ملف

حكاية اسمها اليرموك

حكاية اسمها اليرموك

أنس الحسان

طفل محاصر في مخيم اليرموك
طفل محاصر في مخيم اليرموك

الملك المغربي محمد الخامس زار المخيم في العام 1956، وتبرع بشراء منطقة من الأراضي لصالح سكان المخيم من اللاجئين، وأطلق عليها منطقة الخامس.

كان مخيم اليرموك الحاضنة الفلسطينية السورية للانتفاضة الثانية في الضفة، وعولج فيه جرحى الانتفاضة الفلسطينيون.

وصلت درجة الاستباحة حداً لا يوصف، وتم استخراج أسلاك الكهرباء المدكوكة في جدران المنازل، وحرقها وبيعها بالكيلو نحاساً خالصاً)

يقع مخيم اليرموك جنوبي العاصمة السورية دمشق، ويتصل مع الحجر الأسود والقدم ويلدا والتضامن والميدان ويتألف المخيم من شارعين رئيسين ينقسمان من مدخله في دوار الجسر إلى شارع فلسطين وصولاً إلى دوار ساحة فلسطين، وشارع اليرموك وصولاً إلى موقف التربة عند مقبرة الشهداء الثانية ويصل بين الشارعين مجموعة الأزقة والحارات الشعبية، بينما على يسار شارع فلسطين تمتد الأبنية والأزقة لتصل إلى قلب منطقة التضامن، وعلى يمين شارع اليرموك تمتد الأبنية والحارات الأكثر تنظيماً في منطقة شارع راما والمحكمة، وصولاً إلى شارع الثلاثين الذي يشكل المدخل الرئيس للحجر الأسود عن طريق سوق السيارات ومشحم عامر وصولاً إلى بلدية الحجر الأسود.ويمتد شارع الثلاثين قاسماً المخيم ومنطقة التقدم وصولاً إلى مدخل بلدة يلدا.

  في أواسط القرن الفائت لم يكن المخيم كما كان قبل الثورة السورية والحرب التي ولدتها على الأراضي السورية حيث الأبنية الطينية التي لا تتوفر لها البنية التحتية المناسبة، من مياه، وكهرباء، وشوارع مزفتة، وصرف صحي، ومن المفيد ذكره أن الملك المغربي محمد الخامس زار المخيم في العام 1956، وتبرع بشراء منطقة من الأراضي لصالح سكان المخيم من اللاجئين، وأطلق عليها منطقة الخامس، أقامت عليها وكالة غوث اللاجئين «الأونروا» مجموعة من المنشآت الخدمية، منها مستوصف الخامس، ومدارس، وملعب رياضي.

ومع الطفرة العمرانية التي اجتاحت مدينة دمشق في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، نهض المخيم على أكتاف أبنائه المهاجرين في الخليج وغيره من الدول، بالإضافة إلى بعض الاستثمارات التي وظفها بعض التجار السوريين، حيث قامت الأسواق التجارية مثل سوق شارع لوبية، وشارع صفد، وشارع اليرموك بمنطقة جامع الوسيم وما حولها (وسوق الإلكترونيات في شارع المدارس، وسوقي الخضار في جنب البلدية، وسوق التقدم جانب التقدم جانب التربة القديمة، حتى وصل في نهاية القرن إلى أن المخيم من المناطق التي لا تنام في دمشق، إذ تكتظ شوارعه وأسواقه بالسوريين والفلسطينيين.

عاش المخيم في العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين، وضعاً سياسياً ديمقراطياً، حيث كانت بدايته مع انتفاضة الأقصى في العام 2000، وحازت الانتفاضة على تعاطف عربي، وسوري كبير حتى أن عددا من جرحى هذه الانتفاضة زار المشافي السورية للعلاج، واستغل الإعلام السوري هذه الانتفاضة تظهيراً وتضامناً، وكان مخيم اليرموك الحاضنة الفلسطينية السورية للانتفاضة الثانية، كظهير خلفي في ما يمكن أن يقدمه هذا المخيم لأبناء هذه الانتفاضة وبقيت الحالة بين مد وجزر حتى جاءت أحداث الحادي عشر من أيلول في العام 2001، وبدا التحول الأمريكي والدولي لمحاربة الإرهاب، حيث استغل رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون حالة الارتباك الأمريكية، وقام باجتياح الضفة الغربية وحاصر مخيم جنين واجتاحه، وكذلك محاصرة المقاطعة (مقر الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، حتى خروجه للعلاج في رحلته الأخيرة إلى باريس).

أحد أزقة مخيم اليرموك
أحد أزقة مخيم اليرموك

ورافق ذلك تكريس حركة حماس في مقدمة فصائل العمل الوطني الفلسطيني، واستقرار قياداتها في دمشق، وجزء كبير من كوادرها في المخيم.

استغلال النظام للوضع الفلسطيني:

مع انطلاقة الثورة السورية في 18/3/2011، بمدينة درعا مهد الثورة السورية، عمد الخطاب الرسمي السياسي للنظام إلى توجيه أصابع الاتهام للاجئين الفلسطينين، وفي مقدمتهم مخيما «درعا» و«الرمل» في مدينة اللاذقية، واستغل إمكانية توجيه الأنظار الإعلامية والأهلية لفتح المجال لدخول المنطقة العازلة في أراضي الجولان، رغم وجود قوات الفصل الدولية، واختراق الحدود والتوجه إلى القرى الجولانية المحتلة من قبل العدو الصهيوني، وشيع شهداء اليرموك في ملحمة فلسطينية خالصة، تحولت إلى مظاهرة ضد النظام السوري بعد أن أدرك اللاجئ الفلسطيني عملية التوظيف السياسي التي تهدف لإلهاء الإعلام العربي والدولي بهذا الحدث.

ويوم النكسة في الخامس من حزيران من العام 2011، ألغت الفصائل الخروج إلى الجولان، إلا أن الشباب الفلسطيني المتحمس جرى استغلاله من جديد عبر أداة فلسطينية – سورية هي «ياسر قشلق»، أحد السياسيين الفلسطينيين المتعاطفين مع النظام السوري، لكي يصل هؤلاء إلى الجولان في باصات محجوزة سلفاً، وجرى نقلهم عبر طرق فرعية حتى الوصول إلى ذات الأماكن التي تظاهر فيها الناس بها في الخامس من أيار من الشهر السابق، وكانت تحضيرات جيش الاحتلال الإسرائيلي مختلفة، حيث حصد العشرات من أبناء الشعب الفلسطيني اللاجئ شهداء على أرض الجولان السوري، وجاء يوم تشييعهم في المخيم عصر 06-06-2011 ، حيث تحولت جنازتهم إلى مواجهة ضد النظام السوري والقيادة العامة، ما أدى إلى ارتقاء شهداء جدد في المخيم نتيجة التوظيف والاستغلال السياسي للوضع القائم في مخيم اليرموك، وتوجهت الجماهير الغاضبة نحو مبنى الخالصة وحاصرته، وأحرقته انتقاماً منها لما اعتُبر رمزاً للنظام السوري، وهذا ما دفع القيادة العامة لتشكيل اللجان الشعبية في المخيم، وتسليحها ضد الكتائب الثورية في الحجر الأسود «كتيبة صقور الجولان» وفي يلدا «أبابييل حوران»، فقٌصف المخيم نتيجة ذلك أكثر من مرة، وحاول النظام وحلفاؤه تحميل كتائب الجيش الحر مسؤولية ذلك، إلى أن جاء الاعتداء الخطير على أبناء المخيم في الشهر الثامن من العام 2012، وتم تشييع شهداء المخيم الاثني عشر، في جنازة رمزية مهيبة، بلغ عدد الحضور فيها أكثر من مئتي ألف متظاهر فلسطيني وسوري، وبعد المظاهرة بلغت الاشتباكات في المخيم حدا غير مسبوق، عبر تمركز دبابة مقابل مشفى فلسطين على تقاطع شارع اليرموك وامتداد شارع الثلاثين، ولم تطل هذه الفترة الزمنية حتى حسمت الكتائب أمرها ودخلت مخيم اليرموك بعد قصف طائرة الميغ لمسجد عبد القادر الحسيني، إذ جرى النزوح الكبير لأهالي مخيم اليرموك من فلسطينيين وسوريين، وتمكنت الفصائل الثورية من السيطرة على مخيم اليرموك، إلّا جزءاً صغيراً من مدخل التضامن على شارع فلسطين عند البلدية.

وحوصر المخيم من مدخله من جهة الميدان والزاهرة والتضامن حصاراً جزئياً.

استباحة البيوت

سلكت بعض العناصر المنحرفة عن خط الثورة، من كتائب «صقور الجولان» و«أبابيل حوران» سلوك شبيحة النظام، حيث قامت بسرقة و«تعفيش» العديد من بيوت مخيم اليرموك في مناطق سيطرتها الواسعة، وكان يجري نقل الكثير من الأثاث والأدوات الكهربائية والمنزلية بالإضافة إلى الطعام إلى مستودعات في الحجر الأسود ويلدا، وعلى الرغم من الشكاوي المتتالية التي أبداها الناشطون الفلسطينيون في المخيم لم يجر أي تحقيق أو تدقيق على هذا السلوك غير الأخلاقي من قبل عناصر هذين الفصليين، لكن عناصر جبهة النصرة وللحق، كما نقل العديد من النشطاء، لم تسلك ذات السلوك مع أهالي المخيم وأصحاب البيوت، وبالمقابل فإن المناطق من المخيم التي وقعت تحت سيطرة شبيحة النظام، وفي مقدمتها شارع نسرين شهدت الأفعال الأشنع والأخبث، حيث كان يتم تعهيد البناء كاملاً إلى تجار الأدوات المستعملة، بمبلغ من المال، على أن يتم نقله خلال فترة زمنية محددة وإخراجه خارج المنطقة.

ووصلت درجة الاستغابة والاستباحة حداً لا يوصف، إذ تم استخراج أسلاك الكهرباء المدكوكة في جدران المنازل، وحرقها وبيعها بالكيلو نحاساً خالصا لباعة الخبز اليابس والألمنيوم والنحاس.

هذا الواقع الجديد والمستحدث، دفع ما تبقى من سكان اليرموك إلى الخروج في مظاهرات ضد طرفي النزاع بعد التحول الخطير الذي جرى على أرض المخيم.

تشديد الحصار على المخيم

في الشهرين الأوائل من حصار مخيم اليرموك كان هناك بقايا مواد تموينية مخزنة لدى المحاصرين في المخيم، لكن هذه المواد بدأت بالنفاد شيئاً فشيئاً، وبدأ الجوع يطرق أبواب المخيم رويداً رويداً، وأضحت بورصة أسعار المواد الغذائية ترتفع خطوة خطوة حتى تطير محلقة في فضاء المخيم.

كل هذا والمقاتلون المرابطون على ثغور المخيم في منطقة الريجة وشارع الثلاثين ومنطقة البلدية، صامدون دون تحقيق النظام وحلفائه من اللجان الشعبية المؤلفة من فصائل (الجبهة الشعبية- القيادة العامة، فتح الانتفاضة، جبهة النضال الشعبي- خالد عبد المجيد)، بالإضافة إلى مجموعة ماهر المؤذن، أي تقدم يذكر، وما زال الكثيرون يذكرون قناص جامع الحبيب المصطفى الذي يصطاد ضحاياه حتى ساحة البطيخة.

هذا الوضع جعل من تفخيخ الأبنية، وحفر الخنادق والأنفاق التي تصل إلى أبواب البنايات المدمرة، والتدشيم، وفتح الطلاقيات، هو العمل اليومي لكلا الطرفين المتقاتلين على بيوت وبنايات شارع راما، وكل منطقة الريجة خلف قسم الشرطة ومشفى الرحمة.

وأصبحت بنايات الـ 14 الميدانية مركزاً لانطلاق صواريخ (107،106) ذات الأصوات العالية إلى جانب المدافع الثابتة والمتنقلة، ورشاش مضاد الطيران والدوشكا.

ومع تصاعد الحصار الخانق، بدأت تتحرك لجنة المصالحة داخل وخارج المخيم في محاولة لفك الحصار قبل الوصول إلى الموت جوعاً بشكل جماعي، لكن هذه المحاولات نسفتها اشتباكات الطرفين على أبواب الريجة، ولم ينتج عنها في أفضل الأحوال سوى هدنة طويلة الأجل، وبالتزامن مع اقتراب الموت جوعاً من أبناء المخيم تحركت لجنة المصالحة في أوائل العام الجاري، علها توفق في إدخال المساعدات الغذائية التي جهزتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وكانت محاولة الاثنين 13/01/2014، حيث أطلقت النيران على القافلة وهي على مرمى حجر من حدود المخيم، مبددة الآمال ببداية نهاية المأساة، والموت الذي بداً يحصد أرواح السوريين و الفلسطينيين اللاجئين، حيث فاضت أرواح  (مريم عبد الرحيم، ريم عبد العزيز، تيسير الطباع، وأحمد عبد المجيد محمد) بين من فاضت أرواحهم إلى الباري عز وجل، فيما لجنة المصالحة وقوافل الإغاثة تمشي الهوينى في شوارع العاصمة المحيطة بالمخيم، بين طريق الكابلات، ومدخل المخيم من التضامن جانب شارع نسرين، وهكذا أصبح شبح الموت يسابق قوافل الإغاثة لحصد أرواح شهداء المخيم، بينما راح أبناء المخيم ينتظرون البطل المنتصر ما بين موت مشتهى وواقع مقيم.

القافلة العائدة كانت تضم ست شاحنات انطلقت من مقر الاونروا محملة بمساعدات تحوي (1700) طرد غذائي يزن كل منها (30) كلغ من المواد الغذائية تكفي الأسرة الواحدة عشرين يوماً، والمساعدات مقدمة من الأونروا و 14 فصيلاً فلسطينياً. وبالتوازي مع هذه الأوضاع انطلقت خارج سورية مجموعة فعاليات تضامنية مع سكان مخيم اليرموك والمخيمات السورية.

الإغاثة وسباق الموت

وبين الموت والإغاثة حصد ملاك الموت ست شهداء، قبل بدء دخول الإغاثة، ومع دخول المساعدات الغذائية يوم 18/01/2014 حتى 28/01/2014، استمرت قوافل الموت حتى أضيف 27 شهيداً جديداً، عرف منهم الشهيدة الرضيعة رهف جبلي، وما زالت عمليات التوزيع قائمة في ساحة الريجة، بعد (188) يوماً من الحصار، ومع مرور الأسبوع الأول من التوزيع بلغ عدد السلل الغذائية (138) سلة، وتم إخراج (102) حالة إنسانية صحية صعبة، ومعهم 40 مرافقاً للعلاج خارج المخيم. وتشير المعلومات إلى تخطي أرقام شهداء المخيم بسبب الجوع أكثر من (60) شهيداً.

وتتعاون أكثر من ثلاث مجموعات إغاثية في المخيم، أبرزها الهلال الأحمر السوري والفلسطيني، وهيئة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في سورية، والهيئة الخيرية لإغاثة اللاجئين، وحراس المخيمات والمستوصف الصحي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين– القيادة العامة.

وهكذا يمضي مخيم اليرموك أيامه بين الأمل بفك الحصار وخروج المسلحين، وإغاثة المحاصرين ومنع الموت من اغتيالهم، وعودة المهجرين والنازحين إليه عله يضع اللبنة الأولى لعملية تحييد المخيمات الفلسطينية استراتيجيا، ومنها مخيم اليرموك، عن ما يجري في سورية من حرب طاحنة.

فهل تستطيع الحالة السياسية الفلسطينية الابتعاد عن النار السورية التي تحرق في طريقها للتغيير كل ما يمتد إليه لهيبها؟

برومو الشهيد ناجي الجرف