جرن حنطة

في معنى الذهاب أو عدم الذهاب إلى جنيف 2

في معنى الذهاب أو عدم الذهاب إلى جنيف2

عبدالله أمين الحلاق

من حيث ممارساته الاستئصالية على أرض الواقع، ثمة تفاوض سيجري في سوريا في جنيف 2 ضد نظام فاشي، يشابه نوعاً ماذلك الذي عهده الفلسطينيون من تفاوض قبل عقدين من الزمن، مع احتلال لم يرتكب ما ارتكبه مُمانِعه الذي سيجري التفاوض معه بعد أيام. والحال، أن ما عهده السوريون الثائرون وذاقوه في الأعوام الثلاثة من ثورتهم على يد هذا النظام، كفيلٌ بأن يكون خيارهم واحداً هو رحيل النظام بكافة أركانه ورموزه.
ومع استعصاء الواقع السوري على حل ينهي الموت اليومي للسوريين، واستعصاء النظام الاسدي على أي سقوط محتمل له، مع دعم عالمي وإقليمي مباشر وغير مباشر له، وتكالب عالمي وإقليمي مباشر لكسر الثورة السورية، ونمو جماعات متطرفة لا نظير لانحطاطها وإجرامها إلا الأسدية»داعش نموذجاً»، يبدو استحقاق جنيف2 وكأنه فُرضَ على الطرف الثائر على الأرض، ومن خلفه المعارضة السياسية، وبشروط هي دون سقف مطالبهم التي رفعوها في بداية ثورتهم. إن جنيف2 سينتهي غالباً على حل غير جذري بين الطرفين الذاهبَين إليه، المعارضة بكل تفرعاتها وتنويعاتها من جهة، والنظام السوري من جهة أخرى: حلاً يتجاوز كونه حبراً على ورق، قابلاً للتهافت والسقوط عند أول استحقاق عسكري على أرض الواقع. حل لن يتضمن تغييراً جذرياً في بنية النظام او ممارساته، والأهم: في رئيسه.
يشكل جنيف2 منذ تم الإعلان عنه، محوراً خلافياً يقسم المعارضة السورية بكافة فصائلها السياسية والعسكرية انقساماً عمودياً، بين مؤيد ومعارض له، بشروط أو من دون شروط، بغض النظر عن نتائجه المحتملة واحتمالات ما يمكن أن يقدمه النظام السوري في المفاوضات، «وهو لن يقدم شيئاً بطبيعة الأحوال»، طالما أنه قوي ومتماسك سياسياً أكثر من معارضيه، ومتمسك بمبادئه الإجرامية أكثر من تمسك معارضيه السياسيين بمبادئ الثورة عليه، وطالما أنه يسيطر على أراضٍ سورية بقوة، وطالما أن الفوضى تعم المناطق التي تسيطر عليها المعارضة –على اختلاف هذه المعارضة
ومع اجتماع مجموعة أصدقاء سوريا في الشهر الجاري، وإقرارهم بالإجماع دعم الائتلاف الوطني السوري المعارض برئاسة رئيس الائتلاف الذي أعيد انتخابه، أحمد الجربا، واعتبارهم «أن الانتقال السياسي في سورية لوضع حد للنظام المتسلط يقدم وحده حلاً حقيقياً عبر هدف جنيف ٢ الذي ينبغي ان يعقد ضمن المهلة المحددة» كما جاء على لسان وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس.. يبدو لوهلة وكأن الغرب ذاهب إلى جنيف صفاً واحداً إلى جانب المعارضة السورية لإزاحة الأسد، واستكمال ما يلزم لاستتباب الأرض للسوريين من دون النظام، وإعادة بناء بلدهم من جديد.
إلا أن الرد على ذلك يأتي هذه المرة من الرئاسة السورية التي قال بيانٌ صدر باسمها بأنها «لا تستغرب.. ما جرى في باريس من اجتماع لأعداء الشعب السوري وما تمخض عنه من تصريحات أقرب إلى الأوهام منها إلى الحقيقة ولا تصدر إلا عن أشخاص منفصلين عن الواقع وبعيدين كل البعد عن أي منطق سياسي مقبول».
الواضح، أن ذهاب المعارضة إلى جنيف2 لن يكون مجالاً للتفاوض على انتقال السلطة الفوري من بشار الأسد إلى سلطة رئاسية ودستورية جديدة، ذلك أن النظام والرئيس الذي ورث سوريا مزرعةً عن والده، ولا يزال يعامل السوريين أرقاماً في هذه المزرعة، لن يكدر صفو أحلام توريثه سورية لابنه مستقبلاً، أي حدث أو عمل سياسي أو حتى ميداني وإن يكن بحجم الثورة السورية. الثورة السورية زلزلت قناعات العالم كله بالسوريين بمن فيهم القوى الداعمة للأسد، إلا الأسد الذي لا يزال يعتبر أن فرص العودة إلى ما قبل 15 آذار 2011 لا تزال متاحةً بقوة له.
ولكن، ألا يفعل الضغط الدولي على الأسد فعله في هذه الحالة؟
يفترض أن يضغط المجتمع الدولي بقوة على الأسد للتنحي واعتبار تنحيه بداية وقف شلال الدم اليومي في سوريا، إلا أن الموقف الدولي من «الأزمة» كما يحلو لهم تسميتها، والداعم للأسد من قبل الروس تحديداً، والمعبر عن القلق لدى داعمي الثورة، لا يوحي بنيّة فعلية لدى المجتمع الدولي في الضغط على بشار الأسد للتنحي بإرادة دولية: الأسد الذي اكتفى الأمريكان بتحريك بارجة عسكرية امام الشواطئ اللبنانية، لكي يأمر جيشه بالانسحاب من هذا البلد عام 2005.
إلى ذلك، نجد من كان يزحف على رُكبه في طريقه إلى جنيف 2 من جهة، ليحجز مقعداً له ولهيئته «هيئة التنسيق» في المستقبل وبأي ثمن، تحت عنوان غريب ومن عالم ما وراء الطبيعة هو «تفكيك النظام من داخله»، قبل أن ترفض الهيئة الذهاب إلى المؤتمر قبل «جلاء الملابسات» بحسب تعبير هيثم مناع. كما نجد من  صار يعارض المؤتمر بسبب حضور إيران له بعد ان كان موافقاً على الذهاب إليه، ونعني الائتلاف السوري المعارض، في تتمة لمسلسل من خطابات عشائرية وعويل وبكاء بَعيد كل البعد عن الكلام السياسي.. تشهد لذلك تصريحات أحمد الجربا مؤخراً. كما يضاف إلى الرافضين لجنيف2، كل من لا يمتلك خارطة طريق مستقبلية ديمقراطية ستكون بالطبع على حساب تورطه في دعم التطرف والتيارات الراديكالية على الأرض.
غير ذلك، نجد قسمين من السوريين لا يزالان يحترمان أنفسهما، بتقديرنا، في الموقف من مؤتمر جنيف2:
الأول هو الذي يعارض الذهاب إلى المؤتمر عن قناعة مبدئيةوصحيحة، بأن اللعبة والقرار اكبر من طاولة هذا المؤتمر، كما هو إجرام النظام غير المحدود.. والثاني وقوامه ناشطون وسياسيون سوريون وطنيون غير متورطين بالكذب على السوريين والتلاعب بأموالهم وأمنهم،وهو القسم الذاهب إلى جنيف 2، لا ليقدم تنازلات للخلافة الاسدية، وإنما لأنه يعتقد أن أي تنازل «شكلي» من النظام، حتى لو كان على مستوى السماح بإدخال الطعام إلى مخيم اليرموك، قد يخفف عدد الموتى يومياً في سوريا، دون الحاجة إلى خطابات النفير العام والحشد ومعارك التحرير الوهمية التي انتقلت عدواها من الأسد إلى معارضيه.

برومو الشهيد ناجي الجرف