حصيدة

عين العرب -كوباني

عين العرب -كوباني

تحقيق: إيتانا، ينشر بالتعاون بين إيتانا ومجلة حنطة.

البعض يراه «ربيع» كوباني في العمل المدني. وانتقادات لسيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي على قطاع الخدمات العامة.

سيطرة الحزب الواحد على المدينة يسبب الهجرة إلى العراق وتركيا.

يرى البعض في كوباني أن التغيير الحاصل أدى إلى ازدهار في العمل المدني وظهور منظمات أهلية. بينما يؤكد البعض الآخر على خطورة سيطرة حزب واحد على أغلب النواحي الإدارية في المدينة، وحصوله على الغرامات والضرائب. هذه الورقة تحاول أن تسلط الضوء على مجال الخدمات العامة في كوباني/عين العرب.

الموقع الجغرافي:

كوباني، أو كما كانت تسمى في عهد نظام البعث «عين العرب» مدينة سورية تقع في أقصى الشمال، وتبعد عن حلب حوالي 165 كم جهة الشرق. مدينة تاريخية زاخرة بالأوابد الأثرية التي تعود لحضارات سورية الآرامية والآشورية. اهتم بها الانتداب الفرنسي في سوريا فخطوا شوارع للمدينة، ومايزال الكثير من المباني الفرنسية قائماً حتى اليوم، كالدوائر الحكومية الرسمية (السرايا).

تتألف كوباني من 384 قرية، وعدد من النواحي الإدارية (صرين والشيوخ). وعدد سكانها وصل إلى المليون بعد عمليات النزوح الأخيرة، وعودة غالبية السكان من المدن إلى قراهم ومنازلهم، ويوجد فيها 5% عرب، و5% تركمان، و1% أرمن، ونتيجة الاستقرار الأمني نسبياً نزح إلى كوباني الكثير من سكان المناطق الداخلية. وخرجت المدينة عن سلطة النظام الحاكم في دمشق بتاريخ 19/07/2013، وبات حزب الاتحاد الديمقراطي هو الذي يسيطر ويدير المنطقة أمنياً، واقتصادياً، وعسكرياً.

فلاشة: تسيطر اللجان الشعبية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي على المدينة، وتخوض معارك على الجبهتين الشرقية والغربية مع قوات من الجيش الحر أو مجموعات راديكالية مثل دولة الإسلام في العراق والشام (داعش)

تحدّث محمود إسماعيل أحد سكان كوباني: (الوضع الأمني مستقر نسبياً مع تهديدات متكررة من قبل عدد من الكتائب الراديكالية، (الدولة الإسلامية، أحرار الشام، غرباء الشام….)، التي تتواجد في محيط مدينة عين العرب من كلا الجهتين الشرقية والغربية، وهي ذات الكتائب التي كانت قد فرضت حصاراً مطبقاً على كامل مدينة عين العرب قبل شهر، وتم فكه من الجهة الغربية عبر المفاوضات، فيما لا تزال الأوضاع في حالة حرب من الجهة الشرقية).

ويشرح أن منطقة كوباني مُدارة اليوم بالكامل من قبل مقاتلين أكراد، 40% منهم قدموا من جبال (قنديل) في تركيا، وتعاونوا مع أبناء المنطقة. وهم يحاربون حالياً في تل أبيض ورأس العين على الجبهة الشرقية قوات داعش، وعلى الجبهة الغربية يحاربون من شهرين لواء التوحيد وحركة أحرار الشام).

يرفض (محمود) الآراء التي تؤكّد وجود علاقة بين قوات حزب الاتحاد الديمقراطي في كوباني وبين نظام الرئيس السوري بشار الأسد، ويقول: (لا علاقات مع نظام الأسد بالطبع. إنها مجرد شائعات. وسبق أن نشرنا عدة بيانات تعتبر نظام الأسد نظاماً مجرماً).

البعض يراه «ربيع كوباني المدني»:

يقول الناشط بكري: (لعل المتابع لطبيعة ما يحدث من حراك في كوباني بجوانبه كافة سواء أكان مدنياً أم ثورياً؛ لن يتوه مطلقاً عن تسميته بالربيع الكردي، رغم بروز ما يعكر صفو هذا الربيع أحياناً. شهدت كوباني نهضة مجتمعية من خلال الإعلان عن عدد من منظمات المجتمع المدني من إغاثة إلى ثقافة إلى إعلام إلى حريات وبناء قدرات إلى مشاريع خدمية لإعالة الأسر والأيتام وذوي الشهداء، وتكتل تلك الفعاليات جاء بما يمكن تسميته نواة إدارة وتنظيم للمجتمع).

مع نهاية عام 2012، ظهرت مجموعة من التجمعات الأهلية النقابية، منها: محامو كوباني، مهندسو كوباني، مدرسو كوباني، معلمو كوباني، وتجمع الأطباء والصيادلة. يقول الناشط بكري: (كلها تجمعات مهنية تأسست على أسس وظيفية مدنية، بهدف لملمة الحراك الثوري المهني وتأطيره بأسس نقابية، وبهدف جمع الجهود بأكاديمية وحقنها بجملة نشاطات ميدانية).

فلاشة: تشكّلت تجمعات ذات طبيعة نقابية، ومؤسسة (دم) ومركز التنمية والمجتمع المدني، وجمعية (حنين) التي تعنى بحقوق المرأة.

وعن الحراك الثقافي الذي تبلور بالإعلان عن تأسيس أول جمعية ثقافية مستقلة في كوباني (جمعية سبا الثقافية) في آذار 2012، يقول كمال أحد أعضاء الجمعية: (نقيم ندوات ثقافية أو حفلات دعم للثورة والنازحين)، وقد أنتجت جمعية (سبا) عدداً من الأفلام القصيرة عن واقع (كوباني)، وأقامت ورشات عمل تدريبية في المجال الإعلامي لمجموعات شبابية ناشطة. وأصدرت جريدة باسمها (سبا)، ثم توقّفت الجمعية لتحل محلها مؤسسة (دم)، التي نظّمت ورشات تدريبية في العمل الأهلي، بدءاً من العمل المدني، والتطوعي، ومن ثم الإعلامي.

وهناك (مركز التنمية والمجتمع المدني)، الذي تقول إحدى الإداريات فيه: (المركز مؤسسة تنموية تهدف لرفع مستوى الوعي وتنظيم ورشات تدريب وتطوّع. ونتمنى أن نساهم في بناء وعي المجتمع السوري).

اهتمت كل من مؤسسة (دم)، و(مركز التنمية والمجتمع المدني)، بإقامة دورات تدريب مجتمعية وورشات بناء القدرات، والحريات، والسلم الأهلي، إضافة إلى موضوع العدالة الانتقالية، وحملات عن مخاطر السلاح. وتقول شمس شاهين: (هي منظمات مستقلة لا تتبع لأي مجلس أو تنظيم سياسي)، وفي مصادر الدعم والتمويل اعتبرت شاهين أن غالبية المؤسسات تُموّل بجهد ذاتي من الأعضاء بهدف تنفيذ نشاطاتها.

وفي العمل الحقوقي النسوي تأسست جمعية (حنين) لتعزيز قدرات المرأة، كجمعية تدافع عن حقوق المرأة، وهي جمعية مستقلة تأسست في كانون الأول 2012.

كما ظهرت مطبوعات جديدة عديدة منها: جريدة فرات السياسية المستقلة، وجريدة سبا الثقافية المستقلة، ومجلة رامان الفكرية المستقلة.

«لا معدات كافية في المشافي لإجراء العمليات اللازمة»:

في الوضع الإغاثي تحدث رئيس جمعية (الأخوّة) الإغاثية عبد الرحمن مسلم عن الجهات الداعمة: (في الغالب تأتي من منظمات أهلية ومساعدات من المغتربين ومن الجمعيات في تركيا وكردستان العراق)، وذكر أسماء محددة كجمعية صلاح الدين، ووحدة تنسيق الدعم، وجمعية نور، وهيئة علماء المسلمين.

وعن الواقع التنظيمي للإغاثة قال عبد الرحمن: (هناك عدد من جمعيات الإغاثة «لجنة الإغاثة المستقلة، لجنة الأخوة، الهلال الأحمر، هيفا سور، مكتب الإغاثة في المجلس المحلي» إضافة إلى عدد من المنظمات المدنية التي تساعد في العمل الإغاثي، مع عدد من الأحزاب أو الشخصيات والمغتربين.. حيث يتم التوزيع أصولاً للنازحين والفقراء اعتماداً على نتائج جولات لجان المسح، وهي «مستقلّة» لا تتبع أي تنظيم أو مجلس)، مذكراً أخيراً بقلّة الدعم الإغاثي والعدد الهائل من النازحين الذي وصل إلى حدود نصف مليون في كوباني وحدها.

فلاشة: رغم تعدد الهيئات الإغاثية في كوباني، فإن حجم الدعم ضئيل، فالمدينة تفتقد إلى المشافي المجهَّزة للعمليات اللازمة، وينقصها الدواء الذي لا يتوافر إلّا بأسعار عالية.

ويتحدث الدكتور كانيوار إسماعيل عن نقص في الأدوية وعدم القدرة على توفيرها واللجوء إلى البديل بسعر عالٍ جداً، ولا توجد مشافي ميدانية أو إغاثية أو معدات لإجراء العمليات الجراحية أو الإسعافية)، ولكنه يوضّح أيضاً أن لافتتاح بوابة عين العرب مع تركيا أثر مهم وإيجابي، ففي ظل انعدام المشافي المجهّزة في كوباني، يتم إسعاف الحالات الحرجة إلى تركيا عن طريق هذا المعبر الحدودي.

وعن الجهات الداعمة للجانب الطبي، قال الدكتور كانيوار: (لا توجد أية جهات رسمية وإنما تحصل بعض المشافي أو الهلال الأحمر على دعم من أشخاص ومغتربين).

وفي مجال العناية بذوي الاحتياجات الخاصة، أُنشئت جمعية (هيفي)، بهدف بناء قاعدة بيانات شاملة عن الإعاقة في كوباني وريفها، ومحاولة تبني مصابيها وتقديم الدعم المعنوي لهم.

(مركز العدالة والسلم الأهلي) يقوم بدور المحكمة:

وعن الوضع القضائي في كوباني؛ تحدّث المحامي محمد خضر عن تشكل تجمعين أساسيين للمحامين، هما: (تجمّع محامي كوباني)، و(مجلس المحامين في كوباني). أما الهيئة القضائية الأساسية التي تقوم بدور «المحكمة» فهي: مركز العدالة والسلم الأهلي.

وعن آلية عمل مركز العدالة والسلم الأهلي، يشرح المحامي خضر: (بعد أن يتم اعتقال أحد من قبل قوات الأسايش يُحقّق معه في مقر نيابة الأسايش، ومن ثم يحوّل المعتقل إلى السجن الاحتياط، ليتم التحقيق معه في مركز العدالة، ويحق له توكيل محامٍ).

وفي شرعية مركز العدالة قال: (يستمدّ مركز العدالة والسلم أحكامه من القانون السوري، مع تعديله بما يناسب المرحلة، بعد استشارة مجلس المحامين. أما مجلس القضاء فمؤلف من 15 قاضٍ، ويتم تسجيل كل الدعاوي وأرشفتها برقم قيد. وتُتّخذ الأحكام بالاعتماد على نصوص القانون وبالتصويت).

فلاشة: يقوم مركز العدالة والسلم الأهلي بدور المحكمة. بينما يشكل محامو كوباني تجمعين أساسيين؛ تجمّع محامي كوباني، ومجلس المحامين في كوباني.

لا علاقة بين المجلس المحلي والعناصر المقاتلة في كوباني:

تأسّس المجلس المحلي في نيسان من العام الحالي، ويحدثنا عضو المجلس «مصطفى حسين» قائلاً: (اجتمع عدد من الشباب ورجال المجتمع ونشطاء الحراك الثوري لتشكيل مجلس محلي يكون قادراً على التواصل مع المحيط وتوفير الخدمات، ومن خلال لجنة تحضيرية تمت دعوة حوالي 40 من الوجهاء والشخصيات التي تمثّل مكونات المنطقة، وتمّ انتخاب مجلس محلي مكوّن من 15 شخصاً، ومنهم تم انتخاب رئيس ونائب ومجلس تنفيذي ورؤساء مكاتب حسب التخصص، ليكون جزءاً من مجلس محافظة حلب الحرّة الذي يموّلنا بميزانية متجددة كل فترة)، وانبثقت عن المجلس مجموعة من اللجان نذكر منها: الإغاثة، الصحة، التعليم، الإعلام، الحقوق، الخدمات.

وعن العلاقة بين الكتائب المسلحة والمجلس المحلي، تحدّث عضو المجلس «مصطفى حسين»: (لا توجد أية علاقة بيننا وبين قوات ال YPG، التي تسيطر على المنطقة والتي تتبع لحزب الاتحاد الديمقراطي، الذي بدوره يصادر كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية)، ويصرّ عضو المجلس المحلي على أن يتمتع المجلس المحلي بإمكانية القيام بعمله: (فنحن نواة لسلطة نظام ديمقراطي حر، وسننفذ مايتوجّب علينا من مهام خدمية، إلى جانب رعاية أمور الناس وتنظيم حياتهم، وتأمين احتياجاتهم. فنحن جهة منفذة ويجب أن تكون قادرة على تقديم الخدمات، والمجلس هو الذي يمثّل الحكومة المستقبلية والإدارة التي تدير المنطقة أو التي ستديرها، وتحفظ أمنها وتقدم الخدمات ريثما تترسخ أسس حكومة قادرة على إدارة الدولة).

فلاشة: يعمل المجلس المحلي بلا تواصل مع العناصر المقاتلة التي ترسم الوضع الأمني في المدينة. لذلك يفقد الكثير من فاعليته وسط الصراع العسكري بين الفصائل التي تدير المنطقة.

ومن جهة أخرى ينتقد بوزان عمر أداء المجلس المحلي والواقع المعيشي في كوباني: (ارتفاع الأسعار، وعدم توفير الخدمات، وفرض الغرامات، ودفع الأهالي لأجور أي عمل كالنظافة أو إصلاح انقطاع التيار الكهربائي، وانقطاع المياه)، فالأهالي هم من يدفعون ثمن أي عطل، كل ذلك إشكاليات متعدّدة تضاف إلى واقعنا المتعب).

وعن عدم قدرة المجلس المحلي على تفعيل دوره، يقول محمود حسن عضو المكتب الخدمي: (المجلس المحلي لا يقدم الخدمات المطلوبة منه، وذلك نتيجة عدم قدرته على العمل وسط وضع عسكري معقد، ووسط الصراع السياسي بين الفصائل التي تدير المنقطة، فالاتحاد الديمقراطي هو الذي أخذ على عاتقه إدارة المنطقة ويرفض مشاركة المستقلين أو الأحزاب، إلا تلك الجهات التي تقبل الانضمام أو العمل وفق أجنداته وهذا ما يخلق قلقاً كبيراً لدى الناس).

ويضيف عوامل أخرى لضعف أداء المجلس المحلي: (كما أنه لا توجد لدى المجلس ميزانية كافية للقيام بالمطلوب منه، ولا توجد أية ضمانات أمنية للتحرك بسهولة، وأعضاؤه متطوعون وغير مفرغين وبالتالي لا يمكنه القيام بالمطلوب).

ظاهرة الهجرة من كوباني إلى العراق وتركيا:

يتحدّث عز الدين محمد، عضو المجلس الوطني الكردي سابقاً، عن سيطرة حزب واحد على كوباني قائلاً: (تُدار المدينة عسكرياً وأمنياً وقضائياً من قبل حزب واحد (حزب الاتحاد الديمقراطي ومؤسساته) وهو الذي يحتكر السلاح والسلطة والقضاء ولا يقبل التشاركية أو الإدارة المشتركة، وبالتالي فكل الإيرادات، والغرامات أو الأتاوي تذهب لخزينة الاتحاد الديمقراطي).

فلاشة: اللجان الشعبية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي تتسلّم أجور الإصلاح والخدمات العامة. كما أنها تسيطر على الجوانب المدنية والخدمية.

وعن ظاهرة دفع الضريبة إلى الحزب، يقول: (سكان كوباني يدفعون أجور الإصلاح للجان الشعبية المرتبطة بالحزب، فإذا انقطعت أسلاك الكهرباء في حي ما فإن اللجان الشعبية تجمع الأموال من الناس وتقوم بالإصلاح، وغالباً ما تكون الأموال المجموعة أكثر من التكلفة)، ويضيف: (هذا بالإضافة إلى سيطرته على الجوانب المدنية والخدمية من خلال إيجاد تنظيمات تابعة له بصفة مستقلة).

وفي موضوع الهجرة من كوباني يؤكد جوان أحمد أن الأسباب الرئيسية تتعلق بالخوف من التنظيمات الراديكالية في محيط المدينة، وتسلّط حزب واحد على السلطة في المدينة، إضافة إلى أسباب اقتصادية تتعلق باحتياجات الناس وقضايا العمل.

برومو الشهيد ناجي الجرف