خميرة

عن دمشق حبة القلب

عن دمشق حبة القلب

محمد عيد ابراهيم

387854_3062900618404_1281458012_n

لو قلنا دمشق نردّد وجيب قلوبنا، لو غنينا دمشق فإننا ننشد دبيب أرجل العصافير فوق سطح نافذة وهي تصطاد حبة تطعم بها صغارها الجوعى، ولو أطلقنا قصائدنا في حبّ دمشق لارتدّت إلينا في شكل غزلان تصبو إلى الحنين وهي تحنو على بعضها البعض.
رحتُ دمشق مرات، وفي كلّ مرة كانت روحي العطشى تتألّق بمزيد من سغبها نحو إرواء جهلها بالمكان الذي يجعلنا نحسّ به مجهولاً كلّ مرة. دمشق بحواريها القديمة التي لا تبلى من عطرها، بشوارعها الجديدة التي تذكّرنا بضرورة الحياة على عجل، بنسائها الجميلات المتطلّعات إلى المستحيل، وشبابها المحمومين المتطلّعين إلى إنجاز آمال قد لا يفكّر أحد أصلاً في الحلم بها، بعجائزها ذوي التجاعيد الذين واللاتي لا يهدؤون في طلب الذكريات القادمة.
في سوريا عموماً حالات غامضة من الحنين، حالات مألوفة من اكتساب المعرفة، حالات ملتبسة من الحبّ، حالات قابلة للقراءة الدائمة أملاً في فضّ ما يصعُب على المرء أن يدركه.
حين تذهب في سوريا من شمالها لجنوبها، قد لا تستغرق ساعات معدودات، لكنها رحلة طويلة في التاريخ ومعاناة أطول في الجغرافيا، فللتاريخ نقول إنها بلد من بلدان، بلد في بلدان، بلد بعمر بلدان، بلد قد تقضي عمرك كله من دون أن تستطيع اجتياز حدود تاريخه. أما جغرافيته القلقة فهي لا تصيبك بالقلق، بل تسكنك في الحشايا فلا تستطيع لا فكاكاً، جغرافيا منحنية كأنها جسم امرأة حبيبة تحلم بإتيانها وليس بمقدورك إلا الحلم بها، الحلم بها على أمل أن تروي عظامك من مكنونها يوماً.
عفا الله عن دمشق، ورحم الله سوريا، مما بها من تعب، ومما بها من صراخ، ومما بها من دم. ليبارك الله سوريا، وأهالي سوريا، وفي القلب منها دمشق، دمشق حبة القلب، فهل يستغني امرؤ عن قلبه ذات يوم؟ سوريا الأمل تلوح في المستقبل، ودمشق طفلة تركض للحاق بما هو آت، وما هو آت مشرق قد لا يتوقّع أحد كلّ ما فيه من ألوان.

برومو الشهيد ناجي الجرف