رغيف كردي

كفالة اليتيم ثورة بحد ذاتها

 

كفالة اليتيم ثورة بحد ذاتها

ولات أحمه

جراء النزاع المسلح في سوريا، على خلفية الاحتجاجات المناهضة للنظام السوري منذ منتصف آذار 2011، سقط الآلاف من الضحايا، بسبب اللجوء لاستخدام شتى أنواع الأسلحة الثقيلة ودك المدن وقصفها براً وجواً.
إن سقوط المدنيين يومياً جراء آلة القمع، وضع النسيج الاجتماعي السوري أمام مخاطر وعقبات، من تفكك الأسرة السورية وتشردها جراء وفاة الأب أو الوالدين معاً،  لتكون السبب الرئيس في ازدياد حالات اليُتم، تزامناً مع تعامٍ وتجاهل تام من قبل الجهات المختصة، التي لم تلتزم بواجبها الإنساني والقانوني بالشكل المنصوص عليه في جملة من الدساتير والمواثيق الدولية، فعانى الطفل السوري معاناة مزدوجة، كان له الأثر البالغ على محيط الطفل الأسري والاجتماعي والتربوي، مما جعله موضوع قابل للاستغلال مادياً وجنسياً وعسكرياً.
اليتيم الذي أوصت به الديانات والكتب السماوية وأخذ حيزاً مهماً في المواثيق والقانون الدولي لإعادة تأهيله والاهتمام به في الحياة اجتماعياً ومادياً وتربوياً،  لم يتم تقديمهم على أنهم ضحايا القدر أو بقايا المجتمع كما هو شائع في مجتمعات عديدة، بل كانوا موضوعا لآيات قرآنية كريمة، ومواد جوهرية في المواثيق والعهود الدولية، صانت لهم كل سبل الاحترام والمودة والتلذذ بالحريات العامة.
الأيتــام في كتاب الــرحمــن
الإحسان والإكرام إلى اليتيم هو خلق إسلامي، دافع مشع، إنساني، متمثل بقيم وخصال من الدين الحنيف، خطوة وآية ذات دلالة واضحة للحفاظ على النسيج الاجتماعي، الحنان والدفء والشعور بالآخــرعبر تعاليم وإرشادات وتوجيهات من القرآن والسنة للحفاظ على صلة الــرحم و إيقاظ العملاق النائم «الضمير» داخل النفس البشرية،  للاحتكاك والتقرب بين الإنسان وأخيه الإنسان، هي سيالة من الأخلاق والمحبة والضوء والحب تُرسَل نوراً و إخلاصاً لشريحة من المجتمع، الشريحة التي يقع على عاتق الجميع الوقوف معها التزاماً بأمر الله وفرقانه.
الإسلام عبر ركائزه و أركانه ومقوماته وكتبه وصحفه، وقف أمام كل القضايا الإنسانية والاجتماعية والحقوقية بكل توازن ودراية، ليؤكد للجمع بأن الإسلام دين متكامل سبق كل العلوم والكتب في ترتيب البيت الإنساني بكل دقة و حكمة، فأعطى الدين الإسلامي كل الأهمية والاهتمام لمسألة اليتيم عبر شرائع و دساتير نستمدها من آيات القرآن الكريم إلى جانب أحاديث شريفة، فلم يأتي اهتمام الإسلام بقضية اليتيم اعتباطاً ومن باب الصدفة.
رسول جل جلاله، يتيماً بين قومه وكنف عائلته (ألم يجدك يتيمآ فآوى). إن انتقاء الله تعالى لخاتم أنبياءه يتيماً، لهي آية ربانية وتهذيب وتوجيه لعباده على قيمة ومقدرة اليتيم على الانخراط والعمل في الحياة، وناهياً سبحانه، عن أن يكون اليتيم من فئة أو شريحة تعيش كعالة أو على الهامش في الحياة اليومية الاجتماعية، بل هو قادر أن يكون فاعلاً و سوياً في رحلته الإنسانية، كيف لا يكون فاعلا وكان محمد (ص) يتيماً ونبياً أرسله الله جل جلاله لبني البشر ليهديهم ويجنبهم المعاصي بكتاب ومعجزات.
أخذ اليتيم حيزاً كبيراً في الشرائع الإسلامية، كدليل واضح، على قيمة الإنسان في الإسلام، فهو النواة الفاعلة القابل للانشطار والتكاثر، لعمل الخير والإحسان ودفع عجلة الحياة نحو بر الأمان والهدوء دون أي تمييز بينهم باختلاف أجناسهم و ألوانهم ووضعهم الاجتماعي. أكد الإسلام بأن الاقتراب من مال اليتيم وأكله من السبع الموبقات، كحاضنة قانونية حقوقية، وآلية ردع وتحذير لكل شرائح المجتمع في التقرب أو التفكير في أكل مال اليتيم في صورة قانونية حقوقية متكاملة غير قابلة للتسويغ، ويظهر ذلك في الحديث الشريف عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ،عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ:( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ ، وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ : الشِّرْكُ بِاللهِ ، وَالسِّحْرُ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاَتِ.).أخرجه البخاري. وفي آية قرآنية يحذر الله تعالى بشكل قاطع وبإنذار رهيب و شديد لمن يتطاول على أكل مال اليتيم ظلما بغير حق فيقول:(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) النساء10.
حض الإسلام على احترام اليتيم بكل الصور اللبقة، ومعاملته كأي فرد داخل الخلية الاجتماعية، ودفعه بكل قوة  نحو الحياة العامة في كل المجالات، باعتباره كيان فاعل قادر على خدمة وتطوير المجتمع، بحكم الفرد هو الخلية الأولى و الأساسية في تشكيل نواة الأسرة التي هي الخطوة الأولى لتكوين وخلق مجتمع ناضج سوي قادر على الإبداع و النشاط، ومن منطلق تعزيز الروابط و العلاقات الاجتماعية واحترام قيمة الفرد بغض النظر عن حالته الأسرية وحفاظا على دور ومكان اليتيم، نهى الإسلام بشكل قاطع إهانة اليتيم وعدم احترامه أو إيصال الضعف و الاستصغار إليه، فيقول عزوجل في كتابه: (َأرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ) سورة الماعون3،وفي آية أخرى يقول سبحانه:( فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) سورة الفجر 15.
للوصول إلى الذيوع المرجو، في الاهتمام باليتيم ورعايته، يتطلب منا تلقين وتعليم كل الشرائح الاجتماعية معاني المحبة والوقوف إلى جانب اليتيم من كل النواحي، وتشجيعهم وتثقيفهم بماهية كفالة اليتيم واحتضانه، لأن تلك الكفالة هي جدار وقائي وتشجيعي وحافز لإعداد ومساعدة فئة من المجتمع مادياً ومعنوياً، بل يتعدى ذلك إلى فتح كل السبل أمام تلك الفئة في مجال التعليم والتربية عبر مفهوم كفالة اليتيم. ولأن تلك الكفالة لها قيم ومعاني سامية في الحفاظ على فئة من المجتمع، أكد الإسلام على دور كفالة اليتيم كطريقة وأسلوب في الحفاظ على شريحة معينة من المجتمع من الجوع والبرد وسد كل الثغرات أمامها من الانحراف و الضياع، ولقيمة وسمو معنى الكفالة أثنى الإسلام على كل شخص يقوم بكفالة اليتيم، حيث جعل عليه الصلاة والسلام كافل اليتيم مرافقاً ومصاحباً له في الجنة، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله ، صلى الله عليه وسلم: أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ في الْجَنَّةِ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا قَلِيلاً. أخرجه اْحمد- البخاري.
أولى الإسلام عناية كبيرة بأمر وشأن اليتيم فلم يقف أمام المساعدة المادية في المأكل والمشرب والملبس والعلاج، بل ركز واهتم بالجانب النفسي ناهياً سلوك الشفقة والحزن، ودعا كل الفئات إلى مراعاة محيط وظروف اليتيم الذي يشعر بالقهر والانكسار بعد فقدانه لأبيه، ونادى بخلق فضاء مريح ممتع هادئ، قادر على استيعاب متطلبات واحتياجات اليتيم النفسية من الحنان والمحبة والإخاء والاهتمام وتجبير الفراغ الحاصل في حياته اليومية، عبر اللسان اللطيف والنظرة الرؤوف للوصول إلى الاتصال الحسي والجسدي السليم المفعم بالإنسانية، عن عبد الله بن أبى أوفى -رضي الله عنه- عن النبي – صلى الله عليه وسلم : « ما من مسلم يمسح يده على رأس يتيم إلا كانت له بكل شعرة مرت يده عليها حسنة ورفعت له بها درجة وحطت عنه بها خطيئة.
« لا يٌتم بعد الحــلم « حديث شريف،  وذلك لإيلاء الاهتمام والرعاية في كفالة اليتم حتى سن محدد واليتيم هو كل من لم يبلغ سن الرشد الثامنة عشرة من عمره الذي فقد أباه نتيجة وفاة طبيعية أو استشهاده ويشمل اليتيم الجنسين من الذكر و الأنثى، أن تحديد عمر اليتيم وفقآ للشريعة الإسلامية يضعنا أمام الواجبات التي تقع على عاتقنا في رعاية وكفالة اليتيم وعدم التنصل والتستر وراء حجج و ذرائع واهية، فالوصول إلى العمر المحدد والمنصوص عليه في الكفالة و الرعاية يكون حينها اليتيم قد وصل إلى حالة يانعة قادر على خوض زمام المبادرة و الغوص في تلافيف الحياة وبدء الاعتماد على الذات في إدارة حياته اليومية وخلق فضائه الأسري والاجتماعي والتعليمي والعملي، بعد أن خضع لرعاية وكفالة سليمة أتاحت و مهددت له الطريق السوي والسليم الذي من خلاله سيصنع ما يبغي إليه كإنسان واعي قادر على التفاعل و الانسجام مع متطلباته اليومية على مختلف الأصعدة.
في صورٍ متكاملة لأهمية دور كفالة اليتيم واعتباره فرد كما غيره من أفراد المجتمع، جاء الإسلام ليعالج و يضع كل الأخلاقيات و الركائز وأسلوب التعامل والاتصال مع اليتيم، إلى جانب حمايته قانونياً واجتماعياً، وظهر ذلك واضحاً في معالجة القرآن الكريم لهذه الظاهرة بذكرها ثلاثة وعشرين مرة في سور قرآنية متفرقة، بالإضافة إلى الأحاديث الشريفة. من هنا يأتي دور المؤسسات و الفعاليات الخيرية والشخصيات الدينية في وضع آلية تنفي

برومو الشهيد ناجي الجرف