ملف

الحصار كأداة حرب

الحصار كأداة حرب

أحمد عيساوي

سوريا صمود شعب

يوماً بعد يوم تتزايد النداءات الإنسانية من منظمات وهيئات حقوقية للإسراع في تسوية عاجلة للصراع العسكري القائم في سوريا. الصراع الذي اتخذته السلطة الحاكمة ذريعة مباشرة لإطباق حصارها على عدد من المدن والمناطق التي سجّلت حضورها الواسع في دعوتها لإسقاط النظام منذ اليوم الأول لاندلاع الاحتجاجات في درعا.

على مر الأيام، مارس النظام السوري كل ما هو متاح وغير متاح لتقويض الثورة الشعبية ولم يتوان يوما عن محاولة تأطير الصراع العسكري وتحييد المدنيين عن النتائج الكارثية للمعارك التي يخوضها، في سعيه لتطويع كل مكنون وجودي يدخل في حسابات الرفض والقطع مع مسيرة «الإصلاح» التي أطلقها كرد «إيجابي» على مطالب المحتجين بالحرية والعدالة الإجتماعية.

أرست السلطة الإستبدادية في سوريا حقلاً مفهومياً ارتبط بشكل أو بآخر بثقافة الإلغاء وبات الإقصاء الفردي أو الجماعي يأخذ طابعاً حسّياً في ظل انعدام الصيغة الحقوقية للمحاسبة والمساءلة في مسالك السلطة-الدولة.

كانت المجزرة تعبيراً عن نقص حاد في القدرة على المواجهة عند النظام، لأنها أظهرت هشاشة تلقائية في ابتداع المبادرة السياسية لدى السلطة القائمة. وهذا ما يمكن عدّه نجاحاً واضحاً يضاف الى رصيد الجماهير المنتفضة، لأنها أجبرت المتلقّي على تغيير الحيلة الأمنية وأودت به إلى الحلّ الذي سيسرّع سقوطه.أصبحت المجزرة إطاراً عبثياً لجدليّة العدميّة/الوجود عند طرفيّ الصراع (الشعب والنظام)، وأسلوباً فاضحاً لزيف الإدعاءات السلطويّة بإمكانية الإصلاح. دخلت المجزرة زمن اللارجعة لأنها حكمت بمنطق الخاسر سياسياً وجرّت نظاماً ذا بنى معرفيّة مفككة وعقداً اجتماعياً هشاً إلى مكننتها لتتنقّل من درعا إلى الحولة واللطامنة وبابا عمرو والزبداني وحلفايا والمليحة، دون رادعٍ أخلاقي يكبح انجرافها الدموي. هذه القدرة على ممارسة الهمجية هي التي أتاحت للنظام استمراية البقاء في ظل إسناد محكم من أمن دنيوي وأبد ألوهي ما لبث أن أفلت من سطوة الخلود في يوتوبيا الثورة. والفعل أو الإصرار على الفعل الإجراميّ قابله إصرار على استكمال الحلم الجماعي. وبات مسرح المجزرة البنية الأكثر عرضة للإمتداد في تراتبية مكانية مأهولة بالرحيل.

تدرجّت المجزرة شيئاً فشيئاً لتأخذ إطارها المقنّن زماناً ومكاناً، وكان البحث عن أساليب جديدة ليس آخرها صواريخ السكود وبراميل الــــ TNT  هاجساً عند السلطة الحاكمة وأصبح الحصار الحل الأكثر ملاءمةً مع استراتيجية النظام في تعامله مع الأزمة.

مخيم اليروموك 2014

خسرت القوات النظامية مدناً ومناطق شاسعة خاصة على حدود البلاد وفي أرياف المدن الكبرى مثل حمص وحلب ودرعا ودير الزور، وصولاً إالى الغوطتين الشرقية والغربية في الشام، وكانت الاستعاضة الفعلية عن هذه الخسارة لجوؤه الدنيء إلى حلين: الأول يعتمد على سياسة الأرض المحروقة وهو ما نشاهده بشكل شبه يومي منذ قرابة الشهر في حلب وريفها، والثاني انتهاجه حصاراً صارخاً على مداخل المدن التي يتواجد فيها كتائب عسكرية.

في هذا السياق لا بد من الإشارة إلى أنّ الحصار المفروض على الغوطة الشرقية وحمص ومخيم اليرموك يرافقه قصفٌ بالطيران والمدفعية على أحياء سكنية (يعدها النظام ملجأ للمسلحين)، أضف إلى ذلك، إنتشار الحواجز الأمنية داخل المدن التي لا تزال تسيطر عليها القوات الحكومية وشبيحتها، هذا ما يعني شيئاً واحداً فقط: لا إمكانية لحركة مدنية تكسر حاجز الحصار والجوع ولا فرصة لأي دينامية عسكرية في خلق مناخ يسهّل كسر شوكة النظام في المناطق الخاضعة للحصار.

يهدف النظام عبر سياسة تجويع الشعب وحصاره إلى ترجمة سياسة عقابية كان قد توعّد باعتمادها «الأسد أو لا أحد، الأسد أو نحرق البلد». هذه السياسة التي لا تفرّق بين طفل أو مسنّ أو امرأة أو رجل مسلّح.

الغاية الأولى التي دفعت النظام لفرض الحصار، هو سعيه لفك الإرتباط المعنوي للمحاصَرين مع الحالة الثورية المسلحة بحيث تصبح ردّات الفعل السلبية المنتظرة من البيئة الحاضنة سبيلاً لتقويض هيكلية البناء المدني-العسكري للثورة، البناء الذي يريده النظام غائبا، أو مهترئا في أسوأ الحالات، من أجل التدليل للرأي العام على صوابية خياره في حصار وضرب المدن والأرياف.

وقد بدا جلياً في الحصار الذي فرضته القوات النظامية على معضمية الشام مثلاً: (وهي منطقة طالها قصف الكيماوي في أغسطس الماضي)، كيف كان السعي لخلق شريط حدودي أو منطقة عسكرية آمنة بعد تهجير المدنيين منها، من أجل بسط سيطرته المطلقة على أرض باتت خالية من البشر.

 شهد حصار المنطقة الجنوبية لدمشق حتى الآن مأساة إنسانية كبيرة خاصة مع صم المجتمع الدولي آذانه عن كل هذا الموت والجوع والقتل اليومي. يسجّل تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش الأخير كيفية تعاطي النظام السوري مع الحالات السكنية والأبنية القائمة في مناطق الثورة بحيث لجأ إلى تدمير وحدات سكنية وتسويتها بالأرض بشكل كامل رغم غياب الأعمال العسكرية في تلك المساحات. سياسة العقاب الجماعي امتدّت لتطال كل بيئة حاضنة للثورة، ليلق سكانها الجوع والبرد وانعدام الرعاية الصحية ونقصاً كبيراً في الأدوية، خاصة أدوية الحالات المرضية الصعبة (أمراض القلب والوباء الكبدي والضغط والسكريّ..).

لا يكتفي النظام بفرض الحصار على المواطنين، لا بل يتعداه إلى تحميل المسؤولية الكاملة عن الحصار للمسلحين وهذا ما أصبح يعتمده في سوق مسرحية الحصار أمام الرأي العام العالمي. وللمفارقة، كان النظام ينكر على مدى أشهر مسؤوليته عن حصار مدينة حمص، لكن مع تقدم مفاوضات جنيف تم التوصّل إلى حل يقضي بسماح القوات النظامية بخروج المدنيين من المدينة، وهذا ما عدّه البعض دليلاً كافياً ليعرف العالم من يحاصر ومن يجوّع ومن يقتل.

في بسط آليات الحصار، لا يجب أن ننسى أنّ النظام بات يستغل الموضوع بشكل دنيء لأنه يعلم جيّدا أنّ الحملات الإغاثية والنداءات المتكررة ستفضي إلى إرسال قافلات إنسانية ومواد غذائية وصحية، لن يصل منها إلّا القليل وسيذهب القسم الأكبر كمخزون حرب وتموين للقوات النظامية والميليشيات التي تقاتل إلى جانبها.

حتى نهاية العائم الفائت، سجّلت تقارير منظمتي «العفو الدولية» و«هيومن رايتس ووتش» حوالي 2200 حالة موت بسبب الجوع والبرد ونقص الدواء، كما سجّل التقرير الأخير لمنظمة «أطباء بلا حدود» موت أكثر من 95 طبيبا مختصا برصاص الأمن أو بالقصف، واعتقال حوالي 700 طبيب، كما سجّل استشهاد 66 صيدلانياً و52 مسعفاً (منهم 23 في الهلال الأحمر السوري) حتى شهر تشرين الأول من العام الفائت.

إنّ الحصار الخانق الذي يعاني منه الشعب السوري اليوم، يعدّ انتهاكاً لكل اتفاقيات حقوق الإنسان، ويتنافى بشكل قاطع مع المادة 14 من الباب الرابع لاتفاقية جنيف الاولى التي تنص على ما يلي: «يجب حماية المنشآت التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة، حيث يُحظّر تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب القتال. ومن ثم يحظر، بناءً على ذلك، مهاجمة أو تدمير أو نقل أو تعطيل المنشآت والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة، مثل المواد الغذائية والمناطق الزراعية التي تنتجها والمحاصيل والماشية ومرافق مياه الشرب وشبكاتها وأشغال الري».

إنّ تجويع السكان المدنيين، كوسيلة من وسائل الحرب، محظور في كلا النزاعين الدولي والداخلي، وهو حظر نُصّ عليه صراحةً في كلا البروتوكولين الإضافيين لسنة 1977 المُلحقين باتفاقيات جنيف الأربع.

إننا نشهد اليوم امتهاناً واضحاً للكرامة الإنسانية، وإذلالاً متعمداً من نظام طاغية لشعبه، حاز عليه بترخيص وتفويض دولي كامل جراء صمت عالمي مخزي. العالم الذي يسعى اليوم لحل كل مشاكله الخلافية على حساب تجويع السوريين وحصارهم وقتلهم بشكل يومي بشتى الوسائل، بات عرضة للمساءلة أكثر فأكثر حول الإبادة التي يقف متفرجاً عليهاً سياسياً وحقوقياً وإنسانياً.

وحده الشعب السوري يموت اليوم، ووحده بكل آلامه ويُتْم ثورته وتكالب العالم عليه سينتصر من أجل كرامته أولا وكل هذه الكرامات المهدورة ثانيا.

برومو الشهيد ناجي الجرف