جرن حنطة

طلعنا عالحرية..قراءة أولية في الإعلام السوري الجديد

 

طلعنا عالحرية..قراءة أولية في الإعلام السوري الجديد

ماجد كيالي

إلى رزان وسميرة ووائل وناظم ومازن

أثار اختطاف رزان زيتونة وسميرة الخليل ووائل حمادة وناظم الحمادي مجدّداً مسألة العلاقة التكاملية أو التنافسية أو التعارضية بين الوجه الشعبي، أي المدني والسياسي والديمقراطي لهذه الثورة، ووجهها العسكري أي المسلح والعنفي والمتطرّف. ربما يجدر بنا هنا أن نأخذ في الاعتبار أن هذا التأزّم، بحدّ ذاته، ليس جوهرانياً، ولا ثابتاً، إذ هو ناجم في الأصل، عن تأزّم الثورة والمجتمع السوريَين، بمعنى أنه نتاج عديد الأسباب، داخلية وخارجية، ضمنها العنف التدميري الذي انتهجه النظام ضد السوريين، وحثّه على إضفاء طابع طائفي عليها، إضافة إلى طول أمد الثورة، وتصدّع اجماعات السوريين، وغياب غالبية المجتمع عن معادلات الصراع، وخذلان المجتمع الدولي.
يتفق كثيرون على أن رزان باتت بمثابة الوجه الأبرز الذي يعبّر عن الوجه المدني لهذه الثورة، في طورها الأول، حسب تعبير لحازم صاغية، ليس لأن رزان حقوقية وكاتبة وناشطة سياسية، فقط، بل ولأنها أصرّت، أيضاً، على البقاء في سوريا، ولم تخرج، رغم كل التهديدات التي تعرّضت لها.(أنا هنا لأنني هنا في سوريا بلدي)، هكذا أجابت رزان، التي كانت أسّست (لجان التنسيق المحلية)، وأنشأت (مركز توثيق الانتهاكات في سوريا)، وسهرت على اصدار مجلة (طلعنا عالحرية).
عموماً، ليس القصد هنا الحديث عن رزان، وإنما عن الوجه المغيّب لهذه الثورة، الذي تمثله رزان وأمثالها، والذي تدين له هذه الثورة بوجودها، وبشرعيتها. فهؤلاء الشبان الشجعان هم الذين كسروا حاجز الخوف، وتحدّوا جبروت النظام، وأجهزة المخابرات وعصابات الشبيحة، وخرجوا الى ساحات المدن، يهتفون: (الشعب السوري ما بينذل) و(سوريا بدها حرية)، مع أن سلاحهم الوحيد كان يتمثّل بالمتظاهرات والتجمعات الشعبية، التي كانوا يصدحون فيها بحناجرهم بأناشيد الحرية، ويلوحون فيها بقبضاتهم.
طبعا، ليست هذه مفاضلة بين الوجه الشعبي والمدني للثورة وبين وجهها العسكري والمسلح، فمن السذاجة الاعتقاد بإمكان إسقاط هكذا نظام بمظاهرات واعتصامات وشعارات، وإنما الغرض هنا يتعلق بالتنويه إلى مخاطر تغليب وجه على آخر، ومخاطر إزاحة البعد الشعبي للثورة وتهميشه لصالح البعد المتعلّق بالعسكرة والجماعات المسلحة.
وفي مراجعة لمسارات الثورة يمكننا ببساطة ملاحظة أن النظام اشتغل بحرص ودأب شديدين، منذ البداية، على إزاحة البعد الشعبي، المدني والسلمي والديموقراطي للثورة.
فقبل بروز ظاهرة العسكرة، والصراع المسلح، كان معدل الشهداء برصاص رجال الأمن والشبيحة يبلغ نحو 600 شخص شهريا. وكان النظام أنكر الثورة، حتى أنه اعتبر التظاهرات العارمة، التي شهدتها ساحات مدينتي حمص وحماه، مجرد فبركات تلفزيونية، قبل أن يفضّها بالرصاص والدبابات، علماً أنه حال دون تمكين جماهير حلب ودمشق ودرعا واللاذقية من إيجاد ساحة لهم. وإلى هذا وذاك فقد سعى النظام لدفع السوريين في المناطق الحاضنة للثورة إلى ترك أحيائهم، وحتى تهجيرهم خارج البلد، ضمن استراتيجيته الرامية لإفراغ الثورة، بتقويض طابعها الشعبي، وذلك بتعمدّه تدمير الأحياء الشعبية، ومحاصرتها، وتعريضها للقصف المستمر.
ما يلفت الانتباه، أيضاً، أن النظام الذي أطلق من معتقلاته بعض منتسبي أو مناصري تنظيم «القاعدة»، والجماعات الدينية العنيفة والمتطرفة، في الأشهر الأولى للثورة، اشتغل في المقابل على إخفاء الناشطين الثوريين السلميين، الذين كانوا يقودون المتظاهرات، ويلهمون الناس بالشعارات، المتعلقة بالحرية والكرامة والديموقراطية.
هكذا كان نصيب مئات الناشطين القتل برصاص القناصة أو بهراوات الشبيحة أو التعرض للاعتقال، أو دفعهم إلى الخروج من البلد، وهو ما حصل بقتل الناشط من داريا غياث مطر وعديد من قادة المتظاهرات في دمشق وحلب وحمص وحماه ودرعا واللاذقية والرستن، وباعتقال كثر من أمثال مازن درويش (رئيس المركز السوري للإعلام وحرية التعبير)، والكاتب علي الشهابي، وبإجبار مئات من النشطاء للخروج الى المنافي.
في هذا الإطار، فقد اضطلعت الأنشطة الإعلامية بدور متميّز، إن في مواجهتها حال الانكار، والحجب، والتشويه، التي حاول فيها النظام محاربة الثورة، أو في سعيها لكسر حاجز الخوف، وإشاعة مظاهر التمرد والعصيان، بغرض تحرير الوعي الشعبي، والمجال العام، من احتلال النظام. وفي هذين الحالين استطاعت الثورة، لأول مرة، فتح الفضاء العام أمام السوريين، من خلال مناخ الحرية الذي أتاحته، وأيضاً من خلال هذه الورشة الهائلة والمدهشة للأنشطة الإعلامية التي حفلت بها، والتي انخرط فيها كتاب وفنانون ومصورون، مع أخذنا في الاعتبار الظروف الصعبة التي اشتغلوا فيها، في وضع كان فيه فيلم الفيديو على موبايل، يعرض صاحبه للقتل أو للإعتقال، وفي وضع كان فيه أي شخص يلتقط صورة، أو يرسل بريدا الكترونيا، كأنه يقوم بعملية انتحارية.
بالمحصلة، فقد اضطلعت مجموعة من الشباب الشجعان والرائعين، الذين يتوقون للخلاص والحرية، في سوريا مغايرة، بدور هو في غاية الأهمية، يتمثل بخلق التواصل بين السوريين، وفيما بينهم وبين العالم، في تحد لكل حواجز النظام العسكرية وأجهزته الاستخباراتية، وخبراته في القمع والحجب والتورية والتزييف والتلفيق.
والحال، ففي معمعان الثورة، نشط هؤلاء الشباب على شبكات التواصل الاجتماعي لسد الفراغ المتعلق بغياب التشكيلات السياسية، وبإنشاء التنسيقيات، والمواقع الإعلامية على الشبكة العنكبوتية، وتم انشاء بعض اذاعات FM، وثمة تجارب أقل لمحطات تلفزيونية.
ولعل التجربة الأكثر تمايزاً وإدهاشاً، من وجهة نظري، تمثلت في إصدار الصحف والمجلات، التي عرفت السوريين على كتابات جديدة، لكتاب شباب لم يكونوا معروفين من قبل، يطرحون أسئلة من خارج الصناديق المعروفة والمعهودة. وكانت تلك مفارقة لافتة حقاً، فسوريا التي كانت فقيرة في الصحافة، والتي ظلت لعقود مقتصرة على ثلاثة صحف تشبه بعضها البعض (تشرين والبعث والثورة)، مع صحف محلية لبعض المدن، والتي كان كتابها، غير المحسوبين على النظام، يجدون متنفساً لهم في الصحافة اللبنانية والخليجية، باتت فجأة تعجّ بالحياة الصحفية ومليئة بالصحف والمجلات.
ولعل المقارنة في العمل الصحافي ما قبل وما بعد الثورة تبيّن الفارق الكمي والنوعي بين الحالين، وتبيّن كم كان السوريون يفتقدون لحرية التعبير، وللرأي الآخر، وتبين كم تم تضييع مواهب وطاقات لأجيال من الشباب في العقود الماضية، بسب نظام الاستبداد.
هكذا، ففي غضون هذه الثورة، تعرّفنا على إعلام آخر، يضجّ بالحرية، وعلى شباب مليء بالحماسة، وبالنضج السياسي، وبالأسئلة الفكرية، حتى عناوين هذه المجلات والصحف بدت لافتة وجميلة ومعبرة. ففي غضون هذه الفترة، من عمر الثورة، بتنا أمام صحف ومجلات من مثل: «طلعنا عالحرية»، و(سوريا بدها حرية)و(شرارة آذار)، و(أوكسجين)، و(جسر) و(البديل)، و(ثوري أنا)، أو مثل (حنطة)، و(زيتون)، و(عنب بلدي)، و(ياسمين)، ثمة أيضا (شام) و(سوريتنا)، و(دمشق)، و(زمان الوصل)، و(تواصل)، و(عهد الشام) و(ضوضاء)، و(عين المدينة)، و(الغربال)، و(صدى الشام)، و(تمدن)، و(المسار الحر)، و(ولات)، و(صور)، و(بناة المستقبل)، و(طيارة ورق) (للأطفال).
كما يجدر التنويه إلى وجود مراكز دراسات، صدر عنها مؤلفات متميزة عن الواقع السوري، مثل (مجموعة الجمهورية للدراسات)، و(المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية)، و(مركز المجتمع المدني والديمقراطية)، و(مركز دراسات الجمهورية الديموقراطية). (مع الاعتذار عن أي سهو).
هذا واحد من أوجه الثورة السورية، المستحيلة واليتيمة والمدهشة، يستحق التقدير، ويؤكد بأنها ثورة ولّادة وواعدة، رغم كل ما ينجم عنها من تداعيات، وما يحيط بها من مشكلات، وما تواجهه من تحديات.

برومو الشهيد ناجي الجرف