رحى

جدلية العسكرة والتنمية – الاقتصاد السوري أنموذجاً – حلقة (4)

 

جدلية العسكرة والتنمية – الاقتصاد السوري أنموذجاً – حلقة (4)

د.عبدالله الفراتي

جدلية العسكرة والتنمية – الاقتصاد السوري أنموذجاً – حلقة (4)
جدلية العسكرة والتنمية – الاقتصاد السوري أنموذجاً – حلقة (4)

كنا قد تناولنا في الحلقة الماضية تاريخ العسكرة في سوريا والتطور التاريخي لعسكرة الاقتصاد السوري وتطويعه لآلة الحرب على مدى عقود من الزمن، كما تناولنا بشيء من التفصيل الكلفة التقديرية للمجهود الحربي الذي أنفق في سبيل قمع الثورة،  وسنحاول في هذه الحلقة الأخيرة تسليط الضوء على الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها عسكرة الاقتصاد السوري على المجتمع وأفراده انطلاقاً من السنوات الثلاث الأخيرة التي شكلت عمر الثورة السورية .
بدءاً لا بد أن نتعرف على منحنى اقتصادي شهير يعالج هذا  الموضوع بالذات يسمى gun butter curve وهو يعبر عن علاقة عكسية تربط بين اختيارات الاقتصاد الوطني،  فهي تصور الاقتصاد على مفترق طريقين،  إما أن ينتج الزبدة (وهي تعبير عن التنمية والإعمار) أو أن ينتج السلاح ( وهو تعبير عن المجهود الحربي )،  ولذا فإن إنتاج أحدهما سيعني بالضرورة التوقف عن إنتاج الآخر،  أو تخفيضه على الأقل.. بإسقاط هذا المعنى على واقع الاقتصاد السوري بعد ثلاثة أعوام من الثورة، سنجد دون كثير من العناء والتدقيق، أن آلة العسكرة الهمجية قد أذابت كل الزبدة المتراكمة عبر عقود من التنمية المتواضعة أصلا،  وحولت الاقتصاد السوري إلى اقتصاد حربي يقوم بالحرب ويخدمها متربعاً على بحار من «الزبدة الذائبة».
يكفي أن نعلم أن ما يقارب ستة ملايين سوري عاطلون عن العمل نتيجة الحرب،  كما فقد قرابة المليون ونصف المليون أعمالهم للسبب ذاته وهؤلاء يعيلون ما لا يقل عن ستة ملايين شخص بين نساء وأطفال وشيوخ، أما الذين أسعفهم كثير من الحظ ووجدوا عملاً فسيجنون أجراً لا يتجاوز متوسطه 140 دولاراً أمريكياً في الشهر الواحد وهذا في أحسن الاحوال،  كما أشارت بعض الدراسات إلى أن معظم العاطلين عن العمل هم من ذوي التحصيل العلمي المتدني نسبياً فمعظمهم لا يحمل أكثر من شهادة ابتدائية أو ثانوية في أحسن الاحوال،  ولذا فلنا أن نتصور صعوبة إيجادهم لعمل، أو أن نتصور طبيعة ذلك العمل الممكن أن يعملوا فيه لو وجدوه، كما دخل مع بداية العام ما يقارب الأربعة ملايين سوري خط الفقر المعروف،  نصفهم في خطر الفقر الأشد، إضافة لنحو 44% من الشعب كانوا واقعين أساساً تحت خط الفقر مع بداية عام 2011،  فإذا ما أضفنا إلى ذلك معدلات التضخم العالية وغلاء المعيشة والارتفاع الجنوني للأسعار الذي عصف ويعصف بالاقتصاد السوري، نكون أمام كارثة صامتة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ذلك أن مؤشرات قوة العمل تعتبر المدخلات الأكثر أهمية في إجراء المقارنات وإعداد الخطط التنموية بآجالها المختلفة القصيرة والمتوسطة والطويلة المدى، في المجالات الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية على نحو سواء، وهو ما سيشكل مستقبلاً حجرة عثرة وعائقاً مباشراً يضاف إلى تكلفة التنمية وإعادة الإعمار .
بالرجوع إلى سجلات المكتب المركزي للإحصاء ونشراته المتعددة ومنذ بداية العام 2011 كان دخل المرأة السورية العاملة 15915 ليرة سورية، مقابل 13697 ل.س للرجل العامل، وبلغ متوسط دخل السوري 14069 ل.س عام 2011 علماً أن ما يقارب 300.000 شخص يدخلون في حسابات قمة العمل سنوياً منذ عام 2005،  ومعظمهم من الذكور، حيث تناقصت أعداد العاملات منذ ذلك التاريخ، وصولاً لبداية الثورة، وقد توزعت نسب العاملين حسب مسح المكتب المركزي للإحصاء (ووفقاً لأرقامه)بــــــ 4.4% أصحاب عمل، و29.8% يعملون لحسابهم و62.6% يعملون بأجر، و3.2% يعملون دون أجر. كما بينت دراسة أخرى أن متوسط مدة البحث عن العمل في سوريا هو 23 شهراً للإناث و19 شهراً للرجال وهم في معظمهم غير خاضعين لأي دورات تدريبية وذوي مستوى تعليمي منخفض نسبياً منهم 40% يستعينون بالأهل والأصدقاء فيما يلجأ 26% إلى مكاتب التشغيل وأكثر من 80% من المتعطلين يحبذون العمل في القطاع العام ونحو 13% منهم يعتبرون العمل الذي يوفر دخلا مرتفعاً هو الأنسب، وتتسم 56% من شواغر الشركات بأنها صعبة الملء لعدم توفر المهارات المناسبة في سوق العمل، وأقل من 33% من الشواغر يشغلها حديثو التخرج، كما يشير لذلك تقرير لـجمعية رجال وسيدات الأعمال السورية.
وهذا يعود بنا إلى البداية الخاطئة التي أنتجت لنا هذه النهاية الخاطئة، فالأساس يكمن في مدخلات العملية التعليمية ومخرجاتها، فالانفصال الواضح بين مخرجات العملية التعليمية الهزيلة أساساً، ومتطلبات سوق العمل المرتفعة نسبياً،  يطرح المزيد من التساؤل على التصريحات الكثيرة المتبجحة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية، على وجه الخصوص، فطوال عقد من الزمن صُمَّت آذاننا لكثرة ما أعلنت عن برامجها لتأهيل الموارد البشرية السورية، عبر اتفاقات دولية ومحلية وبميزانيات جاوزت مئات ملايين الليرات، لكنها لم تنعكس لا على حياة المجتمع السوري ولا على اقتصاده حتى،  مع استيفائها لآجالها مثبتة فشلها الذريع، ولا أدل على ذلك من مشروع قرض البطالة وتمويل المشروعات الصغيرة والتي كانت حبراً على ورق، وتسببت في هدر مليارات الملايين دون فائدة تذكر، في وقت ركزت الوزارة فيه عبر برامجها على القائمين بالأعمال المهنية والحرفية لرفع كفاءتهم الإنتاجية، في حين أهملت حملة الشهادات المتوسطة والجامعية، ما أفرز كتلة هجينة في قوة العمل تتميز بتعليم عالٍ وتعتمد أعمالاً ذات مجهود عضلي لا يتناسب وكفاءاتها العلمية، قد تضطر في بعض الأحيان أن تعمل لما يقارب 16 ساعة عمل كاملة يومياً. ووفقاً لتقرير أصدره المركز السوري لبحوث السياسات تناول خسائر الاقتصاد السوري جراء الأزمة لعام 2012 وحده، فقد ارتفعت نسبة البطالة وفقاً للتقديرات الأولية إلى ما يقارب الضعفين ونصفاً عن العام المنصرم، حيث سجل معدل البطالة 34.9% لعام 2012 مقابل 14.9% عام 2011.
وليس غريباً أن لا نجد تلك الأرقام والمؤشرات المخيفة في تقارير مؤسسات النظام وهيئاته الاقتصادية، فهي تعكف أساساً على تمجيد السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي ينتهجها النظام، وتجميل صورتها المشوهة، وابتكار الأعذار والمبررات للتدهور المتنامي للمستوى المعيشي للمواطن السوري، الذي لا يكاد يصدق أن المكتب المركزي للإحصاء لا يجد أن مستوى التضخم في الاقتصاد لا يتجاوز ال10% في حين سجلت معظم السلع ارتفاعاً لنحو 200% وقد بلغ في بعضها نحو 500%. نعم ليس ذلك غريباً في تقارير «اقتصادية» ليس بوسع معديها سوى تلقي المؤشرات والبيانات، لا من واقع الاقتصاد والقطاعات الاقتصادية بل من «أقبية التنمية» وفروع «الأمن الاقتصادي»!.
وليس في وسع أي اقتصاد في العالم يعيش على وقع الأعمال العسكرية اليومية والقصف الجوي والصاروخي على مدار الساعة، ألا يصاب بالشلل الوظيفي ويصل لحالة الإنكار لكونه اقتصاداً، فإغلاق أو تدمير آلاف المعامل والمنشآت الاقتصادية نتيجة الحرب، ألقى بمئات آلاف السوريين خارج نطاق الخدمة، وجفف مصدر دخلهم الوحيد رافعاً نسبة البطالة إلى نحو 50%، وقارعاً لجرس إنذار غاية في الخطورة مفاده أن نسبة التوظيف للخريجين الجدد ستكون 0% وبكلام آخر فإن نسبة 100% من قوة العمل الشابة الوافدة حديثاً إلى سوق العمل، ستكون خارج الخدمة، ما ينذر بجيل من الضياع ويشكل تهديداً مباشراً للنسيج الاجتماعي السوري الذي سيكون سوريا القريبة.
من جهة أخرى فقد سجل العجز في الميزان التجاري بين الصادرات والواردات رقماً من نوع آخر خلال عمر الثورة، فمن المعلوم للاقتصاديين أن عجز الميزان كان نحو ثلاثة مليارات دولار قبل الثورة، حيث كانت نسبة الواردات تفوق الصادرات بنحو 35% وكان يعوض ذلك العجز من خلال ارتفاع أسعار النفط بما يدخل للموازنة رقماً قريباً من ذلك الرقم، فيتبجح عندها النظام اقتصادياً بميزان تجاري يسميه «رابحاً»، لكن مع بداية الثورة وتضاعف الإنفاق العسكري والعقوبات الاقتصادية التي أفقدت النظام أسواقه الرئيسة في أوربا الغربية على وجه الخصوص، كان لا بد من تغير تلك التوليفة التجارية، فانتقلت الدول المستوردة من سوريا إلى طرف الدول المصدرة لها، وتعتبر إيران في ذلك استثناءاً وحيداً لسباب معروفة للجميع، ما جعل العجز التجاري يفوق أرقام الاستقرار بأضعاف .
وأما بالنسبة لميزان المدفوعات فيكفي أن نعلم أن النظام قد منع أي نشرة رسمية تحدد واقع الاستيراد والتصدير من عام 2011، وهو ما يشي برقم سلبي خطير، أشار إليه مركز بحوث الدراسات في دراسة قدرت عجز ميزان المدفوعات بنحو 16 مليار دولار، مولها مباشرة احتياطي القطع الأجنبي لدى المصرف المركزي، في حين يرى آخرون أن عجز ميزان المدفوعات وفقاً لهذا الرقم يبلغ 29% من إجمالي الناتج المحلي، خصوصاً مع توقف النفط، وشلل الحركة الصناعية والتجارية،  وتراجع الاقتصاد عموماً وأن العجز لم يغط بالاحتياطي الأجنبي بل بالطرق الأكثر سهولة من خلال طباعة العملة، يضاف إلى ذلك وجود قرض إيراني بـ 5 مليارات شكل لوحده ما يقارب 9% من الناتج المحلي الإجمالي، دون ذكر أي تفاصيل حول العقد، وما يجعل البلاد في طريق مفتوح نحو رقم قياسي لخدمة الدين العام الذي تخطى حاجز الـ 35% وهو معيار صندوق النقد الدولي منذ زمن بعيد .
والغريب أن المستفيد الوحيد في تلك الفروقات في الأسعار وكل تلك التطورات الاقتصادية والاجتماعية السلبية هو النظام نفسه، حيث بقي بمنأى عن مآسي الشعب الذي أخذ يعاني الأمرين فقط لتحصيل لقمة العيش بل حتى لتحصيل نصفها في ظل التضخم الذي قارب نسبة الـ 50%، وانهيار قيمة الليرة السورية، حتى سجل الدولار أكثر من 143 ليرة، قياساً بـ 45 ليرة قبل الثورة، ولا يقف النظام عند هذا الحد بل يتعدى إلى مخزونات القطع الأجنبي ومدخرات الشعب الخاصة التي تمر عبر أجهزته الحكومية، فلا أدل على ذلك من إجراء اتخذه مصرف سوريا المركزي في 23/5/2013، يطلب بمقتضاه من البنوك وشركات الصرافة المعتمدة، صرف كافة التحويلات الأجنبية للسوريين من خارج سوريا، بالليرة السورية حرصاً منه على رصيده من القطع الأجنبي، والكارثة أن عملية الصرف تتم بالسعر الرسمي للدولار الذي يعلن عنه المركزي، ولذا فإن الفرق يخسره المواطن البائس بين سعر المركزي وسعر السوق، وليس ذلك سوى سرقة منظمة تتم عبر شبابيك بلورية وبربطات عنق ،بدلاً أن ينشل ذاك المال في عرض الطريق .
لها الله تلك الثورة وله الله ذاك الشعب الذي بقي بصموده الرقم الوحيد الثابت في كل تلك المعادلات المتغيرة .

برومو الشهيد ناجي الجرف