رغيف كردي

سندويتش أمـل، كي لا نموت من اليأس

 

سندويتش أمـل، كي لا نموت من اليأس

أسامة أحمد

طفل سوري محاصر في مخيم اليرموك
طفل سوري محاصر في مخيم اليرموك

لم نرَ هذه المشاهد المروعة على الرغم من فداحة وهول ما رأيناه من قبل، إنها اكثر خطورة ودموية. مدن وقرى تسبح في بحور من الدم والدمار وتعود سنين الى الماضي، سراديب من الظلم والظلام تعشش فيها عفونة الاحقاد. أهرامات من الجثث تُقتَل بكافة طرق الموت، غذت انهاراً من دماء مواطني ما كان يسمى وطناً. أمسى الوطن مذبحاً لأبنائها .
إن لم أكن قتيلاً فأنا قاتل. لا يوجد خيار ثالث في زمن ضاعت فيه كل المحرمات أو نسيت. لم يعد الوطن يتسع لفكرتين أو لمذهبين. أصبح مسرحاً لأمراء وقادة غارقين في دماء أبنائه لدرجة الثمالة. ينطبق عليهم المثل الفرنسي «لم يتعلموا شيئاً ولم ينسوا شيئاً». لم يتعلموا شيئاً من تجاربهم ولم ينسوا أحقادهم. لا تتهمني بالمبالغة، ما ينقل عن وطني أقل مما يحصل فيه.
التوحش مبدأ لديهم والقتل وفنونه تسلية أو لعبة مقامرة على طاولاتهم.
لعبة القناصة، والهدف بطون الحوامل. نشرت وسائل إعلام بريطانية في الآونة الاخيرة، مقابلات مع جراح تطوع في العمل في سوريا قدم فيها روايات مرعبة عن قناصة «يلعبون لعبة فيما بينهم، بإطلاق رصاصهم على المدنيين، بما في ذلك الحوامل، من أجل الحصول على علبة سجائر، وقال الجراح البريطاني ديفيد نوت «كل النساء أصبن برصاصة في الرحم. لقد كان عملا مقصوداً. إنه جحيم ما بعده جحيم». وأوضح أنه في إحدى الحالات اخترقت رصاصة رأس الجنين. قناصة يقامرون على بطون الحوامل مقابل علبة سجائر. ثمن زهيد مقابل جنين في رحم أمه.
مشاهد من القرون الوسطى. اقتلاع للقلوب. إعدام طفل برئ. جلد. فتاوى دينية عن المأكل والملبس. إنهم يتدخلون حتى في ألوان ملابسنا وطريقة نومنا. خلافة إسلامية ودول وجمهوريات وإمارات باسم الإسلام ومن يعترض كافر. قوانين ومراسيم لم نعهدها من قبل. فنتازيا العنف لدينا تنتج وتخرج بعيدا عنا جغرافياً وفكرياً. لدينا ما يكفي من الاستوديوهات والكومبارس لننتج المزيد من المشاهد لهم.
وطني أمسى سرداباً للعالم يتسكع فيه كل طامح للدم والقتل، حيث بات بإمكان كل مجرم ممارسة هوايته بالطريقة التي يهواها.
لا تتهمني بالمبالغة. ما ينقل عن وطني اأقل مما يحصل.
مدن ومناطق محاصرة معاقبة بالجوع والحرمان. ريف دمشق.. كيف لدمشق أن تنسى خيرات ريفها وهي الآن تشاهد موت أبنائها من الجوع، وهي التي لم تبخل يوماً بخيراتها؟ فتاوى تحلل أكل لحوم القطط والكلاب، لم يبق لريف دمشق إلا القطط والكلاب.
كيف لسوريا أن تنسى خيرات جزيرتها وهي تشاهد نزوح وتشرد أبنائها من الحصار؟ محافظة الحسكة، الباحة الزراعية الخلفية لسوريا، التي تمدها سنويا بملايين الأطنان من المحاصيل الزراعية من الحبوب والأقطان. وملايين الدولارات من عائدات النفط التي تستخرج من أرض هذه الجزيرة. أبناؤها اليوم يقتاتون على ما يسد رمقهم في مخيمات الذل، أو يركبون قوارب الموت تلفهم أكفانٌ من أمواج البحر.
لكل حرب صورها وقصصها الخالدة. إنها تلك الصور التي باتت تستوطن في الذاكرة الجماعية، فعندما نستذكر مدينة حلبجة في إقليم كردستان العراق نستعيد صورة فتاة تصرخ وتركض من الألم بعد قصف الخردل والنابالم، وفي مجاعة السودان نستعيد صورة طفلة تزحف ببطء إلى الموت، فيما يتربص بها نسر ينتظر موتها. صورة فتاة بوسنية غلفها العار بعد اغتصابها من جيرانها..
هذه الصور وغيرها ساعدت كثيراً في جذب انتباه العالم وحثه على فعل شيء ما. وحدهم السوريون قليلو الحظ، إذ لم تنجح كل تلك الصور والمشاهد التي بنت مستوطنات في ذاكرتنا الجماعية في أن تحد من كلفة فاتورة الفوضى. صور التقطها ضحايا الفوضى نقلوها مع آلامهم. فهل من فسحة أمل تبعد عنا شبح الموت أم هيهات؟
صورة فتاة ضغيرة محمولة على الاكتاف تصرخ «يا الله انصرنا عليهم» سبق أن هتفت هذه الفتاة ضد النظام ولكنها في المظاهرة الأخيرة كانت تهتف ضد ظلمة آخرين. قادت هذه الفتاة مظاهرة ضد الدولة الإسلامية في العراق والشام. إنها نقطة مضيئة في زقاق الجاهلية. إنها سندويتش أمل كي لا نموت من اليأس .
صورة أناس يركضون في سباق بين الحرب والسلم، بين الحقد والمحبة، بين الأمل واليأس. في مدينة القامشلي في ماراتون للسلام أشعلوا مضمارا من النور في غابة من العتمة تعشش فيها طفيليات من الحقد، وجفت جذور أشجارها من اليأس والقهر، بخطواتهم الثابتة نحو السلام أعطونا سندويتش أمل كي لا نموت من اليأس.
هل ستسعفنا كاميراتنا الرقمية ببسكلاتها البدائية منها والمتطورة، في رصد جميع صور الألم، وأن تضيء كل صور الأمل في وطني، الذي في كل شارع فيه قصة وعند كل فرد حكاية.
هل لنا بمزيد الأمل كي لا نموت من اليأس أيضاً؟

برومو الشهيد ناجي الجرف