خميرة

الموسم المسرحي الدمشقي محاولات خجولة للخروج عن التقليدية

 

الموسم المسرحي الدمشقي محاولات خجولة للخروج عن التقليدية

طلال الهادي

مسرحية ألعاب السكون الأخيرة ‫(1)‬ ‫‬

مع استقرار السلطة السياسية في سوريا منذ بداية السبعينيات، وتحقيق أعلى درجة توافق بين الدستور والقوانين المفسرة له من زاوية العلاقة بين المؤسسات السلطوية (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، والسيطرة على قمة الهرم في الدولة واستنساخ هذه السيطرة حتى أصغر مؤسسةٍ إدارية وثقافية، وممارسة الفعل الاحتكاري في المؤسسات الحكومية ذاتها بحيث يقف خلفها جهازٌ إداري يحكمه نهج هذه العلاقات من حكم السلطة «التوجيه، التدخل الشامل، الاستخدام الإيديولوجي في اتجاه واحد، التضييق على الآخر، وصولا إلى إلغائه إذا ما استطاعت هذه المؤسسات إلى ذلك سبيلا»، ووضع العقبات الكثيرة لعدم نجاح الآخر للوصول إلى فعل ثقافي غير خاضع لهذه السيطرة، حيث بدا للكثيرين أنهم أمام معركة ثقافية من أجل إنتاج فعل ثقافي أو مسرحي أو سينمائي أو عمل درامي خارج هذه السيطرة.
هذه الوضعية بقيت قائمة قبل الثورة السورية في 18/3/2011، واستمرت المؤسسات الثقافية السورية في التعاطي مع الفعل الثقافي والمسرحي بالوضعية ذاتها، مع استمرار الثورة السورية، حيث أنتجت المؤسسة المسرحية السورية (مديرية المسارح والموسيقى) مواسم 2011، 2012، 2013، بذات العقلية، وهي تعتمد بشكل رسمي ومنهجي عدم وجود ثورةٍ في البلاد السورية، رغم خروج مناطق واسعةٍ من البلاد السورية عن سيطرة وهيمنة السلطة والجيش العربي السوري والمؤسسات الأمنية.
وإذا كان الدستور الجديد للبلاد قد أسقط المادة الثامنة من الدستور، وأنهى هيمنة الحزب الواحد على سوريا، فإنه بالمعنى الفعلي لم يجرِ أي تغيرٍ حقيقي في مؤسسات الدولة والمجتمع، ومنها المؤسسات الثقافية والمسرحية والسينمائية، لا بل عمد حزب البعث إلى تسجيل العديد من المؤسسات الإدارية والأبنية الحكومية باسم الحزب، على أنها ملكية خاصة للحزب وليس للدولة، لكي يتيح إمكانية الاستمرار بفعل السيطرة والهيمنة للمراحل اللاحقة في البلاد.
إن أزمة المسرح السوري تتحملها المؤسسات الرسمية السورية التي تقودها وزارة الثقافة، ومديرية المسارح والموسيقا والمسرح القومي، هذه المؤسسات التي ما زالت تعمل بقوانين العصور الوسطى وعقلية هيمنة الحزب الواحد، لذلك لم تر هذه المؤسسات في المسرح السوري سوى نشاط احتفالي تظاهري يسجل في تقارير دورية ثقافية، ويرفع إلى الحكومة حيث يكون معنياً الوزير بأن يقدم التقارير لها، وكذلك يفعل المدير المسؤول في مديرية المسارح، كما يفعل المدير الذي يليه في المسؤولية مثل «مدير المسرح القومي، مدير مسرح الطفل..»، وهكذا مضت وتمضي المؤسسات المسرحية السورية في دائرة مغلقة، وسلسلة لا نهاية لها من الأعمال الفوضوية غير المفيدة للشعب السوري، وإنما تكرس مراكز النفوذ التي تعمل بها المؤسسة الأمنية، و تصبح هذه المؤسسات إقطاعية للمدير وصاحب القرار.
في ظل هذه الأوضاع المستمرة من سنوات، ماذا نتوقع من المؤسسات المسرحية السورية أن تفعل بعد سنتين من اندلاع الثورة السورية؟ خصوصاً أنّ ما من تغيير في البناء الفوقي، ولا البناء التحتي للمؤسسات الثقافية والمسرحية السورية. حيث استمر الموسم المسرحي للعام 2013، كما جرت العادة تماما، باستثناء تغير في مواعيد عروض المسرحيات التي تقدم على المسارح الدمشقية في الساعة الثامنة، والسابعة للكبار، والخامسة مساءاً للصغار، لتصبح ما بين «12- 2» ما بعد الظهر، والخامسة مساءاً للكبار. ويمكن تقسيم الموسم المسرحي الدمشقي للعام 2013 إلى عروض مسرحية كلاسيكية: أبرزها «ألعاب السكون الأخيرة» للمخرج موسى أسود، والتي أعدها عن نص «نهاية اللعبة» لصموئيل بيكت مع مونودراما «ماجدة والمائدة» للكاتب البولوني اندجي ماليشكا، في محاولة للجمع بين لغة بيكت التي تتجه نحو السؤال الفلسفي، ولغة المونودراما التي تنحو باتجاه المزج بين الواقع والفنتازيا، وحافظ العرض على المضمون الفكري العبثي واللاجدوى والعدمية.
أما عرض «ليلي داخلي» للمخرج سامر محمد إسماعيل، المأخوذ عن نص «خطبة لاذعة ضد رجل جالس» للكاتب العالمي الكولومبي غبريل غارسيا ماركيز، فقد أعده الروائي السوري خليل صويلح، ويتناول الحياة اليومية التي يعيشها أناس الطبقة المترفة في ظل الأوضاع الراهنة، في حين أن العرض الذي أثار انتباه النقاد والصحافة هو «المرود والمكحلة» للكاتب المسرحي عدنان عودة والمخرج الشاب عروة العربي، ويقدم مذبحة الأرمن التي بدأت في العام 1917، في جبال أرارات على يد العثمانيين، لتتقاطع مع حكاية شاب سوري كردي يصادف أخته من أمه في ليلة من ليالي دمشق بعد سنوات طويلة. وتدور الأحداث في خمسة أماكن في سورية هي جدران البيوت الطينية في الرقة وحمص وخيام البدو في الجزيرة السورية وقوارب الصيادين في نهر الفرات وصولا إلى بيوت العاصمة دمشق على سفح جبل قاسيون. وكذلك قدم على مسرح الحمراء في دمشق عرض «تقاسيم على درب الآلام» نص وإخراج زيناتي قدسية، الذي يتناول حكاية إنسان مقدسي اسمه «فريد المقدسي» من القدس الشرقية، يعمل في بلدية القدس الغربية عند الكيان الصهيوني، حيث تعتقله المخابرات الإسرائيلية وتضعه تحت الإقامة الجبرية في محاولة لمعرفة مكنونات صدره عن دولة «إسرائيل»، بالإضافة إلى ذلك قدم الشاب المخرج كفاح الخوص عرضَي «بلاد ما فيها موت، وفي بار بشارع الحمرا» اللذان يعودان إلى دمشق في زمن ما قبل الثورة السورية عبر الخوض في أيام الزمن الجميل الدمشقي في لحظات السلم في الشام، وفي بار بشارع الحمرا يطرح قضية الهجرة من دمشق إلى بيروت نتيجة ما يحصل بالشام، وعمل هؤلاء الشباب في البار، وما يحدث من خيانة زوجية من قبل أحد أصدقاء الزوج.
كما قدمت مديرية المسارح أيضا عرضين راقصين، الأول «إنسان»، من تأليف وإخراج نورس برو، يقدم رؤى إنسانية مستمدة من الشارع السوري بشكل حديث ومعاصر لا تغيب عنها الثقافة السورية بغناها وتنوعها، وعيش مكونات الشعب السوري بمختلف مناطقه وتوجهاته، متخذاً من الإبهار الجسدي أساسا واضحاً لكل ما يعيشه الإنسان السوري.
والعرض الثاني الراقص «أبواب المجد» لفرقة أجيال للمسرح الراقص، من تأليف فادي منصور، وإخراج مشترك للفنانين مجد أحمد وباسل حمدان، ويتناول العرض أمنيات طفلة صغيرة تتمنى أن تزور أبواب الشام وأن يحل فيها الخير والسلام.
وفي مسرح الطفل، قدمت مديرية المسارح والموسيقا خمسة عروض هي «أرنوب» للمخرج عبد السلام بدوي و»الرهان الخاسر» للمخرج خوشنانف ظاظا، و»الزهرة القرمزية» للمخرج رشاد كوكش، و»التنين يبحث عن صديق» للمخرج عبد السلام بدوي.
قدم المعهد العالي للفنون المسرحية عرض «الكوميديا السوداء»، مشروع تخرج طلاب السنة الرابعة، بإشراف الفنان بسام كوسا عن نص للكاتب البريطاني(بيتر شافر) الذي كتبه عام 1956، ويتناول مدى زيف حياة الجنس البشري تحت وهم أنه كائن اجتماعي، بينما هو في الحقيقة يسعى بشكل لاهث لخدمة ذاته الأنانية، على كل القيم الإنسانية والمفاهيم التي تحكم علاقات الناس بعضهم ببعض.
أما العرض الذي كان مفاجأة الموسم، فقد جاء من خارج مديرية المسارح والموسيقا، وهو عرض «العودة إلى البيت»، وقدم في «برج الفردوس» للمخرج أسامة غنم والكاتب هارولد بنتر، ويتناول حياة شخصيات غرائبية تعيش تمزقات غير قابلة للترميم، وحياة مقطعة الأوصال، من خلال عميدها، الأب الذي يحاول استعادة سيطرة مفقودة على أبنائه.
أخيراً، فإن الموسم المسرحي السوري تراوح بين التقليدية التي تجري في كل موسم مسرحي، ومحاولات الخروج عن هذه التقليدية المؤسساتية المعروفة لدى المسرحيين السوريين. لكن هذه المحاولات في الخروج عن الموسم التقليدي بقيت خجولة نتيجة أن المؤسسة المسرحية السورية مازلت توجهها ذات العقلية التي تنتمي إلى مراكز النفوذ الرسمية.

برومو الشهيد ناجي الجرف