
وهذا بدوره لم يؤسس لبناء جمهور الثورة، الحامل لثقافة الثورة ومبادئها وأهدافها،  والذي يمكن أن يستمر في الدفاع عنها وعن جانبها المدني، إلى جانب العسكري. وكذلك تصويب مسارها وبوصلتها في وجه الانحرافات والتشوهات التي يمكن أن تواجهها. وكذلك أيضا حرم الثورة من تأييد الطبقة الوسطى التي كان من الممكن أن تلعب دورا إيجابيا مهما في الثورة، بالإضافة إلى الأغلبية الصامتة التي تشردت في كل أصقاع الأرض، وتعرضت لكل أنواع الإهانة والجوع  والتي بدأت تلعن الثورة ومن وراءها.
فالثقافة في مرحلة الثورة لا قيمة لها إذا لم تكن مقاومة للنظام المستبد، ولا يمكن لهذه الثقافة أن تكون مقاومة، إن لم تكن مرتبطة بالسياسة الثورية بشكل مباشر، أو صانعة لهذه السياسة، باعتبارها الحاضنة الفكرية للثورة. وهذه الثقافة كانت ومازالت غائبة حتى الآن.
صحيح أن المثقف لا يصنع ثورة، لكن في كل الثورات كان له دور مهم، وإن لم يكن قائدا ملهما، فعلى الأقل يشارك في صناعة سياسة الثورة. وإن لم قادرا على حمل السلاح، إنما يمكن أن يشارك في توجيه هذا السلاح.
والأكثر خطورة هو الانتقال العفوي نحو الثورة المسلحة، وما رافقه من فوضى السلاح، واختلاط الاوراق، ونحن نحصد الآن نتائج هروبنا من المناطق المحررة، بملاحقة كل من يؤمن بالديمقراطية، وحقوق الانسان، من قبل التكفيريين، والذين يُدخلون الثورة في نفق مظلم.
في النهاية، لا بد من السؤال للحوار: ما العمل؟ ماذا يجب أن نعمل من أجل إنقاذ ثورتنا؟ بالتأكيد، لا يوجد جواب جاهز. لكن ربما تكون البداية بالعودة إلى إحياء التنسيقيات من جديد، والعمل على تنظيم حلقات ثقافية-سياسية، تضم النشطاء والمثقفين، تبحث في مسائل الثورة وإشكالياتها، والبحث عن آليات جديدة للعمل المدني والسياسي داخل المناطق المحررة.

برومو الشهيد ناجي الجرف