جرن حنطة

الأصوليات الإسلامية والفكر الديمقراطي في الثورة السورية

 

الأصوليات الإسلامية والفكر الديمقراطي في الثورة السورية

جمال الجميلي

 

الأصوليات الإسلامية والفكر الديمقراطي في الثورة السورية
الأصوليات الإسلامية والفكر الديمقراطي في الثورة السورية

الأصولية الإسلامية السياسية، بالتعريف العام، هي اصطلاح سياسي فكري مستحدث، تشكل وتطور ضمن سياقات تاريخية متغيرة، ويشير إلى نظرة متكاملة للحياة بكافة جوانبها السياسية والاجتماعية، والاقتصادية والثقافية، وتمثل الأصولية الإسلامية، تعبيرا تاريخيا عن واقع سياسي واجتماعي واقتصادي مأزوم، وهي نتيجة تفاعل بين عدة عوامل داخلية وخارجية، عبرت عن نفسها بالرجوع إلى فترة تاريخية من الماضي، ساد فيها الأمان السياسي والاجتماعي والمعيشي، ووجدت في ذلك الماضي نموذجا للمستقبل، وحلم يصور الماضي على أنه الحقيقة الثابتة والمكتملة، ويبني الحاضر على أساس من هذا التصور الشمولي والكلي، الذي يؤمثل نماذج ومفاهيم ومقولات من الماضي، ليشكل منظومة من القناعات المغلقة الراسخة والمتأصلة بالنفس والعقل.
تتألف عناصر الأصولية الاسلامية التي تقوم عليها الجماعة الدينية من:
الإيمان بالوحي كمصدر أساسي، وهو مرجعية النص، والاعتقاد الراسخ بالنص كحقيقة مطلقة ثابتة ويقينية لا تتغير ولا تتبدل، واعتبار النموذج النبوي وبعض من الصحابة والتابعين، نموذجا للعمل والسلوك المحدد بقواعد متينة ثابتة، يرجع مصدرها إلى النص والحديث، بالإضافة إلى عناصر أخرى تتفرع عن العناصر الأساسية، وتختلف نتيجة للاختلاف في بنية التشكيلات الاجتماعية والثقافية للجماعة أو المجتمع (تنوع المذاهب والاجتهادات)، وفي أن هناك حدودا وفواصل بين الأصوليات الإسلامية، يتجلى في اتخاذ هذه الأصوليات أشكال التعبير عن نفسها ورؤيتها للعالم و الآخر، وطرق عملها،مما يشير إلى أن هناك تمايزا في الشكل بين الأصوليات الاسلامية السياسية، من حيث العمل ووسائل التطبي، رغم أن المحمول الفكري واحد (النص – الشريعة ) والغاية (الدولة الإسلامية).
كما نجد أن التمظهر العقيدي للأصوليات الإسلامية بأنواعها واحد بالأساس (الوحي – النص – النموذج النبوي والصحابي هي عناصرأساسية مشتركة، بين ما سمي أصوليين معتدلين، وآخرين متطرفين تجمعهم مقولات مُؤمثلة، وفكر متعال لكنه راسخ بالنفوس والعقول،كحقائق غير قابلة للدحض والتغير، وسلوك تشريعي سياسي مصدره مبدأ الحاكمية لله وحده).
ويتخذ الإيمان الديني في الأصولية صفة القانون الملزم، فهم يرفضون مبدأ الحاكمية الشعبية، والسيادة الشعبية، وحتى المعتدلون منهم،  يزاوجون بين مفهوم الديموقراطية والشورى، وتظل الديمقراطية لديهم مجرد لعبة سياسية أي (صندوق اقتراع) للوصول للسلطة، معتمدين على مفهوم الأغلبية الدينية للجماعة، وحتى الاجتهاد محدود بضوابط رسمها النص والحديث للعقل المجتهد، وأي تجاوز هو خروج عن العناصر السابقة غير مسموح به.
اعتمادا على هذه المقدمة النظرية الموجزة، بقدر ما يسمح به حيز الورقة المقدمة، نجد أننا أمام تقاطعات وافتراقات، بين الأصوليات الإسلامية السياسية المتواجدة  في الوطن السوري، واذا ما اتفقنا أن لكل أصولية إسلامية، وسائلها وأدواتها العنيفة الشديدة، أو السلمية الدعوية، للوصول إلى الغاية الأولى والأخيرة في تطبيق الشريعة وإقامة الدولة الإسلامية، نستطيع أن نقرأ شكل وطبيعة الصراع القائم بينها دون أن يغيب عن بالنا أن الأصوليات الإسلامية الراديكالية تتشكل في كلا المذهبين السني والشيعي، فمن حيث التوجه السياسي والاجتماعي، يحاول كل مذهب نشر أفكاره وسيطرته على فضاء جغرافي، وإقامة دولته الدينية والمذهبية، تحت شعار واسع هو الدولة الإسلامية، أو الجمهورية الإسلامية، ساعياً كل اتجاه مذهبي إلى استقطاب الشعور الديني، واستفزاز الذات الاسلامية المجروحة التي تحمل في اللاوعي الديني شرخها التاريخي القديم بين كلا المذهبين.
إن توضيح بعض النقاط النظرية، وكذلك التعرض لبعض المسائل التي من المحرم الاقتراب منها، هو ضرورة معرفية، ويعود ذلك لسببين: أولا لا يجوز التحدث عن القضايا الدينية باعتبارها مقدسات،ولا يسمح بالنظر إليها بعيون وعقول مفتوحة، مع العلم أن تلمسي لهذه القضايا النظرية هو شرح للأسس الفكرية والقناعات التي ترتكز عليها الأصوليات الإسلامية، دون الدخول في تفاصيل هذه القناعات، وكيفية استثمارها في الثورة السورية.
ثانيا: لأن الكثير من اليساريين والقوميين وحتى الليبراليين، وبسبب ثقافتنا وشعاراتنا الديماغوجية التقدمية الهشة والسطحية، يتصورون أننا تجاوزنا الماضي، لأننا ماركسيون أو قوميون أو ليبراليون، لكن الواقع القائم على الأرض السورية، أثبت ضعف فهمنا ورداءة قراءتنا، إن عدم مواجهة المشروع الأصولي الإسلامي السياسي، بمشروع وطني ديمقراطي علماني يؤسس لحالة من الفهم الجديد للوطن والمواطن، أخذ الثورة إلى مناخات بعيدة، عن المشروع الوطني الديموقراطي لبناء الدولة القانونية الحديثة.
بالعودة الى الأرض السورية، وحالة الصراع القائم بين الحركات الاسلامية الأصولية، أولاً: القتال بين الحركات الأصولية الإسلامية من كلا المذهبين، نرى أن الحالة العنفية والتكفيرية هي السائدة بين المتقاتلين بين الطرفين، وليس هناك فرق في الوسائل القتالية العنيفة والشاذة المستخدمة، وهذا ما عملت عليه واستثمرته أجهزة النظام الأسدي بامتياز، مستغلة الحالة الاسلامية للمجتمع السوري، وقد اتخذ النظام الاسدي ذو الطبيعة المذهبية وجماهيره الرعاعية، شكلا مذهبيا مستغلاً بخبث سياسي ووقاحة طائفية، كل أشكال التعاطف المذهبي معه، مستقطباً جماعة دينية على أخرى، محولا الصراع مع المجتمع إلى صراع مذهبي، مفتوح على الخراب والدمار للوطن والإنسان، مما أدى إلى انحراف الثورة والحراك الاجتماعي المدني عن المسار الأساسي والمطالب الأساسية في الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان. لقد استطاع النظام الأسدي نقل الصراع بينه وبين المجتمع من مفهوم المقاومة الشعبية إلى مفهوم الجهاد الديني، مما سمح بدخول المجتمع بحالة من الهذيان الديني، وسمح باستقطاب المقاتلين من كلا الطرفي، مما أضعف وقضى على الحالة المدنية للمجتمع السوري والثورة السورية .
ثانياً: أخطر أشكال  الصراع والاقتتال هي  بين الأصوليات الإسلامية من أصحاب الاتجاه المذهبي الواحد، المعادي للنظام الأسدي، رغم محاولة هذه الحركات تشكيل ما يسمى جبهات إسلامية، تجمع عدة فصائل مقاتلة تحت تسميات مختلفة، إلا أن تعدد هذه الجبهات وتنوع مصادر دعمها وتمويلها، بالإضافة لطبيعة التشكيل الاجتماعي والذهني والعشائري أو المناطقي لبعض الفصائل المنضوية تحت لواء هذه الجبهات، وكذلك وجود فصائل وكتائب عديدة ما زالت منفصلة عن الجبهات المتعددة، والجميع يستند إلى مفهوم الجهاد والغزوة والغنيمة، الذي يحكم الذهنية القتالية مما يتضمن الكثير من المخاطر، وتجلى ذلك في اقتتال الفصائل مع بعضها، واتهام بعضها البعض بالفساد والعمالة
إن انسحاب الفكر السياسي الديموقراطي العلماني من الساحة السياسية، أفسح المجال لفكر ماضوي منغلق، للسيطرة والتسيد والقيادة، وترك المجال للدول الإقليمية الحاملة لأجندتها السياسية الضيقة ومصالحها في السيطرة والاحتواء، وتحديد مسار الثورة.
ويحمل الكثير من المسؤولية السياسيون والمعارضون الديموقراطيون واليساريون والليبراليون والقوميون، الذين اعتبروا أن المهام قد أنجزت، برفع شعارات مضطربة ومشوشة ومهادنة للتيار الإسلامي، والتسابق فيما بينهم على مصاحبة الأصوليات الإسلامية، وتقديم خطاب سياسي يعلي من شأن الأصوليات،  ومحاولة إيجاد كل الوسائل المفهومية المغلوطة لتبرير سلوكهم، معللين ذلك بحجج متعددة، على سبيل المثال لا الحصر (عدم اقصاء الآخر)، بينما هم يخشون من إقصاء أنفسهم، لتناسيهم مشروعهم الديموقراطي العلماني، لاهثين وراء منافعهم السهلة وامتيازاتهم القادمة حسب تصورهم، ومثال آخر: مفهوم العلمانية، اختفى هذا المفهوم من الفكر والخطاب السياسي، وأصبح شتيمة وتهمة معيبة، رغم أن العلاقة بين الديموقراطية والعلمانية، هي ضرورة موضوعية وليست منطقية، والديموقراطية بدون العلمانية هي دمقراطية هشة وعجراء، والعلمانية دون الديموقراطية هي عماء واستبداد، ومثال آخر في عدم رغبتهم أو قدرتهم على التفريق بين مفهوم الدولة الإلحادية المرفوض بالمطلق، والدولة العلمانية، مما أضعف من مفهوم الدولة الحديثة القانونية، ومثال آخر: عدم التمييز بين المجتمع الديني، والمجتمع المتدين، وكذلك الحديث عن التجربة التركية على أنها نموذج يحتذى متناسين أن الدستور التركي ينص وبشكل واضح في مقدمته على أن (الجمهورية التركية دولة ديموقراطية علمانية) وأن العسكر التركي قبل المرحلة السياسية الديموقراطية القريبة لتركيا، يختلف في بنيته الاجتماعية والذهنية ونشأته التاريخية،  وسلوكياته المنضبطة وعلاقاته الخارجية، عن العسكر الأسدي في تكوينه الطائفي وذهنيته المتصدعة ونشأته المخابراتية، وسلوكياته الأمنية المنفلتة، والكثير من التمايزات الأخرى.. لكننا تعودنا أن نتلقف الشعارات والتسميات والمفاهيم دون سبر تاريخي،ومنهجية في البحث الفكري الاجتماعي والسياسي، مما أدى إلى إغلاق الحقل السياسي.
إن من ميزات الثورة السورية وفضائلها انكشاف القديم، وهو دليل يؤكد أهمية التحولات الاجتماعية والسياسية الجارية في المجتمع السوري، ويؤكد على أهمية مواجهة المشروع الأسدي التدميري، وكذلك مواجهة المشاريع الأصولية الإسلامية بكل أشكالها، بمشروع وطني سياسي ديموقراطي علماني، أسسه فكر حداثي يؤمن بالحرية وحقوق الإنسان كاملة دون انتقاص لكل السوريين، إسلاميين متدينين أو علمانيين أو يساريين أو ليبراليين أو قوميين، لكل واجباته ولكل حقوقه السورية المكفولة، بإقامة الدولة الديموقراطية العلمانية الحديثة.

 

برومو الشهيد ناجي الجرف