خميرة

فيلم (على الطريق)حين تراجع السينما ثورات الجيل الأدبي..

 

فيلم (على الطريق)حين تراجع السينما ثورات الجيل الأدبي..

علي سفر

لقطة من الفيلم البرازيلي على الطريق
لقطة من الفيلم البرازيلي على الطريق

ليست المشكلة في أن يختار قارئ الفيلم تصنيفاً محدداً لما يشاهده، بل المشكلة في أن يقوم بقسر الفيلم لكي يطابق القالب..، ولعل أهم الخلاصات التي يجنيها قارئ الفيلم من مماحكة الأفكار المبثوثة في الأفلام، تتجلى في أن تكون علاقته مع الفيلم هي علاقة مطابقة بين الذات وبين الخطاب، فأن يجد المشاهد ذاته في فيلم يتحدث عن جيل سابق على سبيل المثال، لهو أمر أهم بكثير من أن يستطيع تعليبه ذهنياً وتصنفيه ضمن النوع، وبالتالي رميه في خزانات الذاكرة.
فيلم (على الطريق on the road) للمخرج البرازيلي (والتر سالس Walter Salles) والذي تم عرضه في الصالات في العام 2012، أنموذج لهذه المعادلة، فالفيلم المأخوذ عن رواية (جاك كيرواك  Jack Kerouac) (١٩٢٢-١٩٦٩) واسعة الانتشار (على الطريق) (1) يستدعي تصنيفه مباشرةً من خلال عنوانه، فهو من نوعية أفلام الطريق (Road movie) ولكنه ضمنياً، إنما هو فيلم يتحدث عن جيل أدبي كامل ساهم في تغيير الواقع الأدبي الأمريكي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية هو جيل الشعراء الغاضبين أو السعداء (Beat Generation) وقد تعددت ترجمات المصطلح إلى اللغة العربية، غير أن ما يحتويه مضمون الظاهرة يتجاوز التوقف عند الاسم بحد ذاته، ليصل إلى جوهر فعل اللغة حين تعبر عن تفجرات جيل بأكمله، أراد أفراده أن يتمردوا على السلطات الأخلاقية المهيمنة على حياتهم، فكان أن اختاروا طرائق تعبير مختلفة، تم استنباطها عبر استخلاصات غريبة من تجارب حياتية غير عادية..
يتحدث الفيلم كما رواية جاك كيرواك في نسختها الأصلية عن علاقة تربط بين شابين هما الراوي سال برادايس (سام ريلي Sam Riley) ودين مورياتي (جاريت هودلند Garrett Hedlund)، الذين يبحثان في التجربة الحياتية عن الحكمة التي تؤدي إلى الشعر، وقد اختارا أن يغامرا في التجوال عبر الطرق الأمريكية من الشاطئ الشرقي إلى الغربي، دون أن يكون السفر غاية بحد ذاته، بل إن عبور الطرقات الواسعة الامتداد، كان عبوراً بين وقائع تحيط بالذوات البشرية التي يشكلونها والتي يعاطون معها، ولهذا فإن الحقيقة التي تلهم الجميع هنا، تكمن في العبور من التعاسة إلى السعادة، ومن الحزن إلى الفرح، ومن الاستكانة للواقع إلى التمرد عليه، ومحاولة تدمير عبر استخدام المتعة الجسدية بكافة أشكالها، من أجل الوصول إلى عالم خيالي مختلف..، هنا يتخذ المسار السردي وقائع وتفاصيل حياة دين مورياتي مادةً له، فهو المتمرد الذي نشأ سارقاً للسيارات، عابثاً ماجناً، غير مرتبط بأيٍ من القيم المتفق عليها، فهو متمرد على العلاقات الأسرية، يبحث عن الحب حتى وإن أضطر في سبيل ذلك إلى إحداث أذية نفسية لمن يحب، ولهذا نراه يتنقل بين امرأتين هما ماري لو (كريستن ستيورات Kristen Stewart)، وكاميل (كريستن دنست Kirsten Dunst)، وحتى حين يصبح لديه أسرة وأطفال أنجبتهما هذه الأخيرة فإن توقه للخروج من القوقعة التي يفرضها الزواج، يعيده مرة أخرى إلى الطريق، بينما يقوم سال الذي يرتبط بعلاقة أسرية أقوى، بتدوين كل التفاصيل التي يمر بها مع صديقه في تجوالهما الكبير طيلة سنوات طوال، عبرا فيها الولايات المتحدة من شرقها إلى غربها وبالعكس عدة مرات، وصولاً إلى زيارتهما للمكسيك، حيث يتعرفان على «جنة» أرضية قوامها الجنس وتدخين الماريجوانا، وهناك حيث يصاب سال بالحمى، يقوم دين بتركه بعد تلقيه لرسالة من كاميل تدعوه فيها للعودة إلى حضن الأسرة، فتحدث القطيعة بينهما، ولتنتهي الحكاية بلقاء سريع في نيويورك، تتوضح من خلاله مصائر الشخصيتين، حيث يبقى دين عابراً في الشوارع بين عشيقاته وتشرده وبحثه عن أبيه المفقود، وكذلك يذهب سال لتدوين تجربته الطويلة مع دين ورفاقهما الآخرين في رواية سيكتبها في عشرين يوماً بعد أن جمع تفاصيلها على عشرات الدفاتر الصغيرة.
رواية جاك كيرواك والتي مازالت راهنةً لدى الكثيرين من جمهور القراء، كانت في الحقيقة تدوين كتبه المؤلف عن تجربته الحياتية مع جيل من الشعراء الذين تكرسوا لاحقاً ضمن الفضاء الأدبي الأمريكي والعالمي تحت اسم (شعراء البت Beat Generation) وقد نمت في سنوات 1950 و1960، فسال هو كيروك ذاته، ودين مورياتي هو نيل كاسيدي، الشخصية الملهمة للجيل كله، والذي تحول إلى أيقونة قوامها التمرد، بينما تظهر الشخصيات الأخرى كالشاعر ألن غنسنبرغ تحت اسم كارلو ماركس (أدى شخصيته في الفيلم الممثل توم ستريدج Tom Sturridge)، وهو الذي يجمع في البداية بين الشخصيتين، وكذلك الكاتب وليم بوروز تحت اسم بول لي (أدى شخصيته في الفيلم الممثل فيغو مورتنسن Viggo Mortensen ) وقد بقيت الرواية حاضرةً بوصفها مادةً إبداعيةً قوامها المغامرة في التمرد، ولعل هذا القوام قد جعلها ملهمةً لأجيال متعددة، لم تتمثل أو تكرر تجربة (شعراء البت) ذاتها، بل تمثلت جوهر حركتها وأدواتها، والتي تتماثل مع ما شهدته الحركات الإبداعية الأوروبية أيضاً في مرحلة النصف الأول من القرن العشرين، والتي يتجلى أفرادها كملهمين لشخصيات الرواية، ولاسيما منهم الروائي الفرنسي (مارسيل بروست Marcel Proust)، والذي تتداول الشخصيات كتابه (البحث عن الزمن المفقود – الطريق إلى سوان) قراءةً وإلهاماً..
أثر الرواية على الأجيال دفع بالمخرج فرنسيس فورد كوبولا لأن يشتري حقوق تحويلها من الورق إلى الشاشة الكبيرة في العام 1980، بمبلغ بسيط (95 الف دولار) مبقياً على المشروع في أدراجه، وصولاً إلى السنوات الأخيرة حيث تشارك مع المخرج والتر سالس الذي كان قد بدأ العمل على هذا الفيلم قبل 8 سنوات، فقد أخرج سابقاً فيلماً وثائقياً تحت عنوان (البحث عن «على الطريق»Looking for On the Road). وقد تحدث سالس للصحافة عن المشروع فقال: «إمكانية اقتباس الرواية كانت معقدة ولهذا أردت إخراج فيلم وثائقي متتبعاً الطرق التي سلكها كيرواك وبقية عناصر الشلة، كي أفهم بشكل أفضل تلك الأوديسة التي وصفها في الكتاب، وما تبقى منها في أميركا ما بعد العصر الصناعي». وقد بدا واضحاً ومنذ بداية الفيلم اشتغال سالس على التفاصيل المرتبطة بفكرة الطريق، فالتجوال، سيراً على الأقدام، وكذلك عبور الطرقات السريعة باستخدام السيارات الشاحنة الزراعية، وعبر السيارات القديمة، شكل الملمح الرئيس في مشاهد الفيلم، حيث تتالى الطُرقات مترافقةً مع كلام الراوي الذي يتأرجح بين المقطوعات السردية الموصفة للحدث وللمشاعر، وبين المقاطع الشعرية التي تحمل نبض الإنسان الذي يعيش فاقداً للثبات في المكان، وكأنه قد كتب عليه أن يخلق عابراً بين الأمكنة..
وهنا نتوقف كمشاهدين عند كثرة التفاصيل في السياق، والتي جعلت من طول الفيلم أمراً ملفتاً (124 دقيقة) دون أن تكون مملةً، وهي تحدث التراكم لدى المشاهد، وهو يراقب الجماعة الشعرية، وهي تخوض في منحدرات ومرتفعات ذواتها، متتبعةً خيوطاً حياتيةً أثيرية، تقودها إلى الشعر، وإلى الحب، وإلى البحث عن شكلٍ مختلف للإنسان الذي بدأ يفقد روحه في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لصالح النهوض الصناعي..
لقد أنتجت هذه التفاصيل، التي يعيد الفيلم رسمها عبر استرسال الكاميرا عبر اللقطات العامة ملاحم شعرية، كرستها قصائد جيل بأكمله، قصائد كاتب توصف الأمكنة عبر رؤى الإنسان الصغير الذي يقف في مواجهة صلفها وطغيانها..، العلاقة هنا بين الكلمة وبين الصورة تتعدى المطابقةَ، لتتجه إلى محاولة التعبير المجازي، وهكذا تمر معنا على الطريق محاولات الجميع لأن يكتب قصيدته الذاتية، حتى وإن أخذت شكل عبور الطرقات بعريٍ كاملٍ، دون الالتفات إلى الأخلاق السائدة بوصفها، تعبير من تعبيرات طغيان المكان وقسوته.
ما يريد الفيلم أن يأخذنا إليه يتحقق عبر الاستمتاع بالتفاصيل وبمغامرات الشخصيات، ولكنه من جهة ثانية يريد لنا أن نذهب إلى مراجعة الماضي، من أجل رؤية الطرائق التي مرت بها الجماعة الأدبية، وهي تحاول إثبات ذاتها، وإثبات تجربتها، وهنا نتذكر أن السينما قد حاولت العودة عدة مرات إلى قراءة هذه التجربة، والتي ربما كان أخرها محاولة المخرجان (روب ابستين Rob Epstein وجيفري فريدمان Jeffrey Friedman) مع الممثل (جيمس فرانكو James Franco) في العام 2010 تتبع جزءاً مهماً من سيرة الشاعر (ألن غنسنبرغ Allen Ginsberg) في فيلم ديكودراما حمل عنوان (عواءHowl) () وهو عنوان قصيدة غنسنبرغ التي أودت به إلى التعرض للمحاكمة بحجة تعرضه للأخلاق المجتمعية، عبر نشره لعقائد الشذوذ الجنسي، وتعاطي المخدرات وغير ذلك، والتي نجا منها بعد أن رأت المحكمة أن الشاعر يتحدث عن قضايا ملحةً في المجتمع وبالتالي فإنه لا يخالف القوانين..!
رحلة فيلم (على الطريق) تضعنا في صلب التعريف الأول للأفلام التي تحمل هذا العنوان العريض في إطاره العام، ولكنها في العمق تبدد الإطار لصالح قراءة ذاتية وعامة للتجربة الإبداعية، التي قررت ذات يوم لرحلتها أن تكون ثورةً ضد كل شيء حولها.
هوامش
1-ترجمت الرواية إلى العربية، على يد الشاعر الفلسطيني سامر أبو هواش، وتم إصدارها عن دار الجمل في العام 2007، ويجدر بنا ذكر أنه غداة عرض الفيلم نظّم «متحف الرسائل والمخطوطات» في باريس معرضاً مثيراً حول هذه الرواية يتضمّن مخطوطها الأصلي الذي شكّل البيان الأساسي لمجموعة «جيل البيت»، إلى جانب وثائق غزيرة تسمح بالتعرّف عن كثب على حياة كيرواك وبالتعمّق في طبيعة العلاقات التي ربطته برفاقه داخل المجموعة المذكورة. راجع مقالة أنطوان جوكي «أسرار جاك كيرواك الكاتب «الأسرع» الى الضوء»، جريدة الحياة، الجمعة ١ يونيو ٢٠١٢.
2-راجع مقالة الشاعر السوري فادي سعد  «فيلم «عواء»: عن القصيدة التي مجّدت خطيئة الشعر» حيث يقول: « يبدأ الفيلم بتصريح أوّل يحاول توضيح طبيعة العمل: «كلّ كلمة واردة في هذا الفيلم مُقتبَسة من حياة الأشخاص الحقيقيين. الفيلم بهذا المعنى وثائقي، لكن، من أيّ وجهة نظر أخرى، هو ليس كذلك». التوثيق مع الأداء الدرامي يمتزجان إذاً، لتقديم الحلّ الأمثل ربّما لاجتراح فيلم عن قصيدة. وقائع المحاكمة، المقابلة الصحافية مع غينسبرغ، الأحداث التاريخية، اعتمدَتْ جميعها على أرشيف من الوثائق والرسائل والصور الفوتوغرافية ومقابلات قديمة مع الشاعر. المعالجة الروائية جاءتْ لتمنح الفيلم تدفّقه البصري الدرامي الممتع منتقلاً بين محاور ثلاثة متشابكة. الأول مقابلة صحافية طويلة مع غينسبرغ (يمثّل دوره ببراعة جيمس فرانكو) مع مراسل صحافي لا نرى وجهه، يعرض فيها غينسبرغ آراءه ويعود عبرها (فلاش باك) إلى محطات رئيسيّة في حياته قبل وخلال كتابة «عواء». الثاني يدور حول وقائع محاكمة ناشر «عواء» لورنس فرلنغيتي، وهو المحور الأكثر درامية في الفيلم. الثالث، يحاول فيها الفيلم عرضَ مُعادل تخييلي للقصيدة، عبر ترجمة بصريّة من رسوم متحركة صمّمها الفنان إريك دروكر (الذي عمل سابقاً مع غينسبرغ)، حوّلَ فيها كلمات «عواء» إلى ملائكة تحترق وأجساد عارية ترتعش وأعضاء تناسلية وهياكل عظميّة وناطحات سحاب ممسوخة وحقن مورفين وشوارع رماديّة تحاول تمثيل الإحالات الشخصيّة والصور والأفكار والمدَنيّة الخانقة التي كتبَها غينسبرغ في قصيدته.»، جريدة السفير  25/02/2011.

برومو الشهيد ناجي الجرف