رغيف كردي

تنمية الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في المناطق الكـردية

 

تنمية الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في المناطق الكـردية

نوبار اسماعيل

خاص حنطة
خاص حنطة

طفل يرى كل شيء، يرغب بكل شيء ويملك من القدرة العقلية والأحاسيس ما يمكنه من الانخراط بمجتمعه بشكل طبيعي، إلا أن كل هذا لم يكن كافيا ليحظى بقبول من يحيطون به، وأكاد أقول من أقرب الناس إليه، فقط لأن الله أراد له ألا يسمع أو ينطق أو يبصر. هل فكر أحد منا أن يتعرف على رغباته، أن ينمي موهبة له، أن يتواصل معه على أقل تقدير، أو أن يرافقه دون أن يقلل من إنسانيته؟ أن يسعى في تعليمه لغة تخصه ليتواصل بها مع محيطه ويشارك في تأدية دوره في المجتمع؟ وأخص بالذكر هنا الأطفال الصم والبكم، الذين يتحملون اليوم فوق آلامهم الداخلية ضغوط ومشاق الحرب. طفلة تبلغ السابعة من عمرها، أمضت ما يقارب نصفها في ظروف الحرب، نزحت إلى مدينة القامشلي بعد أن فقدت والدها وأخاها وانهار المنزل الذي كان مخبأ لذكريات طفولتها، فانعقد لسانها عن رواية المأساة وأصيبت بالهلع. طفل آخر نزح من مدينة حلب، شهد انفجارا لقنبلة بالقرب من السيارة التي هربت بهم إلى الامان، مما تسبب في إصابته بالتأتأة (صعوبة في النطق). وحالات أخرى كثيرة لأطفال كرد استشهد آبائهم في المعارك مع الجماعات الإسلامية مما أدى لإصابتهم بنوع من العنف والتمرد . وفي ظاهرة غريبة عن المنطقة الكردية طيلة السنوات المنصرمة في ظل النظام البعثي، وجود مركز صغير للاهتمام بالأطفال ممن يعانون من الصمم والبكم أو اولئك الذين عقد لهم لسان لشدة المظاهر المروعة التي شهدوها ومراقبة أوضاعهم وتقديم الدعم النفسي لهم. تقول كوثر أومو الأخصائية النفسية ومعالجة النطق والمشرفة على كافة الحالات النفسية للأطفال في مركز آفا للتنمية الفكرية والجسدية: «نختص بمعالجة أطفال النازحين ومتضرري الحرب إضافة إلى ذوي الاحتياجات الخاصة، علما أننا تلقينا أعدادا كبيرة من أطفال العوائل النازحة من المدن السورية الأخرى دير الزور وحمص والبوكمال وسرى كانيه (راس العين) ومن العراقيين الذين كانوا قد نزحوا إلى دمشق ومنها إلى القامشلي، أي النازحين مرتين. بدوره أشار فايز محمد المعالج الفيزيائي في مركز آفا إلى سعيهم لمساعدة الاطفال وبالدرجة الأولى الذين يعانون من المشاكل النفسية جراء الظروف الراهنة وإعادة تأهيلهم نفسيا للمجتمع. استقبل المركز ما يقارب 25 من الأطفال المرضى النفسيين جراء الصراعات وتوصل في معالجتهم إلى نتائج جيدة، كذلك 20 طفلا ممن خضعوا للمعالجة الفيزيائية، وصور لنا أشد الحالات تأثيرا عليه وهي إصابة طفل من معارك سري كانيى/رأس العين بطلقات نارية في رجله وظهره. في الآونة الأخيرة شرع المركز بتعليم لغة كانت في طي النسيان على الرغم من أهميتها ودورها، علما أن الدول بدأت بتدريسها وتعليمها منذ مئات السنين ومن خلال معاهد وجامعات خاصة بها، سلط بها المركز الضوء على شريحة من الوافدين إلى مدينة القامشلي إلى جانب أبناءها كانوا ضائعين يبحثون عن مأوى لهم أسوة بباقي المحافظات للجلوس مع حالات مشابهة لهم، بغية التواصل مع شريحتهم، الشيء الذي افتقدته المدينة، فاستغل مركز آفا وجود عبدالله اسماعيل عضو جمعية رعاية الصم بدمشق ومترجم لغة الإشارة. يتحدث اسماعيل: «أولئك الوافدون من الصم وممن هم من أبناء المنطقة لم يلقوا جهة تعني بأمورهم وتم تعهد الفكرة، الأمر الذي لاقى توجها لدى مركز آفا لتقديم الخدمات في هذا المجال». وقد تم تخريج دفعتين من المتدربين ككادر في مجال تعليم الأطفال الصم والبكم وتهيئة كادر متدرب على لغة الإشارة كخطوة أولية، ليتم من ثم البدء بتعليم الأطفال الصم لغتهم. وتألفت كل مجموعة من 12 طالبا من ذوي الشهادات أو ممن يعملون في جمعيات تعنى بذوي الاحتياجات الخاصة والارشاد النفسي. يقول المعالج الفيزيائي فايز محمد: «معرفتنا في كيفية ملء الفراغ في المجتمع الذي يتمثل بوجود الصم والبكم وعدم قدرتهم على التكيف والتواصل مع الحالة الاجتماعية كانت السبب وراء خطوتنا هذه كواجب إنساني». ورأت كوثر أومو أن الصم بحاجة ماسة إلى النطق، لكننا نعاني من معوقات بأن ذوي هؤلاء الأطفال يقاطعون متابعتهم للعلاج نظرا لعدم توفر المواصلات وعدم توفر الوعي لدى الأهالي بإمكانية أن يتحول طفلهم إلى شخص مؤهل بإمكانه الاعتماد على نفسه. منوهة إلى ضرورة تعليم النطق للاطفال المؤهلين دون الكبار الذين يعانون صعوبة في تعلم النطق لضمور عضلات الحنجرة لديهم. وتقول: «نتلقى الأطفال حتى عمر العاشرة لكن هناك تجاوزات، ومن الحالات التي قمنا بمعالجتها أطفال تلقوا صدمات نفسية نتيجة الحرب مما تسببت في فقدانهم لصوتهم نتيجة الخوف والرعب غالبيتهم أطفال نازحين ممن شهدوا مناظر مروعة». وفي حديثه عن السر وراء ذكاء الشخص الأصم رأى عبدالله اسماعيل أن حرمانه من حاسة السمع يكون السبب في تمتعه ببصر وحدس حادين جدا لدرجة أن بإمكانه استنتاج الفكرة من تعابير وجه الأشخاص أو الحالة التي تحيط به وهذا ما يفسر براعتهم في الأعمال الحرفية وغيرها من أعمال التصميم الفوتوغرافي بشكل خاص. بدورها تشرح لنا كوثر أومو السبب في مرافقة البكم للصمم في الشخص عينه وتعزو ذلك إلى عدم امتلاك الأصم أصواتا تمكنه من النطق، وأكدت ان كلتا الحاستين منفصلة وبالإمكان تنمية إحداهما دون الأخرى وتضيف: «نسعى لإفهام الطفل الأبكم بطريقة الإشارة والصوت وبالطريقة اللمسية لنتعرف على الحنجرة والنطق إذا ما كانا سليمين لديه». تسعى كلناز ابراهيم لأن تكون أنموذجا مشجعا من خلال عملها كإدارية في مركز آفا وامتلاكها إعاقة في رجلها، وترى بأن الإعاقات في غالبيتها فكرية قبل أن تكون جسدية ويجب أن نقوّم الانسان على أساس عمله وليس شكله. وتضيف «استقبلنا 50 حالة نفسية للأطفال غالببيتهم من النازحين، والآن يراود مركزنا 4 حالات للصم والبكم وهم لازالوا قيد المعالجة اثنان منهم من مدينة تل كوجر التي شهدت صراعات في الآونة الأخيرة». ويرى فاروق اسماعيل وهو عضو متدرب في لغة الإشارة، أنه: «كان الهدف الأسمى لالتحاقنا بتعلم هذه اللغة هي المساهمة في سعي الفرد الأصم والأبكم لتلبية احتياجاته بنفسه دون الرجوع إلى الآخرين مما فتحت لنا قناة للشعور بمعاناة هؤلاء الأطفال». العديد من المعوقات تقف في طريق مركز آفا للتنمية الفكرية والجسدية لمتابعة نشاطها من عدم توفر المواصلات والإمكانات المادية الضعيفة والتي تقدر بألف يورو (1000) وتقدمها لها جمعية الجسر السويسرية، واستغلال الأهالي لحالات أولادهم في الحصول على المساعدات، بالإضافة لعدم وجود كادر ووسائل متخصصة لتأهيل المكفوفين وتقديم الدعم لهم. وفي ختام حديثهم عبر أعضاء المركز عن أملهم في ملء الفراغ في المجتمع الذي يتمثل بوجود الصم والبكم وعدم قدرتهم على التكيف والتواصل مع الحالة الاجتماعية بهدف تعليم الأصم اللغة الأكاديمية والمنهجية بتعليمهم القاموس الإشاري الموحد. يبقى أزيز الرصاص وأصوات المدافع، وتحليق الطيران وقصف بالصواريخ، والحرب الطاحنة سائدة في الأرجاء، وهو طفل لا يعلم ما يجري أو كيف، يهلع لحركة من حوله متحسسا محيطه عبرهم فالمشاهد المروعة تحدث على مرأى من عينيه، قد يفقد إثرها عزيزا على قلبه الصغير، يصرخ بصمت لا تسمعه إلا جدران قلبه الصغير الذي أنهكه التعب ومزقه حاجز الإعاقة الذي حال دون وصول أحاسيسه للناس،والحرب التي محت من عالمه الجميل كل آثار الطفولة والبراءة، التي من الصعب بجو كهذا استعادتها، في حين هناك وفي الطرف الآخر يعيش القاتل نشوة الانتصار.

حنطة

اضف تعليق

اضغط هنا لإضافة تعليق

برومو الشهيد ناجي الجرف