ملف

سوريا.. عن الثورة والحصار والصمود

سوريا.. عن الثورة والحصار والصمود

غياث عبد العزيز

امرآة فلسطينة في ظل الحصار داخل مخيم اليرموك
امرآة فلسطينة في ظل الحصار داخل مخيم اليرموك

الحصار في اللغة العربية هو التضييق أو السجن، وحاصرَ فلان أحدهم، أي: ضيق عليه وأحاط به، أما في الحروب والعلوم العسكرية، فالحصار: هو أحد أهم التكتيكات المتبعة في الضغط على العدو، ويتم عن طريق تطويقه وقطع خطوط الإمداد عنه.

وبعودة سريعة إلى كتب التاريخ، نجد الحديث عن عدة حروب اتُّبع فيها أسلوب الحصار، كحصار مدينة «عكا» من قبل الصليبيين سنة (1189 م)، والذي استمر لمدة سنة وعشرة أشهر، وحصار حصن «بابليون» في مصر من قبل جيش عمرو بن العاص سنة (641 م) مدة سبعة أشهر، وحصار مدينة «لينينجراد» الروسية من قبل دول المحور سنة (1941م)، والذي دام عاماً ونصف العام، وحصار مدينة «طروادة» الذي ناهز عشر سنوات، وحصارات اخرى عديدة يذكرها التاريخ، على اختلاف جغرافيتها ونتائجها.

إلا أن التــــــاريخ يغفل اليوم عن ذكــــــــــر نظامٍ وضع وَصْــــفته الخاصة لتطوير مفهوم الحصار، وتفــنن في تطبيــق هــــذه الوصفة، محطماً الرقم القياسي بتسجيله أطول حصار في التاريخ تجاوز الاربعين عاماً، وقام بفرضه على شعبه منذ وصوله إلى سدة الحكم، وإن لم يأخذ هذا الحصار طابعاً عسكرياً لفترة طويلة، فقد تجاوز ذلك إلى الحصار الفكري والإقتصادي والثقافي، وجوانب كثيرة أخرى جعلت هم المواطن السوري الأول والاخير تأمين لقمة عيشه. ومع تعدد أسباب هذا النوع من الحصار، نستطيع القول أن المسبب واحد، ويتمثل في تلك القوة المسيطرة على الحكم، والتي عملت دون توقف على الإنفراد بالسلطة بعيداً عن تطلعات الشعب، وذلك من خلال خلق آلية معينة في المجتمع قادرة على توجيه تفكير الناس باتجاه معين، وإيصالهم إلى مرحلة تقبل الامور كما هي، بل واستحسانها ومديحها من قِبل الكثيرين.

يفسر زياد ماجد في كتابه «سوريا الثورة اليتيمة» نجاح النظام السوري في ترويض الحياة العامة بقدرته التدريجية على مصادرة الحيز العام ومساحات التعبير، وكل فرص التجمع والانتظام السياسي من خلال الاستيعاب أو الإقصاء.1

ولو أردنا البحث عن طرق الاستيعاب أو الإقصاء الذي تحدث عنه الكاتب، لوجدنا استراتيجية منظمة قام بوضعها النظام تهدف إلى التضييق على المثقفين والكتاب، تمثلت هذه الاستراتيجية في تأطير ومأسسة الثقافة والفكر في منظمات رقابية بأسماء أدبية لامعة، على سبيل المثال«إتحاد الكتاب العرب»و «وزارة الثقافة»، وبالتزامن مع وضع اقتصادي سيء فرضه النظام، جعل المواطن السوري بحاجة إلى خطة خمسية في حال أراد شراء كتاب يقرأه، وفي ظل وجود إعلام يتبنى نظريات النظام، وأحزاب تتحدث باسمه وبحسب مصالحه، إضافة إلى مناهج تعليمية متحجرة هي ذاتها منذ عشرات السنين، تجعل الطالب متلقياً فحسب دون أي مجال للتحليل والتفسير العلمي أو الأدبي، كل ذلك أدى إلى ازدياد التراجع الثقافي لدى نسبة كبيرة من افراد الشعب، يتحدث الكاتب عامر صالح في مقالة بعنوان «علم نفس الثقافة ومناخ الاستبداد»عن أن: (الثقافة تنمي الضمير الحي لدى الأفراد، وهذا الضمير يصبح فيما بعد هو الرقيب على سلوكياتهم ومواقفهم).2 وانطلاقاً من هذا القول فإن العمل الممنهج من قبل النظام على الحد من المستوى الثقافي لدى نسبة كبيرة من أفراد الشعب، أدى إلى غياب الرقيب الإنساني الحقيقي، ليحل محله رقيب آخر هو الرقيب السلطوي، تمثّل بشكل أفرع أمن، عملت لأكثر من أربعين عاماً على خلق الهاجس اليومي لدى المواطنين، وفرض حصار نفسي كان كفيلاً بالوصول إلى حالة جمود في التفكير، فالحياة واحدة، والأفكار واحدة، والعلَم واحد، والحزب واحد، وقد تتعدد الآلهة لكن القائد واحد، وكل السلوكيات اليومية مبرمجة ومكررة وفق خوارزمية وضعها النظام، وأجبر المواطن على السير بناءً على معطياتها، فأصبح المواطن يعيش حالة (روبوتية)، مع حصول النظام على براءة اختراع رقابية على هذا الروبوت، وعدم حصوله على براءة إنسانية دون أدنى شك.

واليوم؛ بعد أن فك السوريون رموز هذه الخوارزمية، وقالوا كلمتهم، فإن الركائز القمعية التي أمعن النظام على مدى عقود في ترسيخها قد بدأت بالانهيار، وتجلت واضحة للعيان هشاشة هذا البنيان الأمني منذ أول صرخة تحدٍ كسرت أساطير ورموز الاستبداد في البلد، وحطّمت جدران الحصار التي فرضتها تلك الرموز منذ عقود، لتنطلق ثورة سورية ضد الظلم والاستبداد بكل أشكاله، ومع تسليم النظام بانتهاء صلاحية وصفاته القمعية والترهيبية، فقد عمل على فرض أسلوب جديد أخذ شكل الحصار الجغرافي، فوجد السوريون في الكثير من المناطق الثائرة أنفسهم يعيشون ظروفاً أبعد ما تكون عن الإنسانية، في ظل فشل دولي وأممي فاضح في تأمين أبسط المستلزمات الحياتية لسكان هذه المناطق. وفي نفس الوقت، لا نستطيع عدم التحدث عن مناطق يحكم النظام حتى الآن سيطرته عليها، وبالرغم من ذلك فقد اتبع أسلوب الحواجز التي ينتشر عليها عناصر ما يسمى باللجان الشعبية أو جيش الدفاع الوطني، والذين منحوا صلاحيات جعلت منهم شكلاً من أشكال الترهيب الأمني واللصوصي، فعملوا على منع دخول البضائع إلى المدن والأسواق من دون أن يكون لهم (في الطيب نصيب)، وكل ذلك يتم بشكل سافر وعلني، بغية فرض وجودهم على الناس، وإيهامهم أن لقمة عيشهم هي منحة يتكرمون بها على الناس، لكن هؤلاء وأسيادهم نسوا أن السوريين المحاصرين اليوم قد حرموا من لقمة عيش عانوا لسنين طويلة في تأمينها، وذلك الأمر ولا شك سيكون كتابةَ تاريخٍ جديد للصمود، تاريخ سيواجه السوريون في سطوره حصارهم هذا كما واجهوا من قبل أبشع حصار اقتصادي وفكري وثقافي فرضه نظام مستبد على شعبه، ونجحوا في كسر هذا الحصار.

 

 

 

هوامش:

1- سوريا الثورة اليتيمة ص 22 – زياد ماجد – دار شرق الكتاب

2- علم نفس الثقافة ومناخ الاستبداد – عامر صالح – الحوار المتمدن 

برومو الشهيد ناجي الجرف